روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: ((أنا حربٌ لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما أُسري بي رأيت على باب الجنة مكتوبًا بالذهب، لا بماء الذهب: لا إله إلا الله، محمد حبيب الله، عليٌّ ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسن: ((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه))
وعنه أنه قال: ((إن ابني هذا سيد، ومن أحبني فليحب هذا في حجري))
وروينا عن سلمان رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة جنة النعيم، ومن أبغضهما وبغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم خالدا فيها وله عذاب مقيم)).
وروينا عن عبدالله بن الزبير قال: لقد رأيت الحسن بن علي عليهما السلام؛ يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد فيركب على ظهره، وما يُنزله حتى يكون هو الذي يَنزل، ويأتي وهو راكع فيفرِّج له بين رجليه حتى يأتي من الجانب الآخر.
وفي ذلك يقول الإمام المنصور بالله عليه السلام في كلمة له:
ألم يكن والدي هُبِلْتَ إذا صـ ... ـلَّى لديه امتطى على صلبه
ثم يشير اتركوه لا تَرَكَتْ ... لك الرزايا مالاً لمنتهبه
وعن عكرمة قال: بينا ابن عباس يُحدث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال: يا ابن عباس، تفتي في النملة والقملة، صف لي إلهك الذي تعبده! فأطرق ابن عباس إعظامًا لقوله، وكان الحسن عليه السلام جالسًا في ناحية فقال: إليَّ يا ابن الأزرق، قال: لستُ إياك أسال، قال ابن عباس: يا ابن الأزرق، إنه من أهل النبوَّة، وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسن عليه السلام، فقال له الحسن: يا نافع، إنه من وضع دينه على القياس لم يزل دهره في التباس، قابلاً غير المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل. يا ابن الأزرق، أصِفُ ألهي بما وصف به نفسه، وَأُعَرِّفَهُ بما عرَّف به نفسه: لا يُدرَك بالحواس، ولا يُقاسُ بالناس، فهو قريب غير ملتصق، وبعيدٌ غير متقص، يُوَحَّد ولا يُبَعَّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال، قال: فبكى ابن الأزرق، وقال يا حسن: ما أحسن كلامك! أما والله يا حسن لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام، ونجوم الأحكام، حتى بَدَّلْتُم فاستبدلنا بكم، فقال الحسن: إني أسالك عن مسألة، قال: سل، قال: هذه الآية: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف: 82] يا ابن الأزرق، من حُفِظَ في الغلامين؟ قال: أبوهما، قال الحسن: فأبوهما خيرٌ أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال ابن الأزرق: قد أنبانا الله بأنكم قوم خَصِمُون.
وروينا عن قتادة عن الحسن (البصري) (رضي الله عنه) أن رجلاً قال: يا أبا سعيد، أمعاوية كان أحلم أم الحسن؟ قال: بل الحسن، قال إنما أعني معاوية بن أبي سفيان الذي كان أمير المؤمنين، قال الحسن (رضي الله عنه): وهل كان ذلك إلا حمارًا نهاقًا.
وروينا أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يمشيان إلى الحج فلم يمرا براكب إلا نزل يمشي، فثقل ذلك على بعضهم فقالوا لسعد بن أبي وقاص: قد ثقل علينا المشي ولا نستحسن أن نركب وهذان الفتيان يمشيان، فقال سعد للحسن عليه السلام يا أبا محمد، إن المشي قد ثقل على جماعة ممن معك، والناس إذا رأوكُما لم تطب أنفسُهم بأن يركبوا، فلو ركبتما، فقال الحسن عليه السلام: لا نركب قد جعلت على نفسي أن أمشي، ولكن أتنكب الطريق، فأخذَ جانبًا.
وروينا عن المغيرة بن أبي نَجيح: ((أن الحسن بن فاطمة عليهما السلام حجّ خمسًا وعشرين حجةً وقاسم مالَه ربَّه مرتين)).
