Skip to content
الزيدية في : بلاد الحرمين
أئمة أهل البيت (ع) في منطقة : بلاد الحرمين
الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام

هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وأمه فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وروي أنها لما طُلِقَتْ فاطمة عليها السلام بالحسن بن علي عليهما السلام أُخْبِر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إلى أسماء بنت عميس وإلى عائشة، وقال: انطلقا إلى فاطمة، فإذا وضعت ما في بطنها فاقرأ بفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، واعلماني بما وضعت، ففعلتا ذلك وبعثتا إليه، فأذَّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، ولبَّاه بريقه فحنكه، وقال: اللهمَّ إني أعيذه بك وذريَّته من الشيطان الرجيم.

وجاء علي عليه السلام فقال: ما سميتَه؟ فقال: حرب يا رسول الله، قال: هو حسن، ومن بعده، حسين، وأنت أبو الحسن القرم.

ثم جاءت به أمُّه تحمله بعد ذلك، فقالت: يا رسول الله، انحَلْ ابني، قال: قد نحلتُه المهابة والحياء، ونحلتُ حسينًا الشجاعة والجود، وهما سيدا شباب أهل الجنة، ومن أحبهما فبحبي أحبَّهما، ومن أبغضهما أو بغى عليهما فببغضي أبغضهما.

وولد الحسن عليه السلام للنصف من شهر رمضان، سنة ثلاث من الهجرة عام أُحدٍ بعد الوقعة، وعقَّ عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم السابع كبشًا، وحلقت فاطمة عليها السلام رأسه وتصدَّقت بوزنه فضةً على المساكين.

صفته (ع)

كان علي عليه السلام يقول: إن الحسن والحسين اقتسما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالحسن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين مفرق صدره إلى نحره، والحسين أسفل من ذلك.

وروي أنه كان أبيض اللون، حسن الوجه، على رُتَّةٍ في لسانه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتته من قبَلِ جدِّه موسى عليه السلام، ونحله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المهابة والحياء كما تقدم في الخبر.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: ((أنا حربٌ لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما أُسري بي رأيت على باب الجنة مكتوبًا بالذهب، لا بماء الذهب: لا إله إلا الله، محمد حبيب الله، عليٌّ ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسن: ((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه))
وعنه أنه قال: ((إن ابني هذا سيد، ومن أحبني فليحب هذا في حجري))
وروينا عن سلمان رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة جنة النعيم، ومن أبغضهما وبغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم خالدا فيها وله عذاب مقيم)).
وروينا عن عبدالله بن الزبير قال: لقد رأيت الحسن بن علي عليهما السلام؛ يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد فيركب على ظهره، وما يُنزله حتى يكون هو الذي يَنزل، ويأتي وهو راكع فيفرِّج له بين رجليه حتى يأتي من الجانب الآخر.
وفي ذلك يقول الإمام المنصور بالله عليه السلام في كلمة له:
ألم يكن والدي هُبِلْتَ إذا صـ ... ـلَّى لديه امتطى على صلبه
ثم يشير اتركوه لا تَرَكَتْ ... لك الرزايا مالاً لمنتهبه
وعن عكرمة قال: بينا ابن عباس يُحدث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال: يا ابن عباس، تفتي في النملة والقملة، صف لي إلهك الذي تعبده! فأطرق ابن عباس إعظامًا لقوله، وكان الحسن عليه السلام جالسًا في ناحية فقال: إليَّ يا ابن الأزرق، قال: لستُ إياك أسال، قال ابن عباس: يا ابن الأزرق، إنه من أهل النبوَّة، وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسن عليه السلام، فقال له الحسن: يا نافع، إنه من وضع دينه على القياس لم يزل دهره في التباس، قابلاً غير المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل. يا ابن الأزرق، أصِفُ ألهي بما وصف به نفسه، وَأُعَرِّفَهُ بما عرَّف به نفسه: لا يُدرَك بالحواس، ولا يُقاسُ بالناس، فهو قريب غير ملتصق، وبعيدٌ غير متقص، يُوَحَّد ولا يُبَعَّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال، قال: فبكى ابن الأزرق، وقال يا حسن: ما أحسن كلامك! أما والله يا حسن لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام، ونجوم الأحكام، حتى بَدَّلْتُم فاستبدلنا بكم، فقال الحسن: إني أسالك عن مسألة، قال: سل، قال: هذه الآية: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف: 82] يا ابن الأزرق، من حُفِظَ في الغلامين؟ قال: أبوهما، قال الحسن: فأبوهما خيرٌ أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال ابن الأزرق: قد أنبانا الله بأنكم قوم خَصِمُون.
وروينا عن قتادة عن الحسن (البصري) (رضي الله عنه) أن رجلاً قال: يا أبا سعيد، أمعاوية كان أحلم أم الحسن؟ قال: بل الحسن، قال إنما أعني معاوية بن أبي سفيان الذي كان أمير المؤمنين، قال الحسن (رضي الله عنه): وهل كان ذلك إلا حمارًا نهاقًا.
وروينا أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يمشيان إلى الحج فلم يمرا براكب إلا نزل يمشي، فثقل ذلك على بعضهم فقالوا لسعد بن أبي وقاص: قد ثقل علينا المشي ولا نستحسن أن نركب وهذان الفتيان يمشيان، فقال سعد للحسن عليه السلام يا أبا محمد، إن المشي قد ثقل على جماعة ممن معك، والناس إذا رأوكُما لم تطب أنفسُهم بأن يركبوا، فلو ركبتما، فقال الحسن عليه السلام: لا نركب قد جعلت على نفسي أن أمشي، ولكن أتنكب الطريق، فأخذَ جانبًا.
وروينا عن المغيرة بن أبي نَجيح: ((أن الحسن بن فاطمة عليهما السلام حجّ خمسًا وعشرين حجةً وقاسم مالَه ربَّه مرتين)).
وروى السيد أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب نسب آل أبي طالب بإسناده إلى عبدالله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن بن علي خمسًا وعشرين حجةً ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه.
وروينا عن مدرك بن أبي راشد قال: كنَّا في حيطانٍ لابن عباس فجاء الحسن والحسين عليهما السلام، فطافا بالبستان قال: فقال الحسن عليه السلام: عندك غداء يا مدرك؟ قال: قلت: طعام الغِلمان، قال: فجئته بخبز وملح جريش وطاقات بقل، قال: فأكل ثم جيء بطعامه وكان كثير الطعام طيبه، فقال: يا مدرك، اجمع غلمان البستان، فجمعهم فأكلوا ولم يأكل، فقلت له في ذلك فقال: ذاك كان عندي أشهى من هذا، قال: ثم توضأ ثم جيء بدابته، فأمسك له ابن عباس بالركاب وسَوَّى عليه، ثم مضى بدابة الحسين فأمسك له ابن عباس بالركاب فسوى عليه ثم مضى، قال: قلت له: أنت أسَنُّ منهما تمسكُ لهما؟ قال: يا لكع أو ما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أوليس هذا مما أنعم الله به علي أن أُمسك لهما وأسوِّيَ عليهما!
وسمع الحسن عليه السلام رجلاً يسألُ الله عشرة آلاف فانصرف الحسن عليه السلام إلى منزله فبعث بها إليه.
وروي أن الحسن عليه السلام كان عند معاوية في جماعة من قريش، فذكر كل واحد منهم قومه وقديمه وحديثه، والحسن عليه السلام ساكت، فقال معاوية: يا أبا محمد، مالي أراك ساكتًا، فوالله ما أنت بكليل اللسان، ولا مأشوب الحسب، فقال الحسن عليه السلام والله ما ذكروا مكرمة مونقة، ولا فضيلة قديمة إلا ولي محضها وجوهرها، ثم قال:
فيمَ المرآء وقد سَبقتُ مُبرِّزًا؟ ... سبق الجواد من المدى المتباعد
نحن الذين إذا القروم تخاطروا ... فُزْنا على رغم العدوّ الحاسد
دانت لنا رَغْمًا بفضل قديمنا ... مُضَرٌ وقوَّمنا طريق الحايد
ومن مواقعه عليه السلام: ما روي أنه كان عند معاوية يومًا فافتخر معاوية فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أغزرها جودًا، وأكرمها جدودًا، أنا ابن من ساد قريشًا فضلاً ناشئًا وكهلاً، فقال الحسن عليه السلام: أعليَّ تفتخر يا معاوية؟! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق، والجود اللائق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به؟ وقديم كقديمي تساميني به؟ قل نعم أو لا، قال: بل أقول لا، وهي لك تصديق، فقال الحسن عليه السلام:
الحقُّ أبلج ما يُخيل سبيله ... والحق يعرفه ذووا الألبابِ

ومن مقاماته عليه السلام:

ما روي أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي معَيط، والمغيرة بن شعبة فقالوا: يا معاوية، أرسل لنا إلى الحسن بن علي لنسُبَّ أباه ونوبِّخَه ونُصَغِّرَهُ، وكانوا قد تواطئوا على أمر واحد، ثم قال عمرو: إن الحسن قد أحيا أباه، وخفقت النعال خلفه، وأمر فَأُطِيع، وقال فَصُدِّق، وهذا رافعه إلى ما هو أعظم منه، فلو بعثت إليه، فأخذنا منه النصفَة كان رأيًا، فقال معاوية: إني والله أخاف أن يقلِّدكم قلائد تبقى عليكم في قبوركم، فوالله ما رأيتُه قط إلا خفتُ جنابه، وهِبتُ عتابَه، وإن بعثت إليه والله أنصفتُه منكم، فقال عمرو: أتخاف أن يأتي باطلُه على حَقِّنا، أو مرضه على صحتنا؟ قال: لا فابعثوا إليه إذًا فالقوه بما في أنفسكم، ولا تُكَنَّوا ولا تلجلجوا، وصرِّحوا ولا تعرضوا، فلن ينفعكم غير التصريح.