وروى السيد أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب نسب آل أبي طالب بإسناده إلى عبدالله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن بن علي خمسًا وعشرين حجةً ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه.
وروينا عن مدرك بن أبي راشد قال: كنَّا في حيطانٍ لابن عباس فجاء الحسن والحسين عليهما السلام، فطافا بالبستان قال: فقال الحسن عليه السلام: عندك غداء يا مدرك؟ قال: قلت: طعام الغِلمان، قال: فجئته بخبز وملح جريش وطاقات بقل، قال: فأكل ثم جيء بطعامه وكان كثير الطعام طيبه، فقال: يا مدرك، اجمع غلمان البستان، فجمعهم فأكلوا ولم يأكل، فقلت له في ذلك فقال: ذاك كان عندي أشهى من هذا، قال: ثم توضأ ثم جيء بدابته، فأمسك له ابن عباس بالركاب وسَوَّى عليه، ثم مضى بدابة الحسين فأمسك له ابن عباس بالركاب فسوى عليه ثم مضى، قال: قلت له: أنت أسَنُّ منهما تمسكُ لهما؟ قال: يا لكع أو ما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أوليس هذا مما أنعم الله به علي أن أُمسك لهما وأسوِّيَ عليهما!
وسمع الحسن عليه السلام رجلاً يسألُ الله عشرة آلاف فانصرف الحسن عليه السلام إلى منزله فبعث بها إليه.
وروي أن الحسن عليه السلام كان عند معاوية في جماعة من قريش، فذكر كل واحد منهم قومه وقديمه وحديثه، والحسن عليه السلام ساكت، فقال معاوية: يا أبا محمد، مالي أراك ساكتًا، فوالله ما أنت بكليل اللسان، ولا مأشوب الحسب، فقال الحسن عليه السلام والله ما ذكروا مكرمة مونقة، ولا فضيلة قديمة إلا ولي محضها وجوهرها، ثم قال:
فيمَ المرآء وقد سَبقتُ مُبرِّزًا؟ ... سبق الجواد من المدى المتباعد
نحن الذين إذا القروم تخاطروا ... فُزْنا على رغم العدوّ الحاسد
دانت لنا رَغْمًا بفضل قديمنا ... مُضَرٌ وقوَّمنا طريق الحايد
ومن مواقعه عليه السلام: ما روي أنه كان عند معاوية يومًا فافتخر معاوية فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أغزرها جودًا، وأكرمها جدودًا، أنا ابن من ساد قريشًا فضلاً ناشئًا وكهلاً، فقال الحسن عليه السلام: أعليَّ تفتخر يا معاوية؟! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق، والجود اللائق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به؟ وقديم كقديمي تساميني به؟ قل نعم أو لا، قال: بل أقول لا، وهي لك تصديق، فقال الحسن عليه السلام:
الحقُّ أبلج ما يُخيل سبيله ... والحق يعرفه ذووا الألبابِ
ومن مقاماته عليه السلام:
ما روي أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي معَيط، والمغيرة بن شعبة فقالوا: يا معاوية، أرسل لنا إلى الحسن بن علي لنسُبَّ أباه ونوبِّخَه ونُصَغِّرَهُ، وكانوا قد تواطئوا على أمر واحد، ثم قال عمرو: إن الحسن قد أحيا أباه، وخفقت النعال خلفه، وأمر فَأُطِيع، وقال فَصُدِّق، وهذا رافعه إلى ما هو أعظم منه، فلو بعثت إليه، فأخذنا منه النصفَة كان رأيًا، فقال معاوية: إني والله أخاف أن يقلِّدكم قلائد تبقى عليكم في قبوركم، فوالله ما رأيتُه قط إلا خفتُ جنابه، وهِبتُ عتابَه، وإن بعثت إليه والله أنصفتُه منكم، فقال عمرو: أتخاف أن يأتي باطلُه على حَقِّنا، أو مرضه على صحتنا؟ قال: لا فابعثوا إليه إذًا فالقوه بما في أنفسكم، ولا تُكَنَّوا ولا تلجلجوا، وصرِّحوا ولا تعرضوا، فلن ينفعكم غير التصريح.
قال: فبعثوا إلى الحسن عليه السلام، فقال الرسول: أجب أمير المؤمنين معاوية، فقال من عنده؟ فسماهم، فقال: مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم قال: يا جارية، أبلغيني ثيابي، ثم قال: اللهمَّ إني أدراُ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك عليهم، فأكفنيهم بما شئت، وكيف شئت، وأنَّى شئت بحولك وقوتك يا رحمان، ثم قال للرسول: هذه كلمات الفرج، فلمَّا أتى معاوية رحَّب به وناوله يده، فقال الحسن: إنَّ الترحيب سلامة، والمصافحة أمانة، قال: أجل، فلمَّا قعد قال له معاوية: ما أنا دعوتك ولكن هؤلاء أحرجوني فيك حتى أرسلت إليك فدعوتك لهم، وإنما دعوك ليقرروك أن عثمان قُتِلَ مظلومًا، وأن أباك قتله، فاسمع منهم وأجبهم، ولا يمنعنك هيبتي ولا هيبتُهم أن تتكلم بصليب لسانك، فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله! البيت بيتك، والإذن فيه إليك، والله لئن كنتَ أجبتَهم إلى ما قالوا إنَّه استحياء لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك على ما تريد إنه استحياءٌ لك من الضعف، فبأيِّهما تُقِر؟ ومن أيِّهما تفر؟ فهلاَّ إذْ أرسلت إليَّ أنبأتني فأجيء بمثلهم من بني هاشم، على أنهم مع وحدتي أوحش منهم مع جميعهم، وإن الله لوليِّي فَلْيقولوا فأسمع.
فبدأ عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عليًّا عليه السلام فلم يترك شيئًا من الوقوع فيه حتى عَيَّره بأنَّه شتم أبا بكر، واشترك في دم عمر، وقتل عثمان مظلومًا، وادَّعى ما ليس له بحق، ثم قال: إنكم معشر بني هاشم لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخليفة، واستحلالكم ما حرَّم الله عليكم، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يَحلُّ لكم، ثم أنت يا حسن: كيف تحدث نفسك أنك كائن خليفة؟ وليس عندك عقل ذلك ولا رأيه، فكيف تُراك تأتيه، وأنت أحمق قريش! وفيك سوء عقل أبيك، وإني دعوتك لأسُبَّكَ وأباك، ثم لا تستطيع أن تغيِّرَه، ولا أن تكذبه، فأمَّا أبوك فقد كفانا الله شرَّه، وأمَّا أنت ففي أيدينا نتخيّر فيك، والله لو قتلناك ما كان في قتلك إثمٌ من الله، ولا عتب من الناس، فتكلَّم، وإلا فأعلم أنك وأباك من شر خلق الله تعالى.
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: إنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، ثم لم تَدَوْهُ، ولم تقيدونا به، والله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم من الله، ولا لومٌ من الناس، وكان من الحق أن نقتلك وأباك، فأمَّا أبوك فقد تفرَّد الله بقتله وكفاناه، وأمّا أنت فقد أقادك الله به إذ كان أبوك شرَّ قريش لقريش، أقطعهم لأرحامها، وأسفكهم لدمائها، وعليك القود في كتاب الله فنحن قاتلوك به. وأمّا رجاؤك الخلافة فليست قدحة رأيك، ولا رجح ميزانك.
ثم تكلم الوليد بن عقبة فقال: إنكم بني هاشم كنتم أخوال عثمان، ولنعم الولد كان لكم إذ كنتم أصهاره، ولنعم الصهر كان لكم، يعرف حقكم، ويكرمكم، وإنكم كنتم أول من حسده ودب في قتله وفتك به، وكنتم أنتم قتلتموه، وأطعتم الناس في قتله؛ حرصاً على الملك، وقطيعة للرحم، فكيف ترون الله طلب بدمه؟ وكيف ترون منزلكم منازلكم؟ أمّا أبوك فقتله الله، وأما أنت فصرت إلى ما كرهت.
ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فقال يا حسن: إن عثمان قُتل مظلوماً، ولم يكن لأبيك في ذلك عذر بريء، ولا اعتذار مذنب، غير أنا ظننا أنه راض بقتله لضمِّه قتلته، ومكانهم منه، وكان والله طويل اللسان والسيف، يقتل الحي ويعيب الميِّت، وبنو أمية لبني هاشم خير من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك منك له.
ثم تكلم الحسن عليه السلام: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معاوية، والله ما شتمني غيرك فحشًا منك، وخلقًا سيئاً، وبغياً عليَّ، وعداوةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قديماً وحديثاً، ولا أبدأُ إلا بك، ولا أقول إلا دون ما فيك، والله لو كنتُ أنا وهؤلاء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحولنا أهل المدينة لما استطاعوا أن يتكلّموا بالذي تكلّموا به، ولكن اسمعوا أيها الملأ، ولا تكتموا حقاً علمتموه، ولا تصدقوا باطلاً إن تكلمتُ به: أنشدكم الله، أتعلمون أن الرجل الذي شتمتم وتناولتم منه اليوم قد صلى القبلتين كلتيهما، وأنت يا معاوية كافر بهما تراهما ضلالة وتعبد الّلات والعزّى، وبايع البيعتين بيعة الرضوان وبيعة الفتح وأنت يا معاوية بالأولى كافر وبالثانية ناكث.
وأنشدكم الله، أتعلمون أن علياً لقيكم يوم الأحزاب ويوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ومعك يا معاوية لواء المشركين من قريش في كل ذلك يفلج الله حجته، ويُحق دعوته، ويصدِّق أحدوثته، وينصر رايته، وفي كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راض عنه في المواطن كلِّها.
وأنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصر قريظة والنضير، فبعث عمر براية المهاجرين، وسعد بن معاذ براية الأنصار، فأمّا سعد فجيء به جريحًا، وأمّا عمر فرجع بأصحابه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحبُ الله ورسولَه، ويحبُه اللهُ ورسولُه يفتح الله على يديه)).
فتعرّض لها أبو بكر وعمر، وعلي عليه السلام يومئذٍ أرمد، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه إياها، فلم يلبث حتى فتح الله عليه، فاستنزلهم على حكم الله ورسوله، وأنت يومئذ مشرك بمكة عدو لله. بالله أتعلمون أن عليًا عليه السلام من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن حرّم الشهوات، من الذين أنزل الله فيهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] وكان في رهط هو عاشرهم، فأنبأهم الله أنهم مؤمنون، وأنت في رهط قريب من أولئك لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ونشدتك بالله، أتعلم أنك كنتَ تسوق أباك يوم الأحزاب، ويقود به أخوك هذا القاعد: عتبة بن أبي سفيان على جمل أحمر بعد ما عمي أبو سفيان، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجملَ والقائدَ والراكبَ والسائقَ.
ونشدتك بالله، أتعلم أنك كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يعجبه حسن خطك، فأرسل إليك يوماً، فقال الرسول: هو يأكل، فأعاد ذلك مراراً، كل ذلك يقول الرسول: هو يأكل، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم لا تشبع بطنه)) فنشدتك الله، ألست تعرف تلك الدَّعوة في نهمتك وأكلك ورغبة بطنك؟
ونشدتك بالله! أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: لعنه يوم لقيه خارجاً من مكة مهاجرا إلى المدنية، وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه وسبَّه وكذَّبه وأوعده وهمَّ أن يبطش به، فصدَّه الله عنه. ولعنه يوم أحد، قال أبو سفيان: أُعل هبل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الله مولانا ولا مولى لكم. ولعنة الله وملائكته ورسله عليه. ولعنه يوم بدر إذ جاء أبو سفيان بجميع قريش، فردَّهم بغيظهم، فأنزل الله فيهم آيتين: سَمَّى أباك في كلتيهما وأصحابَه كافرًا، وأنت يا معاوية يومئذ مع أبيك.