قال: فبعثوا إلى الحسن عليه السلام، فقال الرسول: أجب أمير المؤمنين معاوية، فقال من عنده؟ فسماهم، فقال: مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم قال: يا جارية، أبلغيني ثيابي، ثم قال: اللهمَّ إني أدراُ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك عليهم، فأكفنيهم بما شئت، وكيف شئت، وأنَّى شئت بحولك وقوتك يا رحمان، ثم قال للرسول: هذه كلمات الفرج، فلمَّا أتى معاوية رحَّب به وناوله يده، فقال الحسن: إنَّ الترحيب سلامة، والمصافحة أمانة، قال: أجل، فلمَّا قعد قال له معاوية: ما أنا دعوتك ولكن هؤلاء أحرجوني فيك حتى أرسلت إليك فدعوتك لهم، وإنما دعوك ليقرروك أن عثمان قُتِلَ مظلومًا، وأن أباك قتله، فاسمع منهم وأجبهم، ولا يمنعنك هيبتي ولا هيبتُهم أن تتكلم بصليب لسانك، فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله! البيت بيتك، والإذن فيه إليك، والله لئن كنتَ أجبتَهم إلى ما قالوا إنَّه استحياء لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك على ما تريد إنه استحياءٌ لك من الضعف، فبأيِّهما تُقِر؟ ومن أيِّهما تفر؟ فهلاَّ إذْ أرسلت إليَّ أنبأتني فأجيء بمثلهم من بني هاشم، على أنهم مع وحدتي أوحش منهم مع جميعهم، وإن الله لوليِّي فَلْيقولوا فأسمع.

فبدأ عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عليًّا عليه السلام فلم يترك شيئًا من الوقوع فيه حتى عَيَّره بأنَّه شتم أبا بكر، واشترك في دم عمر، وقتل عثمان مظلومًا، وادَّعى ما ليس له بحق، ثم قال: إنكم معشر بني هاشم لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخليفة، واستحلالكم ما حرَّم الله عليكم، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يَحلُّ لكم، ثم أنت يا حسن: كيف تحدث نفسك أنك كائن خليفة؟ وليس عندك عقل ذلك ولا رأيه، فكيف تُراك تأتيه، وأنت أحمق قريش! وفيك سوء عقل أبيك، وإني دعوتك لأسُبَّكَ وأباك، ثم لا تستطيع أن تغيِّرَه، ولا أن تكذبه، فأمَّا أبوك فقد كفانا الله شرَّه، وأمَّا أنت ففي أيدينا نتخيّر فيك، والله لو قتلناك ما كان في قتلك إثمٌ من الله، ولا عتب من الناس، فتكلَّم، وإلا فأعلم أنك وأباك من شر خلق الله تعالى.

ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: إنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، ثم لم تَدَوْهُ، ولم تقيدونا به، والله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم من الله، ولا لومٌ من الناس، وكان من الحق أن نقتلك وأباك، فأمَّا أبوك فقد تفرَّد الله بقتله وكفاناه، وأمّا أنت فقد أقادك الله به إذ كان أبوك شرَّ قريش لقريش، أقطعهم لأرحامها، وأسفكهم لدمائها، وعليك القود في كتاب الله فنحن قاتلوك به. وأمّا رجاؤك الخلافة فليست قدحة رأيك، ولا رجح ميزانك.

ثم تكلم الوليد بن عقبة فقال: إنكم بني هاشم كنتم أخوال عثمان، ولنعم الولد كان لكم إذ كنتم أصهاره، ولنعم الصهر كان لكم، يعرف حقكم، ويكرمكم، وإنكم كنتم أول من حسده ودب في قتله وفتك به، وكنتم أنتم قتلتموه، وأطعتم الناس في قتله؛ حرصاً على الملك، وقطيعة للرحم، فكيف ترون الله طلب بدمه؟ وكيف ترون منزلكم منازلكم؟ أمّا أبوك فقتله الله، وأما أنت فصرت إلى ما كرهت.

ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فقال يا حسن: إن عثمان قُتل مظلوماً، ولم يكن لأبيك في ذلك عذر بريء، ولا اعتذار مذنب، غير أنا ظننا أنه راض بقتله لضمِّه قتلته، ومكانهم منه، وكان والله طويل اللسان والسيف، يقتل الحي ويعيب الميِّت، وبنو أمية لبني هاشم خير من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك منك له.

ثم تكلم الحسن عليه السلام: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معاوية، والله ما شتمني غيرك فحشًا منك، وخلقًا سيئاً، وبغياً عليَّ، وعداوةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قديماً وحديثاً، ولا أبدأُ إلا بك، ولا أقول إلا دون ما فيك، والله لو كنتُ أنا وهؤلاء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحولنا أهل المدينة لما استطاعوا أن يتكلّموا بالذي تكلّموا به، ولكن اسمعوا أيها الملأ، ولا تكتموا حقاً علمتموه، ولا تصدقوا باطلاً إن تكلمتُ به: أنشدكم الله، أتعلمون أن الرجل الذي شتمتم وتناولتم منه اليوم قد صلى القبلتين كلتيهما، وأنت يا معاوية كافر بهما تراهما ضلالة وتعبد الّلات والعزّى، وبايع البيعتين بيعة الرضوان وبيعة الفتح وأنت يا معاوية بالأولى كافر وبالثانية ناكث.

وأنشدكم الله، أتعلمون أن علياً لقيكم يوم الأحزاب ويوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ومعك يا معاوية لواء المشركين من قريش في كل ذلك يفلج الله حجته، ويُحق دعوته، ويصدِّق أحدوثته، وينصر رايته، وفي كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راض عنه في المواطن كلِّها.

وأنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصر قريظة والنضير، فبعث عمر براية المهاجرين، وسعد بن معاذ براية الأنصار، فأمّا سعد فجيء به جريحًا، وأمّا عمر فرجع بأصحابه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحبُ الله ورسولَه، ويحبُه اللهُ ورسولُه يفتح الله على يديه)).

فتعرّض لها أبو بكر وعمر، وعلي عليه السلام يومئذٍ أرمد، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه إياها، فلم يلبث حتى فتح الله عليه، فاستنزلهم على حكم الله ورسوله، وأنت يومئذ مشرك بمكة عدو لله. بالله أتعلمون أن عليًا عليه السلام من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن حرّم الشهوات، من الذين أنزل الله فيهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] وكان في رهط هو عاشرهم، فأنبأهم الله أنهم مؤمنون، وأنت في رهط قريب من أولئك لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ونشدتك بالله، أتعلم أنك كنتَ تسوق أباك يوم الأحزاب، ويقود به أخوك هذا القاعد: عتبة بن أبي سفيان على جمل أحمر بعد ما عمي أبو سفيان، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجملَ والقائدَ والراكبَ والسائقَ.

ونشدتك بالله، أتعلم أنك كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يعجبه حسن خطك، فأرسل إليك يوماً، فقال الرسول: هو يأكل، فأعاد ذلك مراراً، كل ذلك يقول الرسول: هو يأكل، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم لا تشبع بطنه)) فنشدتك الله، ألست تعرف تلك الدَّعوة في نهمتك وأكلك ورغبة بطنك؟

ونشدتك بالله! أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: لعنه يوم لقيه خارجاً من مكة مهاجرا إلى المدنية، وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه وسبَّه وكذَّبه وأوعده وهمَّ أن يبطش به، فصدَّه الله عنه. ولعنه يوم أحد، قال أبو سفيان: أُعل هبل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الله مولانا ولا مولى لكم. ولعنة الله وملائكته ورسله عليه. ولعنه يوم بدر إذ جاء أبو سفيان بجميع قريش، فردَّهم بغيظهم، فأنزل الله فيهم آيتين: سَمَّى أباك في كلتيهما وأصحابَه كافرًا، وأنت يا معاوية يومئذ مع أبيك.

ولعنه يوم الهَدي معكوفًا أن يبلغ محله، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يطف بالبيت، ولم يقض نسكه. ولعنه يوم الأحزاب: جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عيينة بن حصن بن بدر بغطفان، وواعدكم قريظة والنضير، فلعن اللهُ القادةَ والاتباعَ، فأما الأتباع فلا تصيب اللعنة مؤمنًا، وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناج. ولعنه يوم حملوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة، وهم اثنا عشر رجلاً: سبعة من بني أمية، وأبو سفيان فيهم، وخمسة من سائر قريش، لعن الله من على الثنية غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وناقته وسائقها وقائدها، فهل تردُّوا عليَّ مما قلت شيًئا؟.

ومنها: لعنك يوم أبوك همَّ أن يُسلم، فبعثت إليه بشعر معروف تنهاه عن الإسلام، فهذه مواطن لُعِنت فيها أنت وأبوك. ومنها: ولاك عمر الشام فخنته، وولَّاك عثمان فتربصت به، وقاتلت علياً عليه السلام على أمر كان أولى به منك عند الله، فلما بلغ الكتاب أجله، وصار إلى خير منقلب، وصرت إلى شرِّ مثوى، وقد خفَّفتُ عنك من عيوبك.