ولعنه يوم الهَدي معكوفًا أن يبلغ محله، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يطف بالبيت، ولم يقض نسكه. ولعنه يوم الأحزاب: جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عيينة بن حصن بن بدر بغطفان، وواعدكم قريظة والنضير، فلعن اللهُ القادةَ والاتباعَ، فأما الأتباع فلا تصيب اللعنة مؤمنًا، وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناج. ولعنه يوم حملوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة، وهم اثنا عشر رجلاً: سبعة من بني أمية، وأبو سفيان فيهم، وخمسة من سائر قريش، لعن الله من على الثنية غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وناقته وسائقها وقائدها، فهل تردُّوا عليَّ مما قلت شيًئا؟.
ومنها: لعنك يوم أبوك همَّ أن يُسلم، فبعثت إليه بشعر معروف تنهاه عن الإسلام، فهذه مواطن لُعِنت فيها أنت وأبوك. ومنها: ولاك عمر الشام فخنته، وولَّاك عثمان فتربصت به، وقاتلت علياً عليه السلام على أمر كان أولى به منك عند الله، فلما بلغ الكتاب أجله، وصار إلى خير منقلب، وصرت إلى شرِّ مثوى، وقد خفَّفتُ عنك من عيوبك.
وشعرُ معاوية إلى أبيه يرده عن الإسلام:
يا صخر لا تسلمن طوعًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
جَدِّي وخالي وعمِّ الأم يا لهمُ ... قومًا وحنظلة الْمُهدِي لنا الأرقا
لا تركنَنَّ إلى أمر يُقلدنا ... والراقصات به في مكة الحرُقا
والموتُ أهون من قول السفاه لقد ... خلّى ابن حربٍ لنا العزّى لنا فرقا
فإن أتيت أبينا ما تريد فلا ... نثني عن اللّات والعُزّى لنا عنُقا
وأمّا أنت يا عمرو: فإن أول لؤمك أنك وُلِدت على فراش مشترك، وقد احتج فيك خمسة من قريش: أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان ابن الحويرث، والنضر بن حارثة، والعاص بن وائل، كل واحد منهم يدّعي أنك ابنه، فغلب عليك جزّار قريش ألأمُها حسبًا، وأخبثها منصباً، وأعظمها لعنة، ثم قمت خطيباً في قريش، فقلت: إني شانئٌ محمدًا، فأنزل الله تعالى فيك: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] ثم كنت في كل يوم قاتَلَ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشدهم له عداوةً وتكذيباً، ثم كنت من الفسقة الذين ركبوا إلى النجاشي في جعفر، فكذّبك الله وردّك بغيظك، فلما أخطأك ما رجوتَ أجلبتَ على صاحبك عمارة بن الوليد فقتلته. وأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام، ولسنا نلومك على حسبك، ولا نستعتبك على حبٍّ، وقد هجوتَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين بيتًا، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إني لا أحسن الشعر، ولكن الْعنْهُ بكل بيت لعنة، فأما قولك في عثمان، فإنك ألهبتها عليه شانياً، ثم هربت إلى فلسطين، فلما بلغك قتلُه حبستَ نفسَك على معاوية، فبعته دينَك بدنياه، ولسنا نلومك على بغضنا، وأنت القائل حيث قلت:
تقول ابنتي: أين أين الرحيـ ... ـل؟ وما السير مني بمستنكرِ
فقلت: دعيني فإني امرؤُ ... أريد النجاشي في جعفرِ
لأكويَه عنده كيَّة ... أقيم بها صَعَر الأصْعَرِ
ولا أنثني عن بني هاشم ... بما اسْطَعتُ في الغيب والمحضرِ
وعن عائب اللّات في قوله ... ولولا رضى اللّات لم نُمطرِ
وإني لأشنى قريش له ... وأقْولهم فيه بالمنكرِ
وأجرا قريش على عيبه ... وإن كان كالذَّهب الأحمرِ
فإن بزَّني الأمر تابعته ... وإلاّ لويتُ له مشفرِ
وأما أنت يا عتبة: فوالله ما أنت بحصيفٍ فأجيبك، ولا عاقل فأعيبك، ولا فيك خير يُرتَجى، ولا شرٌّ يُتَّقى، وأمّا وعيدُك إياي بالقتل فهلا قتلت الذي وجدتَ على فراشها قد غلبك على فرجها، وأشركك في ولدها؟ ولو كنتَ تستحيي من شيءٍ، أو تقتل أحداً لما أمسكتها بعد إذ بغت عليك، ولم تغر عليها ولا عليه، فكيف يخافك أحدٌ؟! أم كيف توعَّد الناس بالقتل وقد تركته! ولا ألومك على سبِّ عليٍّ عليه السلام، وقد قتل خالك مبارزةً، واشترك هو وحمزة في جدك فقتلاه. وأما قولك في رجائي الخلافة، فلعمري إن لي لَملبسًا، ولكنّك والله ما أنا بنظير أخيك، ولا خليفة أبيك، وكان حقًا لك أن تستحيي من قول نصر بن الحجاج حيث يقول:
يا لرجال لحارث الأزمان ... ولسوءةٍ ساءت أبا سفيان
نبئتُ عتبة قذَّرته عرسه ... بصداقة الهُذَلي من لحيان
ألفاه معها في الفراش فلم يكن ... حُراً وأمسك شرّة النسوان
لله درُّك خلِّ عنها إنها ... ليست وعندك علمها بحصان
واطلب سواها حرّة مأمونة ... ألقت عليك بثقلة الديثان
لله درك إنها مكروهة ... قالوا الزنا ونكاحها سيّان
لا تُلْزمنْ يا عتُب نفسك حبَّها ... إن النساء حبائلُ الشيطان
وأمَا أنت يا وليد: فلا ألومك أن تسبَّ عليًا عليه السلام وقد جلدك في الخمر، وقد قتل أباك بيده صبرًا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف تسبَّه وقد سمّاه الله في عشر آيات مؤمنًا وسمّاك فاسقًا!، وكيف تسبَّه وأنت عِلْجُ صفُّوريَّة!.
وأما زعمك أنا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزبير أن يقولا لعليٍّ ذلك، ولو استطاعا لقالا، وكأنك قد نسيت قول شاعرك حيث يقول:
أنزل الله في كتاب عزيز ... في عليٍّ وفي الوليد قرآنَا
القصيدة.
وأما أنت يا مغيرة: فوالله ما كنت حقيقًا أن تقع في هذا الكلام، إنما مثلك مثل البعوضة حيث وقعت على النخلة، فقالت لها: استمسكي فإني نازلةٌ عنك، فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك فيشق عليَّ نهوضك، ونحن والله ما شعرنا بعداوتك ولا غمّتنا إذ عرفناها، ولكن أخبرني بأي الخصال تسبُّ عليًا: انتقاصًا في نسبه؟ أم بُعدًا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم سوءَ بلاءٍ في الإسلام؟ أم جَوْرَ حُكْمٍ؟ أم رغبة في الدنيا؟ فلئن قلتَ واحدةً منها فقد كذبت، أو جئت تزعم أن عليا عليه السلام قتل عثمان، ولعمري لو قتله ما كنتُ من ذلك في شيء، فأمّا قيلكم في الأمر والملك الذي أُعطيتم فإن الله تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] والله ما نصرت عثمان حيًا، ولا غضبت له ميتًا، وما زالت الطائف دارك حتى كان أمس، وأما اعتراضك في بني هاشم أو بني أميّة، فهو ادعاؤك إلى معاوية.
ونفض ثيابَه وخرج.