وشعرُ معاوية إلى أبيه يرده عن الإسلام:

يا صخر لا تسلمن طوعًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

جَدِّي وخالي وعمِّ الأم يا لهمُ ... قومًا وحنظلة الْمُهدِي لنا الأرقا

لا تركنَنَّ إلى أمر يُقلدنا ... والراقصات به في مكة الحرُقا

والموتُ أهون من قول السفاه لقد ... خلّى ابن حربٍ لنا العزّى لنا فرقا

فإن أتيت أبينا ما تريد فلا ... نثني عن اللّات والعُزّى لنا عنُقا

وأمّا أنت يا عمرو: فإن أول لؤمك أنك وُلِدت على فراش مشترك، وقد احتج فيك خمسة من قريش: أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان ابن الحويرث، والنضر بن حارثة، والعاص بن وائل، كل واحد منهم يدّعي أنك ابنه، فغلب عليك جزّار قريش ألأمُها حسبًا، وأخبثها منصباً، وأعظمها لعنة، ثم قمت خطيباً في قريش، فقلت: إني شانئٌ محمدًا، فأنزل الله تعالى فيك: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] ثم كنت في كل يوم قاتَلَ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشدهم له عداوةً وتكذيباً، ثم كنت من الفسقة الذين ركبوا إلى النجاشي في جعفر، فكذّبك الله وردّك بغيظك، فلما أخطأك ما رجوتَ أجلبتَ على صاحبك عمارة بن الوليد فقتلته. وأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام، ولسنا نلومك على حسبك، ولا نستعتبك على حبٍّ، وقد هجوتَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين بيتًا، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إني لا أحسن الشعر، ولكن الْعنْهُ بكل بيت لعنة، فأما قولك في عثمان، فإنك ألهبتها عليه شانياً، ثم هربت إلى فلسطين، فلما بلغك قتلُه حبستَ نفسَك على معاوية، فبعته دينَك بدنياه، ولسنا نلومك على بغضنا، وأنت القائل حيث قلت:

تقول ابنتي: أين أين الرحيـ ... ـل؟ وما السير مني بمستنكرِ

فقلت: دعيني فإني امرؤُ ... أريد النجاشي في جعفرِ

لأكويَه عنده كيَّة ... أقيم بها صَعَر الأصْعَرِ

ولا أنثني عن بني هاشم ... بما اسْطَعتُ في الغيب والمحضرِ

وعن عائب اللّات في قوله ... ولولا رضى اللّات لم نُمطرِ

وإني لأشنى قريش له ... وأقْولهم فيه بالمنكرِ

وأجرا قريش على عيبه ... وإن كان كالذَّهب الأحمرِ

فإن بزَّني الأمر تابعته ... وإلاّ لويتُ له مشفرِ

وأما أنت يا عتبة: فوالله ما أنت بحصيفٍ فأجيبك، ولا عاقل فأعيبك، ولا فيك خير يُرتَجى، ولا شرٌّ يُتَّقى، وأمّا وعيدُك إياي بالقتل فهلا قتلت الذي وجدتَ على فراشها قد غلبك على فرجها، وأشركك في ولدها؟ ولو كنتَ تستحيي من شيءٍ، أو تقتل أحداً لما أمسكتها بعد إذ بغت عليك، ولم تغر عليها ولا عليه، فكيف يخافك أحدٌ؟! أم كيف توعَّد الناس بالقتل وقد تركته! ولا ألومك على سبِّ عليٍّ عليه السلام، وقد قتل خالك مبارزةً، واشترك هو وحمزة في جدك فقتلاه. وأما قولك في رجائي الخلافة، فلعمري إن لي لَملبسًا، ولكنّك والله ما أنا بنظير أخيك، ولا خليفة أبيك، وكان حقًا لك أن تستحيي من قول نصر بن الحجاج حيث يقول:

يا لرجال لحارث الأزمان ... ولسوءةٍ ساءت أبا سفيان

نبئتُ عتبة قذَّرته عرسه ... بصداقة الهُذَلي من لحيان

ألفاه معها في الفراش فلم يكن ... حُراً وأمسك شرّة النسوان

لله درُّك خلِّ عنها إنها ... ليست وعندك علمها بحصان

واطلب سواها حرّة مأمونة ... ألقت عليك بثقلة الديثان

لله درك إنها مكروهة ... قالوا الزنا ونكاحها سيّان

لا تُلْزمنْ يا عتُب نفسك حبَّها ... إن النساء حبائلُ الشيطان

وأمَا أنت يا وليد: فلا ألومك أن تسبَّ عليًا عليه السلام وقد جلدك في الخمر، وقد قتل أباك بيده صبرًا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف تسبَّه وقد سمّاه الله في عشر آيات مؤمنًا وسمّاك فاسقًا!، وكيف تسبَّه وأنت عِلْجُ صفُّوريَّة!.

وأما زعمك أنا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزبير أن يقولا لعليٍّ ذلك، ولو استطاعا لقالا، وكأنك قد نسيت قول شاعرك حيث يقول:

أنزل الله في كتاب عزيز ... في عليٍّ وفي الوليد قرآنَا

القصيدة.

وأما أنت يا مغيرة: فوالله ما كنت حقيقًا أن تقع في هذا الكلام، إنما مثلك مثل البعوضة حيث وقعت على النخلة، فقالت لها: استمسكي فإني نازلةٌ عنك، فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك فيشق عليَّ نهوضك، ونحن والله ما شعرنا بعداوتك ولا غمّتنا إذ عرفناها، ولكن أخبرني بأي الخصال تسبُّ عليًا: انتقاصًا في نسبه؟ أم بُعدًا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم سوءَ بلاءٍ في الإسلام؟ أم جَوْرَ حُكْمٍ؟ أم رغبة في الدنيا؟ فلئن قلتَ واحدةً منها فقد كذبت، أو جئت تزعم أن عليا عليه السلام قتل عثمان، ولعمري لو قتله ما كنتُ من ذلك في شيء، فأمّا قيلكم في الأمر والملك الذي أُعطيتم فإن الله تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] والله ما نصرت عثمان حيًا، ولا غضبت له ميتًا، وما زالت الطائف دارك حتى كان أمس، وأما اعتراضك في بني هاشم أو بني أميّة، فهو ادعاؤك إلى معاوية.

ونفض ثيابَه وخرج.

فقال معاوية: ذوقوا، قد نبأتكم، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت، وقال معاوية شعرًا:

أمرتكم أمرًا فلم تسمعوا له ... وقلتُ لكم لا تبعثُنَّ إلى الحسن

فإني وربِّ الراقصات عشية ... بركبانها يهوين من سرّة اليمن

أخاف عليكم منه طول لسانه ... وبعد مداه عند تجريره الرّسن

فلما أبيتم كنتُ فيه كبعضكم ... وكان خطابي فيه غَبْنًا من الغَبَن

فأجمعتُم بغيًا عليه وغدرةً ... وقد يعثر العير المدلَّ من السمن

فكيف رأيتم غِبَّ رأيي ورأيكم ... على أنه دار السلاح على المحن

فحسبكم ما كان من نضج كَيِّه ..وحسبي وحسب المرء في القبر والكفن

وقال قثم بن العباس:

والله لو جئنا لما قال قائل ... مع ابن رسول الله حرفا مدى الدّهر

وانصرُه منكم وأنتم عصابةٌ ... أذلُّ بحمد الله من عازب الوبر

دلفتم بعمروٍ واثقين بفحشه ... إلى ابن رسول الله خُرقًا ولا ندري

وليس يساوي عَمْرُكم شسع نعله ... ألا لا وشِسْعُ النعل أفضل من عمرو

وقد كان للمرء المعيطي شاغلٌ ... عن ابن رسول الله في الطهر والخمر

وقل لأبي سفيان عتبه زفَّها ... إليك عروسًا واترك الفخر في فهر

وما الأحمق الزَّنّا إلا بعوضة ... هوت في ذناب الريح في لجة البحر

ورأس خطاياهم معاوية الذي ... يردُّ بطير الماء عادية الصقر

فلما أتاه الصقر أبصر صيده ... فظلت دماء الصيد في نحره تجري

أتؤذي نبي الله في أهل بيته ... وتوصل أرواثًا جُمعن من الْحُمر

على غير ذنب كان منا علمته ... سوى ما قتلنا من قريش على الكفر

من قصيدة له طويلة، وكانوا يهابون الحسن عليه السلام بعد ذلك حتى قبض.

وقال غيلان بن مسلمة من قصيدة له:

ألا أبلغا عني المغيرة مالكًا ... عجلت إلى أمرٍ وفي عجلك الزّللْ

وغرّك عمروٌ والوليدُ سفاهةً ... وعتبة ممن كان فيه عسى وعلْ

دعوك وأعراض الحتوف كثيرة ... إلى الحيَّة الصَّمَّاء والقائل الفُعَل

إلى خير من يمشي على الأرض حافيًا .. ومنتعلاً في الهدي والقول والعمَل

إلى حسن من غير ذنب أتى به ... إليك ولا عار تجر له العِلَل

فسمَّاك فيما كنت فيه بعوضة ... وكان بها فيما مضى يضرب المثل

فوالله ما أخطى الذي أنت أهله ... ألا ربّ حاد قد حدا غير ذي جَمل

وعبت عليًا والحوادث جمَّةً ... فما لك في التقوى رجاء ولا أمل

ومناقبه عليه السلام ظاهرة، وبدور شرفه باهرة.

ذكر بيعته عليه السلام

بُويع له بعد موت أمير المؤمنين عليه السلام، يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وكان من كلامه عليه السلام بعد الخطبة - وقد ذكر أمير المؤمنين فقال: خاتم الوصيين، ووصي خاتم الأنبياء، وأمير الصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال: أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون، ولا يُدْركه الآخِرون، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله عليه، ما ترك ذهبا ولا فضة إلا شيئًا على صبي له، وما ترك في المال إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادمًا لأم كلثوم، ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تلا قول يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله السراج المنير، وأنا ابن الذي أُرسِلَ رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل عليهم، وعنهم كان يعرُج، وأنا من أهل: البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} [الشورى: 23] واقترافُ الحسنة مودتُنا.

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال- بعد حمد الله والثناء عليه:

أما بعد: فإنَّ الله بعث محمداً بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، فأدَّى عن الله رسالاته، ونصح الله في عباده حتى توفّاه، وقد رضيَ عمله، وغفر ذنبه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر الذين ولوا الأمر من بعده، وذكر عثمان وقال: إنه خالف سنة من كان قبله، وسن سنن ضلالة لم تكن قبله، واستأثر بالفيء وحابى به قرباءه، ووضعه في غير موضعه، فرأى أهل الفضل من هذه الأمة أن ينفوا ما رأوا من إحداثه فقتلوه، ثم نهضوا إلى خير خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولاهم بالأمر من بعده فبايعوه، فأقام الكتاب، وحكم بالحق، وتخلى من الدنيا، ورضي منها بالكفاف، وتزود منها زاد البلغة، ولم يؤثر نفسه ولا أقرباءه بفيء المسلمين، فتوفاه الله حسن السيرة، تابعًا للسنة، ماحقًا للبدعة، وهذا ابنه وابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولى عباد الله اليوم بهذا الأمر، فانهضوا إليه رحمكم الله، فبايعوه ترشدوا وتصيبوا، ثم قال: ابسط يدك يا ابن رسول الله أبايعك، فبسطها فبايعه، ثم تبعه العيون من أهل الفضل.

وروينا عن أبي بكر الهذلي قال: أتى أبا الأسود الدؤلي نَعْيُ أمير المؤمنين وبيعة الحسن بن علي عليهما السلام، فصعد المنبر فخطب الناس، ونعى عليًا عليه السلام وقال في خطبته: إن رجلاً من أعداء الله المارقة في دينه اغتال أمير المؤمنين كرم الله وجهه ومثواه في مسجده، وهو خارج لتهجُّده في ليلة يُرجى فيها مصادفة ليلة القدر فقتله، فيا لله من قتيل! وأكرم به وبروحه من روح! عرجت إلى الله بالبر والتقوى، والإيمان والهدى، ولقد أطفأ نور الله في أرضه، لا يُضاء بعده، وهدم ركنًا من أركان الإسلام لا يشاد مثله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسب مصيبتنا بأمير المؤمنين، وعليه السلام ورحمة الله يوم ولد، ويوم قُتل، ويوم يُبْعثُ حياً.

ثم بكى حتى اختلجت أضلاعه، ثم قال: وقد أوصى بالإمامة إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه، وإني لأرجو أن يجبر الله به ما وهي، ويسد به ما انثلم، ويجمع به الشمل، ويطفي به نيران الفتنة، فبايعوه ترشدوا، فبايعت الشيعةُ كلها، وهرب قوم فلحقوا بمعاوية.

ولما فرغ الحسن عليه السلام من كلامه الذي تقدم، قام عبدالله بن العباس عليهما السلام يدعو الناس إلى بيعته ويأخذها عليهم، وأسرع الناس إلى بيعته، فبايعه: قيس بن سعد بن عبادة، وسليمان بن صُرَد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وسعيد بن عبدالله الحنفي، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، وكان يقول للرجل: تبايع على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم سلمُ من سالمت، وحرب من حاربت، فعلموا أنه يريد الجدَّ في الحرب، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد أوصاه بذلك عند وفاته، ووردت عليه بيعة أهل مكة والمدينة وسائر الحجاز والبصرة واليمامة والبحرين والعراقين، وزاد عليه السلام المقاتلة عند البيعة مائة مائة، فتبعه الخلفاء على ذلك، وهو أصل ما يسمى الآن مال البيعة.

وكتب عليه السلام إلى العمال يقرُّهم في أعمالهم، وبسط فيهم العدل، واستقامت له النواحي إلا الشام والجزيرة ومصر، قال أبو الفرج الأصفهاني: ودسَّ معاوية لعنه الله رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدُلّ على الحميري عند لحام جرير، ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم فأُخذا وقتلا.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

الحسن بن الحسن، وأمه: خولة بنت منظور الفزارية، وكان وصي أبيه ووالي صدقته.

وزيد بن الحسن، وأمه: أم بشير بنت أبي مسعود من ولد الحارث ابن الخزرج.

وعمر، والقاسم، وأبو بكر، قتلوا بالطف مع عمهم، وعبدالله قتل بالطف، وعبدالرحمن، وحسين الأثرم، وطلحة وهو طلحة الجود، ذكره محمد ابن حبيب في الطلحات المعدودين في الأجواد، وأمه: أم إسحاق ابنة طلحة بن عبدالله التيمي.

وإسماعيل، ويعقوب، ومحمد، وجعفر، وحمزة، لأمهات أولاد، فهؤلاء الأربعة عشر ابنا، العقب منهم لاثنين وهما: الحسن بن الحسن، وزيد بن الحسن.

وانقرض اثنان منهم وهما: عمر بن الحسن، وحسين الأثرم، وقد كان اتصل عقبهما إلى أوائل أيام بني العباس ثم انقرض، والباقون درجوا.

والبنات ثمان: فاطمة، وأم عبدالله، وزينب، وأم الحسن، وأم الحسين، وأم سلمة، ورقية، وفاطمة الصغرى.

أعقبت منهن أم عبدالله لأم ولد، وكانت عند علي بن الحسين سلام الله عليه فولدت له حسنًا وحسينًا الأكبر ودرجا، ومحمد الباقر، وعبدالله بن علي بن الحسين عليهم السلام.

عمَّاله عليه السلام:

عمال أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وكاتبه كاتب أبيه عليه السلام عبدالله بن أبي رافع، والنافذ على مقدمته عند خروجه في حرب معاوية عبيدالله بن العباس، وعقد لقيس بن سعد لوآء وضمه إليه، وقال: لعبيدالله إن أُصبت فقيسٌ على الجيش، وإن أُصيبَ قيس فسعيد بن قيس الهمَداني، والذين أنفذهم لاستنفار الناس معقل بن قيس الرياحي، وشريح بن هانئ الحارثي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.

وخليفته على الكوفة حين خرج عنها لحرب معاوية: المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وأمره حين خرج باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه.

ذِكْرُ وَفَاتِهِ وَمَبْلَغِ عُمُرِهِ وَمَوْضِعِ قَبْرِهِ سَلام اللهِ عَلَيْهِ:

لما استثقل معاوية حياة الحسن بن علي عليه السلام مع ما كان ينطوي عليه من العداوة الشديدة له عليه السلام احتال في سَمه على يدي امرأته أم الحسن جعدة ابنة الأشعث، وبذل لها مائة ألف درهم، ووعدها بزواج يزيد، فسقته عليه السلام فوفى لها دون التزويج بيزيد فزوجت بعده في أولاد طلحة وأولدت أولادًا، فكان أولادها إذا جرى بينهم وبين غيرهم شيء قالوا: يا بني مُسِمَّةِ الأزواج.

ولما احتضر الحسن عليه السلام قال: لقد سُقيت السمَّ ثلاث مرات ما منهن بلغت مني ما بلغت هذه، لقد تقطعت كبدي.

وروي أنه لما احتضر عليه السلام بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أقدم على سيد لم أره، وأسلك طريقًا لم أسلكها، أخرجوا سريري إلى صحن الدار حتى أنظر في ملكوت السموات والأرض.

وتوفى عليه السلام بالمدينة، وله سبع وأربعون سنة، وقيل: ست، وقيل: خمس.

وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة تسع وأربعين، اختلفوا في تأريخ موته حسب اختلافهم في مبلغ عمره.

وكان عليه السلام قد أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يخاف أن يراق محجمة من دم، فلما سمعت عائشة بذلك، ركبت بغلاً واستنفرت بني أمية، وفيها يقول القائل:

فيومًا على بغل ويومًا على جمل

فجمع مروان من هناك من بني أمية وأتباعهم الأوغاد الطغاة، وبلغ ذلك الحسين ابن علي عليهما السلام فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفنوا حسنًا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقبل مروان وأصحابه وذويه، وهو يقول: يا رُبَّ هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في البقيع، ويدفن الحسن بن علي في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ والله لا يكون ذلك وأنا أحمل السيف، فلما كادت الفتنة تستعر والحسين صلى الله عليه وآله وسلم يأبى أن يدفنه إلا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكلمه عبدالله بن جعفر، ومسور بن مخرمة؛ ليدفنه في البقيع، وقال له عبدالله بن جعفر: إنه عهد إلي أن أدفنه في البقيع، بحقي عليك عزمت ألا تكلِّمني بكلمة فمضى هنالك، واتصل الخبر بمعاوية بن أبي سفيان، فاستحمد مروان على ذلك، فقال مرتين: إيهًا مروان أنت! وحكي عنه أنه قال: إن يك ظني بمروان صادقًا لن يصلوا إلى ذلك أبدًا، فدفن عليه السلام في البقيع، وقبره هنالك ظاهر مشهور، وقال الحسين بن علي عليهما السلام يرثي أخاه الحسن بن علي عليهم السلام:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي ... وخَدك مَعفورٌ وأنت سليبُ