فقال معاوية: ذوقوا، قد نبأتكم، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت، وقال معاوية شعرًا:
أمرتكم أمرًا فلم تسمعوا له ... وقلتُ لكم لا تبعثُنَّ إلى الحسن
فإني وربِّ الراقصات عشية ... بركبانها يهوين من سرّة اليمن
أخاف عليكم منه طول لسانه ... وبعد مداه عند تجريره الرّسن
فلما أبيتم كنتُ فيه كبعضكم ... وكان خطابي فيه غَبْنًا من الغَبَن
فأجمعتُم بغيًا عليه وغدرةً ... وقد يعثر العير المدلَّ من السمن
فكيف رأيتم غِبَّ رأيي ورأيكم ... على أنه دار السلاح على المحن
فحسبكم ما كان من نضج كَيِّه ..وحسبي وحسب المرء في القبر والكفن
وقال قثم بن العباس:
والله لو جئنا لما قال قائل ... مع ابن رسول الله حرفا مدى الدّهر
وانصرُه منكم وأنتم عصابةٌ ... أذلُّ بحمد الله من عازب الوبر
دلفتم بعمروٍ واثقين بفحشه ... إلى ابن رسول الله خُرقًا ولا ندري
وليس يساوي عَمْرُكم شسع نعله ... ألا لا وشِسْعُ النعل أفضل من عمرو
وقد كان للمرء المعيطي شاغلٌ ... عن ابن رسول الله في الطهر والخمر
وقل لأبي سفيان عتبه زفَّها ... إليك عروسًا واترك الفخر في فهر
وما الأحمق الزَّنّا إلا بعوضة ... هوت في ذناب الريح في لجة البحر
ورأس خطاياهم معاوية الذي ... يردُّ بطير الماء عادية الصقر
فلما أتاه الصقر أبصر صيده ... فظلت دماء الصيد في نحره تجري
أتؤذي نبي الله في أهل بيته ... وتوصل أرواثًا جُمعن من الْحُمر
على غير ذنب كان منا علمته ... سوى ما قتلنا من قريش على الكفر
من قصيدة له طويلة، وكانوا يهابون الحسن عليه السلام بعد ذلك حتى قبض.
وقال غيلان بن مسلمة من قصيدة له:
ألا أبلغا عني المغيرة مالكًا ... عجلت إلى أمرٍ وفي عجلك الزّللْ
وغرّك عمروٌ والوليدُ سفاهةً ... وعتبة ممن كان فيه عسى وعلْ
دعوك وأعراض الحتوف كثيرة ... إلى الحيَّة الصَّمَّاء والقائل الفُعَل
إلى خير من يمشي على الأرض حافيًا .. ومنتعلاً في الهدي والقول والعمَل
إلى حسن من غير ذنب أتى به ... إليك ولا عار تجر له العِلَل
فسمَّاك فيما كنت فيه بعوضة ... وكان بها فيما مضى يضرب المثل
فوالله ما أخطى الذي أنت أهله ... ألا ربّ حاد قد حدا غير ذي جَمل
وعبت عليًا والحوادث جمَّةً ... فما لك في التقوى رجاء ولا أمل
ومناقبه عليه السلام ظاهرة، وبدور شرفه باهرة.
ذكر بيعته عليه السلام
بُويع له بعد موت أمير المؤمنين عليه السلام، يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وكان من كلامه عليه السلام بعد الخطبة - وقد ذكر أمير المؤمنين فقال: خاتم الوصيين، ووصي خاتم الأنبياء، وأمير الصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال: أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون، ولا يُدْركه الآخِرون، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله عليه، ما ترك ذهبا ولا فضة إلا شيئًا على صبي له، وما ترك في المال إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادمًا لأم كلثوم، ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تلا قول يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله السراج المنير، وأنا ابن الذي أُرسِلَ رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل عليهم، وعنهم كان يعرُج، وأنا من أهل: البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} [الشورى: 23] واقترافُ الحسنة مودتُنا.