أم استمتع الدنيا بشيء أُحبُّه ... ألا كلما أدنى إليك حبيبُ

أم أشرب ماء المزن أم غير مائه ... وإلا لدمعي في الأنآء غروبُ

فلا زلت أبكي ما تغنَّت حمامةٌ ... عليك وما هبَّت صبًا وجنوبُ

وليس حريبًا من أصيب بماله ... ولكنَّ من وارى أخاه حريبُ

وما قطرت عين من الماء قطرةً ... وما أخضرَّ في دوح الحجاز قضيبُ

بكائي طويلٌ، والدموع غزيرةٌ ... وأنت بعيد والمزار قريبُ

ولَمَّا مضى عني أخي ذقت حرقةً ... له لم يُذقنيها سواه غريبُ

ولَما نُعِيَ الحسن عليه السلام إلى معاوية، وعبدالله بن العباس بباب معاوية، فحُجب ابن عباس حتى أخذ الناس مجالسهم، ثم أذن له فقال: أعظم الله أجرك يا بن عباس قال: فيمن؟ قال: في الحسن بن علي قال: إذًا لا يزيد موته في عمرك، ولا يدخل عمله عليك في قبرك، فقد فقدنا من هو أعظم منه قدرًا، وأجل منه أمرًا، فأعقب الله عقبى صالحة فخرج ابن عباس وهو يقول:

أصبح اليوم ابن هند شامتًا ... ظاهر النخوة أن مات الحسنْ

ولقد كان عليه عمره ... مثل رضوى وثبير وحضنْ

فارتع اليوم ابن هند آمنًا ... إنما يقمص بالعير السمنْ

واتق الله وأظهر توبةً ... إنما كان كشيء لم يكنْ

وروينا عن الزهري من طريق السيد الإمام المرشد بالله يحيى ابن الإمام الموفق بالله أبي عبدالله الحسين بن إسماعيل الحسني الجرجاني عليهم السلام رواه بإسناده مع ما تقدم آنفًا قال: قدم ابن عباس على معاوية فمكث أيامًا لا يؤذن، ثم أُذن له ذات يوم فدخل فإذا معاوية مستبشر ومن يطيف به، فقال: يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟ فقال: والله لا أدري ما حدث في أهل بيتي غير أني أراك مستبشرًا ومن يطيف بك، قال: مات الحسن بن علي. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون يكررها مرارًا، ثم قال: أما والله يا معاوية لا يزيد موته في عمرك، ولا تسد حفرتُه حفرتك، ولقد أُصبنا بمن كان أعظم منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكفانا الله، ثم خرج من عنده، قال: فمكث أيامًا لا يصل إليه، ثم وصل إليه ذات يومِ فقال معاوية: يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: وما حدث في أهل بيتي؟ قال: مات أسامة بن زيد. قال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله أسامة بن زيد، ثم خرج من عنده، وقد كان ابن عباس تقشف وكره أن يتزيَّا بزيِّه، فيشهره أهل الشام فيضرُّ به ذلك عند معاوية، فلما رجع إلى منزله قال: يا غلام هات ثيابي فوالله لئن جلست أنا لهذا المنافق ينعي إلي أهل بيتي واحدًا واحدًا إني إذًا أحمق.

قال: فقال عليَّ بالمقطّعات فلبسها، قال: ثم قال: بعمامة له اسمها: تجوبية فلبسها، وكان من أجمل الناس، أمدِّهم جسمًا، وأحسنِهم شَعَرًا، وأحسنِهم وجهًا، قال: ثم أتى مسجد دمشق فدخل، فلما نظر إليه أهل الشام قالوا: من هذا؟ ما يشبه هذا إلا الملآئكة، ما رأينا مثل هذا! قالوا: هذا ابن عباس، هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس إلى سارية، وتقوض إليه الخلق، فما سُئل عن شيء إلا أجابهم به من تفسير من كتاب الله، ولا حلال ولا حرام، ولا وقعة كانت في جاهلية ولا إسلام، ولا شعر كان في جاهلية ولا إسلام إلا أجابهم به.

قال: ومعاوية لا يشعر بشيء من هذا، فانتبه فقال للآذن: ائذن لمن بالباب، قال: أو بالباب أحد؟ قال: فأين الناس؟ قال: ذهبوا إلى ابن عباس، قال: هاهٍ قد فعلوها! نحن والله أظلم منه، وأقطع للرحم، اذهب يا غلام، وقل له: أجب أمير المؤمنين.

فأتاه الرسول، قال: فقال ابن عباس: إنا بنو عبد مناف لا نقوم عن جليسنا حتى يكون هو الذي يقوم، لكن قد تقاربت الصلاة فإذا صلينا أتينا أمير المؤمنين، قال: فأتاه الرسول فأخبره.

فقال: صدق، دعه حتى يصلي، قال: فلمَّا صلى جاء ابن عباس حتى دخل عليه، فقال له معاوية: ما حاجتك يا ابن عباس؟ قال: دينٌ عليَّ، قال: قد أداه الله عنك، قال: وما أستعين به على الزمان.

قال وذلك لك. أبقيت لك حاجة؟ قال: لا.

قال: ادخل بيت المال، فأحمل ما بدا لك، قال: إنا بنو عبدالمطلب لا نأخذ من مال المسلمين إلا ما احتجنا إليه، قال: عزمت عليك إلا ما فعلت، قال: فدخل ابن عباس بيت المال، فتلفّت يمينًا وشمالاً فرأى برنسًا من خزٍّ أدكن فتدرَّعه ثم خرج به، قال: قد أخذت حاجتك؟ قال: نعم، قال: الحق ببلادك، قال: يا أمير المؤمنين إنك حيث نعيت إلي الحسن بن علي آليت على نفسي أن لا أسكن المدينة بعده أبدًا، ولا أجد مكانًا أجل من جوار أمير المؤمنين.

قال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، قال: فبقيت لي حاجة هي أهم الحوائج إلي، وهي لك دوني، قال: فإن حاجة لك هي لنا دونك إنا نخاف أن نسارع إليها.

قال: علي بن أبي طالب قد كفاك الله مؤنته، ومضى لسبيله، وقد عرفت منزلته وقرابته فكفَّ عن شتمه على المنابر، قال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل يا ابن عباس، هذا موضع دين، إنه غش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمَّ أبا بكر، وذم عمر، وقتل عثمان، فليس إلى الكفِّ عنه سبيل، فقال له ابن عباس: الله حسبك فيما قلت، ثم خرج فلم يلتقيا.

وروينا بالإسناد أنه لما دفن الحسن بن علي عليهما السلام، قام أخوه محمد ابن الحنفية عليه السلام على قبره وقال: يرحمك الله أبا محمد، لئن عزَّت حياتك لقد هدَّت وفاتك، ولنعم الرُّوح رُوحٌ عُمِرَ به جسدُك، وتضمنه كفنك، وكيف لا يكون كذلك! وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، غذتك كفُّ الإيمان، ورضعتَ ثدي التقوى، فطبت حيًا وطبت ميتًا، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، فإنها غير شاكةٍ بأن الله قد اختار لك، ثم بكى وأبكى من حوله.

وقال النجاشي الحارثي رحمه الله يرثي الحسن بن علي عليهما السلام:

يا جعد بكيه ولا تسأمي ... بكاء حق ليس بالباطل

على ابن بنت الطاهر المصطفى ... وابن ابن عم المرسل الفاضل

كان إذا شبّت له نارة ... يرفعها بالشرف القابل

لكي يراها بائس مرملٌ ... أو فرد حيٍّ ليس بالآهل

يغلي بني اللحم حتى إذا ... أنضج لم يغل على الآكل

لن تغلقي بابًا على مثله ... من حافيٍ يمشي ولا ناعل

أعني فتى أسلمه قومُه ... للزمن المستخرج الماحل

نعم فتى الهيجاء يوم الوغى ... والسيد القائل والفاعل

ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام

وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية لعنه الله أما بعد: فإنك دَسسْتَ إليَّ الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشكُّ في ذلك فَتَوَقَّعه إن شاء الله تعالى، وقد بلغني أنك شَمتَّ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

قل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد

وإنا ومن قد مات منَّا لك الذي ... يروح فيمسي في المبيت ليغتدي

فأجابه معاوية، أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمتُ بما حدث، فلم أفرح، ولم أشمت، ولم آس، وإنّ علي بن أبي طالب لَكَمَا قال أعشى قيس بن ثعلبة:

فأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقاء ... تضرب منها النساءُ النحورا

وما مزبد من خليج البحور ... يعلو الآكام ويعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده ... فيعطي المئين ويعطي البدورا

وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية مع جندب بن عبدالله الأزدي:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ... أما بعد:

فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، ومنة على المؤمنين، وكآفة إلى الناس أجمعين {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] فبلغ رسالات الله، وأقام على أمر الله، حتى توفاه الله وهو غير مقصر ولا وانٍ، حتى أظهر به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعزّ به العرب، وشرف به قريشًا خآصة، فقال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] فلما توفي صلى الله عليه وآله وسلم تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته، وأسرته وأولياؤه، ولا يجمُل لكم أن تنازعونا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الناس وحقه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة في ذلك على من نازعها أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأنعمت لهم العرب، وسلمت ذلك.

ثم حاججنا نحن قريشًا بمثل ما به حاجت العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها؛ لأنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهلَ بيت محمد وأولياءه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا، والعيب منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي والنصير، وقد عجبنا لتوثُّب المتوثبين في حقنا، وسلطان نبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافةً على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزًا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا من إفساده، فليتعجب المتعجب من توثُّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، فأنت ابن حرب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه، والله حسيبك، وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلام للعبيد.

إنَّ عليًا عليه السلام لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منَّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيًا ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الفانية شيًئا ينقصنا في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك؛ ليطفئ الله الثائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، فإن أنت أبيت إلا التمادي في غيِّك نهدت إليك بالمسلمين فحاكمت حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ..

فكتب إليه معاوية ():

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ... أما بعد:

فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله قديمه وحديثه صغيره وكبيره، فلقد والله بلّغ وأدَّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد، ويوم بُعثَ، ويوم قبض، ويوم يبعثه الله حيًا.

وذكرتَ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك؛ إنك امرؤٌ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء، ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد، والذكر الجميل، إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مكانكم في الإسلام ومن أهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلامًا، وأحكمها علمًا، وأحبها له، وأقواها على أمر الله، فاختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضيلة والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتَّهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناه، أو يقوم مقامه، أو يذب عن حُرَم الإسلام ذبه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحًا للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرًا.

وقد فهمت ما الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لو علمتُ أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيدُ للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادْخُل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغًا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت معونةً لك على نفقتك يجبيها أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن لا يُستولى عليك بالأشياء، ولا يُقضى دونك بالأمور، ولا تُعصى في أمر أردت به طاعة الله تعالى، أعاننا الله وإىاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.

قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير إليه حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإما أن تقدِّر أنه ينقاد لك فلا والله حتى يرى يومًا أعظم من يوم صفين فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي.

قال: وكتب معاوية لعنه الله إلى الحسن:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فإن الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، واحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع من الناس، وَأْيَس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عمَّا أنت فيه وتابعتني وفّيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

وإن أحد أسدى إليك أمانةً ... فأوف بها تُدعى إذا مِتَّ وافيا

ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تَجْفِه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها والسلام.

فأجابه الحسن عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليَّ إثم أن أقول فأكذب والسلام.

فلما وصل كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية - لعنه الله - قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي بنسخة واحدة ..

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، ومن قبله من المسلمين سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ... أما بعد:

فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوِّكم، وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فقتله، وترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي بجدكم وجندكم، وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله.

قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية لعنه الله، وسار قاصدا إلى العراق، وبلغ الحسن عليه السلام خبر مسيره، وأنه قد بلغ جسر منبج فتحرك عند ذلك، وبعث حجر بن عدي يأمر العمال والناس بالتهيء للمسير، ونادى المنادي الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فقال الحسن عليه السلام: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاءه سعيد بن قيس الهمداني، فقال له: اخرج، فخرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أما بعد:

فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهًا، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (اصبروا إن الله مع الصابرين) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية لعنه الله بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا.

قال: وإنه في كلامه لَيتخوّف خذلان الناس إياه قال: فسكتوا فما تكلم أحد منهم ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال: أنا ابن حاتم، بص بص، سبحان الله - ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء مصر، أين المتبلِّغون، أين الخواصون من أهل المصر؟ الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا وجدوا الجد فَروَّاغُون كالثعالب، أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها.

ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يُحمد ورْدُه وصَدَرُه، قد سمعنا مقالتك، وأتينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك فيما قلت، وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافي فليواف، ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبه ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، فكان عدي أول الناس عسكرًا، ثم قام قيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن حفصة التيمي، فأنَّبوا الناس، ولاموهم، وحرّضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء بالقول، والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيرًا ثم نزل.

وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن عليه السلام إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم ويخرجهم حتى تتالى العسكر.

ثم إن الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم، وعدَّة حسنة، حتى أتى دير عبدالرحمن فأقام به ثلاًثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب فقال: له يا بن عم إني باعث معك اثني عشر ألفًا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يرد الكتيبة فسر بهم، وألِنْ لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنِهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي في كل يوم، وشَاوِرْ هذين يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتله، فإن أُصبت فقيس على الناس، فإن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد، وسار عبيدالله على الزبيرة في شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى مسكن، وأخذ الحسن على حمام عمر حتى أتى دير كعب، فنزل ساباط دون القنطرة.

فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا وصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدًا رسول الله أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله وسلم أما بعد: فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنِّه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم معتبة، ولا مريدًا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظرٌ لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم، ولا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليَّ رأيي غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضى.

قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسَلِّم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شدَّ عليه عبدالرحمن بن عبدالله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا منه من أراده، ولاموه وضعفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوب من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له: الجراح بن سنان، فلما مرَّ في مظلم ساباط قام إليه فأخذ بلجامه وبيده معول فقال: الله أكبر يا حسن أشركت كما أشرك أبوك فطعنه فوقعت في فخذه، فشقه حتى خالط أربيته، فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه واعتنقه فخرا جميعًا إلى الأرض، فوثب عبدالله بن الخضل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه به، وأكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثم أخذوا له الآجر فشدخوا وجهه ورأسه حتى قتلوه.

وحُمل الحسن على سرير إلى المدائن، وبها سعد بن مسعود الثقفي والٍ عليها من قِبَله، وكان علي عليه السلام ولاه فأقرَّه الحسن عليه السلام، قال: ثم إن معاوية وافى حتى أتى قرية يقال لها: الجنوبية بمسكن، وأقبل عبيدالله بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليهم، فخرج إليهم عبيدالله بن العباس فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية لعنه الله إلى عبيدالله بن العباس أن الحسن راسلني في الصلح، وهو مسلِّم الأمر إليَّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعًا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أعطيتك مائة ألف درهم يُعَجَّلْ لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلّ عبيدالله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده.

وأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه؛ فصلى بهم قيس بن سعد، ثم خطبهم فقال: أيها الناس، لا يهولنّكم ولا يعظمنَّ عليكم ما صنع هذا الرجل، الوله الوزغ، إنَّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إنَّ أباه عمُّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خرج يقاتله ببدر، وأسره أبو اليَسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ فداه فقسّمه بين المسلمين، وإن أخاه ولّاه عليٌ أمير المؤمنين عليه السلام على البصرة، فسرق مال الله ومال المسلمين واشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا أيضًا ولّاه علي عليه السلام اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولديه حتى قتلا، وصنع الآن هذا الذي صنع.

قال فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، انهض بنا إلى عدونا، فنهض بهم، وخرج إليهم بسر بن أرطأة في عشرين ألفا فصاحوا هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟ قال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، وإما تبايعون بيعة ضلال، قالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضاربوا أهل الشام حتى ردُّوهم إلى مصافهم.

فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تقابلني أبدًا إلا وبيني وبينك الرمح، فكتب إليه معاوية أما بعد: إنما أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبُّ الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحزَّ، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدًا غريبًا. والسلام.

فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد: فإنما أنت وثن من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرهًا، وأقمت عليه فرقًا، وخرجت منه طوعًا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبًا؛ لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربًا لله ولرسوله، وحزبًا من أحزاب المشركين، فأنت عدوٌ لله ورسوله والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه، وكان امرءا مرغوبًا عنه، مزهودًا فيه، وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلمنا أنَّ أبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.

فلما قرأ كتابه معاوية غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلاً إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنه، قال: وبعث معاوية عبدالله بن عامر، وعبدالرحمن بن سمرة إلى الحسن عليه السلام للصلح فدعواه إليه، وزهّداه في الأمر، وأعطيَاه ما شرط له معاوية، وأن لا يتبع أحد بما مضى، ولا يُنال أحدٌ من شيعة علي عليه السلام بمكروه، ولا يُذكر علي عليه السلام إلا بخير، وأشياء اشترطها. فأجابه الحسن عليه السلام إلى ذلك.

قال أبو الفرج: وسار معه حتى نزل النخيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخلوا الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة، وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك، فروى بإسناده عن الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، ثم إنه انتبه فندم فقال: إلا هذه الأمة فإنها فإنها.

وروى بإسناده عن أبي إسحاق قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميَّ هاتين لا أفي به. قال أبو إسحاق: وكان والله غدارًا.

وروى بإسناده عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة يوم الجمعة الضحى ثم خطبنا فقال: وإني والله ما قاتلتكم لتصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، قال شريك في حديثه: هذا هو التهتك.

وروى بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليًا عليه السلام فنال منه، ونال من الحسن فقام الحسين ليردَّ عليه فأخذ الحسن بيده، فأجلسه ثم قام وقال أيها الذاكر عليًا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرًا، وألأمنا حسبًا، وشرنا قدمًا، وأقدمنا كفرًا ونفاقًا، فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.

قال: فضل، قال يحيى بن معين: ونحن نقول آمين، قال أبو عبيد: ونحن أيضًا نقول آمين، قال: فدخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة بين يديه خالد بن عرفطة، ومعه رجل يقال له: حبيب بن حمار يحمل رايته حتى دخل الكوفة وصار إلى المسجد فدخله من باب الغيل واجتمع الناس إليه.

قال الشيخ أبو الفرج: ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأُتي به، قال: وكان رجلاً طويلاً يركب الفرس المشرف ورجلاه يخطان الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أني لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح، أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف، فوضع بينه وبينه ليبر في يمينه.

وروى الشيخ أبو الفرج بإسناد آخر قال: فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك قال: نعم، فأُلقي لقيس كرسي وجلس عليه، وجلس معاوية على سريره فقال له معاوية: أتبايع؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه، ولم يمدها إلى معاوية، فحنى معاوية على سريره، وأكب على قيس حتى مسح على يده، فما رفع قيس إليه يده.

وروى بإسناده أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لَمّا سلَّم إليه الأمر، وظن أنه سَيُحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك مَلِكٌ مَلَك مُلْكًا يُمَتَّع فيه قليلاً، ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، قال: وانصرف الحسن عليه السلام إلى المدينة فأقام بها.