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال- بعد حمد الله والثناء عليه:
أما بعد: فإنَّ الله بعث محمداً بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، فأدَّى عن الله رسالاته، ونصح الله في عباده حتى توفّاه، وقد رضيَ عمله، وغفر ذنبه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر الذين ولوا الأمر من بعده، وذكر عثمان وقال: إنه خالف سنة من كان قبله، وسن سنن ضلالة لم تكن قبله، واستأثر بالفيء وحابى به قرباءه، ووضعه في غير موضعه، فرأى أهل الفضل من هذه الأمة أن ينفوا ما رأوا من إحداثه فقتلوه، ثم نهضوا إلى خير خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولاهم بالأمر من بعده فبايعوه، فأقام الكتاب، وحكم بالحق، وتخلى من الدنيا، ورضي منها بالكفاف، وتزود منها زاد البلغة، ولم يؤثر نفسه ولا أقرباءه بفيء المسلمين، فتوفاه الله حسن السيرة، تابعًا للسنة، ماحقًا للبدعة، وهذا ابنه وابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولى عباد الله اليوم بهذا الأمر، فانهضوا إليه رحمكم الله، فبايعوه ترشدوا وتصيبوا، ثم قال: ابسط يدك يا ابن رسول الله أبايعك، فبسطها فبايعه، ثم تبعه العيون من أهل الفضل.
وروينا عن أبي بكر الهذلي قال: أتى أبا الأسود الدؤلي نَعْيُ أمير المؤمنين وبيعة الحسن بن علي عليهما السلام، فصعد المنبر فخطب الناس، ونعى عليًا عليه السلام وقال في خطبته: إن رجلاً من أعداء الله المارقة في دينه اغتال أمير المؤمنين كرم الله وجهه ومثواه في مسجده، وهو خارج لتهجُّده في ليلة يُرجى فيها مصادفة ليلة القدر فقتله، فيا لله من قتيل! وأكرم به وبروحه من روح! عرجت إلى الله بالبر والتقوى، والإيمان والهدى، ولقد أطفأ نور الله في أرضه، لا يُضاء بعده، وهدم ركنًا من أركان الإسلام لا يشاد مثله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسب مصيبتنا بأمير المؤمنين، وعليه السلام ورحمة الله يوم ولد، ويوم قُتل، ويوم يُبْعثُ حياً.
ثم بكى حتى اختلجت أضلاعه، ثم قال: وقد أوصى بالإمامة إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه، وإني لأرجو أن يجبر الله به ما وهي، ويسد به ما انثلم، ويجمع به الشمل، ويطفي به نيران الفتنة، فبايعوه ترشدوا، فبايعت الشيعةُ كلها، وهرب قوم فلحقوا بمعاوية.
ولما فرغ الحسن عليه السلام من كلامه الذي تقدم، قام عبدالله بن العباس عليهما السلام يدعو الناس إلى بيعته ويأخذها عليهم، وأسرع الناس إلى بيعته، فبايعه: قيس بن سعد بن عبادة، وسليمان بن صُرَد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وسعيد بن عبدالله الحنفي، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، وكان يقول للرجل: تبايع على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم سلمُ من سالمت، وحرب من حاربت، فعلموا أنه يريد الجدَّ في الحرب، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد أوصاه بذلك عند وفاته، ووردت عليه بيعة أهل مكة والمدينة وسائر الحجاز والبصرة واليمامة والبحرين والعراقين، وزاد عليه السلام المقاتلة عند البيعة مائة مائة، فتبعه الخلفاء على ذلك، وهو أصل ما يسمى الآن مال البيعة.
وكتب عليه السلام إلى العمال يقرُّهم في أعمالهم، وبسط فيهم العدل، واستقامت له النواحي إلا الشام والجزيرة ومصر، قال أبو الفرج الأصفهاني: ودسَّ معاوية لعنه الله رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدُلّ على الحميري عند لحام جرير، ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم فأُخذا وقتلا.