وروينا بالإسناد إلى السيد الإمام المرشد بالله يحيى بن الحسين الحسني الجرجاني عليه السلام رواه بإسناده عن الشعبي قال: شهدت الحسن بن علي بالنخيلة حين صالحه معاوية فقال له معاوية: إن كان ذا فقم فتكلم، فأخبر الناس أنك قد سلَّمت هذا الأمر، وربما قال سفيان: أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي. فقام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه. قال الشعبي: وأنا أسمع، فقال: أما بعد: إن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية: إما كان حقًا لي تركته لمعاوية؛ إرادة صلاح هذه الأمة، وحقن دمائهم، أو يكون حقًا كان لامرء أحقُّ به مني ففعلت ذلك. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

وروى بالإسناد إلى ابن عون عن أنس قال - يعني ابن سيرين -: قال الحسن ابن علي عليهما السلام يوم كلم معاوية ما بين جابرس وجابُلق: رجل جده نبيٌّ غيري، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكنت أحقهم بذلك، ألا وإنا قد بايعنا معاوية، وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

ولمَّا استقر الصلح بين الحسن بن علي عليهما السلام ومعاوية على ما تقدم وأن يكون الأمر بعده للحسن عليه السلام غرة شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، لامَه جماعة من أصحابه على ذلك.

فروينا عن عمارة بن ربيعة قال: قال الحسين للحسن عليهما السلام: أجادٌ أنت فيما أرى من موادعة معاوية؟ قال: نعم.

قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاًثا، ثم قال: لو لم نكن إلا في ألف رجل لكان ينبغي لنا أن نقاتل عن حقنا حتى ندركه أو نموت وقد أعذرنا.

فقال الحسن: وكيف لنا بألف رجل مسلمين! إني أذكِّرك الله يا أخي أن تفسد عليَّ ما أريد، أو تردَّ عليَّ أمري، فوالله ما آلوك ونفسي وأمة محمد خيرًا، إنك ترى ما أقاسي من الناس، وما كان يقاسي منهم أبوك من قبلنا حتى كان يرغب إلى الله في فراقهم كل صباح ومساء، ثم قد ترى ما صنعوا بي، فبهؤلاء ترجو أن ندرك حقنا! أنا اليوم يا أخي في سعة وعذر حيث قبض نبينا، قال: فكف الحسين وسكت.

وروينا بالإسناد عن سفيان بن الليل قال: دخلت على الحسن بن علي فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المسلمين، أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حين سلَّمت الأمر إلى معاوية اللعين ابن اللعين، ابن آكالة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموتون دونك، فقال: يا سفيان بن الليل، إني سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((يلي هذه الأمة أو أمتي رجل واسع البلعوم، رحب الضرس، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه))، ثم قال: ما جاء بك يا سفيان؟ قال: حبكم أهل البيت، قال: إذًا والله تكون معنا هكذا وألصق بين أصبعيه السبابتين.

وروينا بالإسناد عن القاسم بن المفضل، قال حدثنا يوسف بن مازن الراسي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي عليهما السلام قال: سوَّدْت وجوه المؤمنين، وفعلت وفعلت، دخلتَ مع معاوية، قال: لا تؤذني يرحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى بني أمية يصعدون على منبره رجلاً رجلاً فساءه ذلك، فأنزل الله عزو جل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1 - 3] يملكها بنو أمية، قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولاينقص!.

وروى السيد أبو طالب عليه السلام بإسناده: أن مدة خلافته عليه السلام كانت خمسة أشهر وأيامًا، وهذا إنما حكاه على أنَّ اعتزاله كان في غرة شهر ربيع الأول، قال: وروي أن اعتزاله كان في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين. فعلى هذا القول تكون مدة الخلافة ستة أشهر وأيامًا.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة

هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وأمه فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وروي أنها لما طُلِقَتْ فاطمة عليها السلام بالحسن بن علي عليهما السلام أُخْبِر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إلى أسماء بنت عميس وإلى عائشة، وقال: انطلقا إلى فاطمة، فإذا وضعت ما في بطنها فاقرأ بفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، واعلماني بما وضعت، ففعلتا ذلك وبعثتا إليه، فأذَّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، ولبَّاه بريقه فحنكه، وقال: اللهمَّ إني أعيذه بك وذريَّته من الشيطان الرجيم.

وجاء علي عليه السلام فقال: ما سميتَه؟ فقال: حرب يا رسول الله، قال: هو حسن، ومن بعده، حسين، وأنت أبو الحسن القرم.

ثم جاءت به أمُّه تحمله بعد ذلك، فقالت: يا رسول الله، انحَلْ ابني، قال: قد نحلتُه المهابة والحياء، ونحلتُ حسينًا الشجاعة والجود، وهما سيدا شباب أهل الجنة، ومن أحبهما فبحبي أحبَّهما، ومن أبغضهما أو بغى عليهما فببغضي أبغضهما.

وولد الحسن عليه السلام للنصف من شهر رمضان، سنة ثلاث من الهجرة عام أُحدٍ بعد الوقعة، وعقَّ عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم السابع كبشًا، وحلقت فاطمة عليها السلام رأسه وتصدَّقت بوزنه فضةً على المساكين.

صفته (ع)

كان علي عليه السلام يقول: إن الحسن والحسين اقتسما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالحسن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين مفرق صدره إلى نحره، والحسين أسفل من ذلك.

وروي أنه كان أبيض اللون، حسن الوجه، على رُتَّةٍ في لسانه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتته من قبَلِ جدِّه موسى عليه السلام، ونحله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المهابة والحياء كما تقدم في الخبر.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: ((أنا حربٌ لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما أُسري بي رأيت على باب الجنة مكتوبًا بالذهب، لا بماء الذهب: لا إله إلا الله، محمد حبيب الله، عليٌّ ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسن: ((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه))
وعنه أنه قال: ((إن ابني هذا سيد، ومن أحبني فليحب هذا في حجري))
وروينا عن سلمان رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة جنة النعيم، ومن أبغضهما وبغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم خالدا فيها وله عذاب مقيم)).
وروينا عن عبدالله بن الزبير قال: لقد رأيت الحسن بن علي عليهما السلام؛ يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد فيركب على ظهره، وما يُنزله حتى يكون هو الذي يَنزل، ويأتي وهو راكع فيفرِّج له بين رجليه حتى يأتي من الجانب الآخر.
وفي ذلك يقول الإمام المنصور بالله عليه السلام في كلمة له:
ألم يكن والدي هُبِلْتَ إذا صـ ... ـلَّى لديه امتطى على صلبه
ثم يشير اتركوه لا تَرَكَتْ ... لك الرزايا مالاً لمنتهبه
وعن عكرمة قال: بينا ابن عباس يُحدث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال: يا ابن عباس، تفتي في النملة والقملة، صف لي إلهك الذي تعبده! فأطرق ابن عباس إعظامًا لقوله، وكان الحسن عليه السلام جالسًا في ناحية فقال: إليَّ يا ابن الأزرق، قال: لستُ إياك أسال، قال ابن عباس: يا ابن الأزرق، إنه من أهل النبوَّة، وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسن عليه السلام، فقال له الحسن: يا نافع، إنه من وضع دينه على القياس لم يزل دهره في التباس، قابلاً غير المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل. يا ابن الأزرق، أصِفُ ألهي بما وصف به نفسه، وَأُعَرِّفَهُ بما عرَّف به نفسه: لا يُدرَك بالحواس، ولا يُقاسُ بالناس، فهو قريب غير ملتصق، وبعيدٌ غير متقص، يُوَحَّد ولا يُبَعَّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال، قال: فبكى ابن الأزرق، وقال يا حسن: ما أحسن كلامك! أما والله يا حسن لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام، ونجوم الأحكام، حتى بَدَّلْتُم فاستبدلنا بكم، فقال الحسن: إني أسالك عن مسألة، قال: سل، قال: هذه الآية: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف: 82] يا ابن الأزرق، من حُفِظَ في الغلامين؟ قال: أبوهما، قال الحسن: فأبوهما خيرٌ أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال ابن الأزرق: قد أنبانا الله بأنكم قوم خَصِمُون.
وروينا عن قتادة عن الحسن (البصري) (رضي الله عنه) أن رجلاً قال: يا أبا سعيد، أمعاوية كان أحلم أم الحسن؟ قال: بل الحسن، قال إنما أعني معاوية بن أبي سفيان الذي كان أمير المؤمنين، قال الحسن (رضي الله عنه): وهل كان ذلك إلا حمارًا نهاقًا.
وروينا أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يمشيان إلى الحج فلم يمرا براكب إلا نزل يمشي، فثقل ذلك على بعضهم فقالوا لسعد بن أبي وقاص: قد ثقل علينا المشي ولا نستحسن أن نركب وهذان الفتيان يمشيان، فقال سعد للحسن عليه السلام يا أبا محمد، إن المشي قد ثقل على جماعة ممن معك، والناس إذا رأوكُما لم تطب أنفسُهم بأن يركبوا، فلو ركبتما، فقال الحسن عليه السلام: لا نركب قد جعلت على نفسي أن أمشي، ولكن أتنكب الطريق، فأخذَ جانبًا.
وروينا عن المغيرة بن أبي نَجيح: ((أن الحسن بن فاطمة عليهما السلام حجّ خمسًا وعشرين حجةً وقاسم مالَه ربَّه مرتين)).
وروى السيد أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب نسب آل أبي طالب بإسناده إلى عبدالله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن بن علي خمسًا وعشرين حجةً ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه.
وروينا عن مدرك بن أبي راشد قال: كنَّا في حيطانٍ لابن عباس فجاء الحسن والحسين عليهما السلام، فطافا بالبستان قال: فقال الحسن عليه السلام: عندك غداء يا مدرك؟ قال: قلت: طعام الغِلمان، قال: فجئته بخبز وملح جريش وطاقات بقل، قال: فأكل ثم جيء بطعامه وكان كثير الطعام طيبه، فقال: يا مدرك، اجمع غلمان البستان، فجمعهم فأكلوا ولم يأكل، فقلت له في ذلك فقال: ذاك كان عندي أشهى من هذا، قال: ثم توضأ ثم جيء بدابته، فأمسك له ابن عباس بالركاب وسَوَّى عليه، ثم مضى بدابة الحسين فأمسك له ابن عباس بالركاب فسوى عليه ثم مضى، قال: قلت له: أنت أسَنُّ منهما تمسكُ لهما؟ قال: يا لكع أو ما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أوليس هذا مما أنعم الله به علي أن أُمسك لهما وأسوِّيَ عليهما!
وسمع الحسن عليه السلام رجلاً يسألُ الله عشرة آلاف فانصرف الحسن عليه السلام إلى منزله فبعث بها إليه.
وروي أن الحسن عليه السلام كان عند معاوية في جماعة من قريش، فذكر كل واحد منهم قومه وقديمه وحديثه، والحسن عليه السلام ساكت، فقال معاوية: يا أبا محمد، مالي أراك ساكتًا، فوالله ما أنت بكليل اللسان، ولا مأشوب الحسب، فقال الحسن عليه السلام والله ما ذكروا مكرمة مونقة، ولا فضيلة قديمة إلا ولي محضها وجوهرها، ثم قال:
فيمَ المرآء وقد سَبقتُ مُبرِّزًا؟ ... سبق الجواد من المدى المتباعد
نحن الذين إذا القروم تخاطروا ... فُزْنا على رغم العدوّ الحاسد
دانت لنا رَغْمًا بفضل قديمنا ... مُضَرٌ وقوَّمنا طريق الحايد
ومن مواقعه عليه السلام: ما روي أنه كان عند معاوية يومًا فافتخر معاوية فقال: أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أغزرها جودًا، وأكرمها جدودًا، أنا ابن من ساد قريشًا فضلاً ناشئًا وكهلاً، فقال الحسن عليه السلام: أعليَّ تفتخر يا معاوية؟! أنا ابن عروق الثرى، أنا ابن مأوى التقى، أنا ابن من جاء بالهدى، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالفضل السابق، والجود اللائق، والحسب الفائق، أنا ابن من طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، فهل لك أب كأبي تباهيني به؟ وقديم كقديمي تساميني به؟ قل نعم أو لا، قال: بل أقول لا، وهي لك تصديق، فقال الحسن عليه السلام:
الحقُّ أبلج ما يُخيل سبيله ... والحق يعرفه ذووا الألبابِ

ومن مقاماته عليه السلام:

ما روي أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي معَيط، والمغيرة بن شعبة فقالوا: يا معاوية، أرسل لنا إلى الحسن بن علي لنسُبَّ أباه ونوبِّخَه ونُصَغِّرَهُ، وكانوا قد تواطئوا على أمر واحد، ثم قال عمرو: إن الحسن قد أحيا أباه، وخفقت النعال خلفه، وأمر فَأُطِيع، وقال فَصُدِّق، وهذا رافعه إلى ما هو أعظم منه، فلو بعثت إليه، فأخذنا منه النصفَة كان رأيًا، فقال معاوية: إني والله أخاف أن يقلِّدكم قلائد تبقى عليكم في قبوركم، فوالله ما رأيتُه قط إلا خفتُ جنابه، وهِبتُ عتابَه، وإن بعثت إليه والله أنصفتُه منكم، فقال عمرو: أتخاف أن يأتي باطلُه على حَقِّنا، أو مرضه على صحتنا؟ قال: لا فابعثوا إليه إذًا فالقوه بما في أنفسكم، ولا تُكَنَّوا ولا تلجلجوا، وصرِّحوا ولا تعرضوا، فلن ينفعكم غير التصريح.

قال: فبعثوا إلى الحسن عليه السلام، فقال الرسول: أجب أمير المؤمنين معاوية، فقال من عنده؟ فسماهم، فقال: مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم قال: يا جارية، أبلغيني ثيابي، ثم قال: اللهمَّ إني أدراُ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، وأستعين بك عليهم، فأكفنيهم بما شئت، وكيف شئت، وأنَّى شئت بحولك وقوتك يا رحمان، ثم قال للرسول: هذه كلمات الفرج، فلمَّا أتى معاوية رحَّب به وناوله يده، فقال الحسن: إنَّ الترحيب سلامة، والمصافحة أمانة، قال: أجل، فلمَّا قعد قال له معاوية: ما أنا دعوتك ولكن هؤلاء أحرجوني فيك حتى أرسلت إليك فدعوتك لهم، وإنما دعوك ليقرروك أن عثمان قُتِلَ مظلومًا، وأن أباك قتله، فاسمع منهم وأجبهم، ولا يمنعنك هيبتي ولا هيبتُهم أن تتكلم بصليب لسانك، فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله! البيت بيتك، والإذن فيه إليك، والله لئن كنتَ أجبتَهم إلى ما قالوا إنَّه استحياء لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك على ما تريد إنه استحياءٌ لك من الضعف، فبأيِّهما تُقِر؟ ومن أيِّهما تفر؟ فهلاَّ إذْ أرسلت إليَّ أنبأتني فأجيء بمثلهم من بني هاشم، على أنهم مع وحدتي أوحش منهم مع جميعهم، وإن الله لوليِّي فَلْيقولوا فأسمع.

فبدأ عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عليًّا عليه السلام فلم يترك شيئًا من الوقوع فيه حتى عَيَّره بأنَّه شتم أبا بكر، واشترك في دم عمر، وقتل عثمان مظلومًا، وادَّعى ما ليس له بحق، ثم قال: إنكم معشر بني هاشم لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخليفة، واستحلالكم ما حرَّم الله عليكم، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يَحلُّ لكم، ثم أنت يا حسن: كيف تحدث نفسك أنك كائن خليفة؟ وليس عندك عقل ذلك ولا رأيه، فكيف تُراك تأتيه، وأنت أحمق قريش! وفيك سوء عقل أبيك، وإني دعوتك لأسُبَّكَ وأباك، ثم لا تستطيع أن تغيِّرَه، ولا أن تكذبه، فأمَّا أبوك فقد كفانا الله شرَّه، وأمَّا أنت ففي أيدينا نتخيّر فيك، والله لو قتلناك ما كان في قتلك إثمٌ من الله، ولا عتب من الناس، فتكلَّم، وإلا فأعلم أنك وأباك من شر خلق الله تعالى.

ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: إنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، ثم لم تَدَوْهُ، ولم تقيدونا به، والله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم من الله، ولا لومٌ من الناس، وكان من الحق أن نقتلك وأباك، فأمَّا أبوك فقد تفرَّد الله بقتله وكفاناه، وأمّا أنت فقد أقادك الله به إذ كان أبوك شرَّ قريش لقريش، أقطعهم لأرحامها، وأسفكهم لدمائها، وعليك القود في كتاب الله فنحن قاتلوك به. وأمّا رجاؤك الخلافة فليست قدحة رأيك، ولا رجح ميزانك.

ثم تكلم الوليد بن عقبة فقال: إنكم بني هاشم كنتم أخوال عثمان، ولنعم الولد كان لكم إذ كنتم أصهاره، ولنعم الصهر كان لكم، يعرف حقكم، ويكرمكم، وإنكم كنتم أول من حسده ودب في قتله وفتك به، وكنتم أنتم قتلتموه، وأطعتم الناس في قتله؛ حرصاً على الملك، وقطيعة للرحم، فكيف ترون الله طلب بدمه؟ وكيف ترون منزلكم منازلكم؟ أمّا أبوك فقتله الله، وأما أنت فصرت إلى ما كرهت.

ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فقال يا حسن: إن عثمان قُتل مظلوماً، ولم يكن لأبيك في ذلك عذر بريء، ولا اعتذار مذنب، غير أنا ظننا أنه راض بقتله لضمِّه قتلته، ومكانهم منه، وكان والله طويل اللسان والسيف، يقتل الحي ويعيب الميِّت، وبنو أمية لبني هاشم خير من بني هاشم لبني أمية، ومعاوية خير لك منك له.

ثم تكلم الحسن عليه السلام: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معاوية، والله ما شتمني غيرك فحشًا منك، وخلقًا سيئاً، وبغياً عليَّ، وعداوةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قديماً وحديثاً، ولا أبدأُ إلا بك، ولا أقول إلا دون ما فيك، والله لو كنتُ أنا وهؤلاء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحولنا أهل المدينة لما استطاعوا أن يتكلّموا بالذي تكلّموا به، ولكن اسمعوا أيها الملأ، ولا تكتموا حقاً علمتموه، ولا تصدقوا باطلاً إن تكلمتُ به: أنشدكم الله، أتعلمون أن الرجل الذي شتمتم وتناولتم منه اليوم قد صلى القبلتين كلتيهما، وأنت يا معاوية كافر بهما تراهما ضلالة وتعبد الّلات والعزّى، وبايع البيعتين بيعة الرضوان وبيعة الفتح وأنت يا معاوية بالأولى كافر وبالثانية ناكث.

وأنشدكم الله، أتعلمون أن علياً لقيكم يوم الأحزاب ويوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ومعك يا معاوية لواء المشركين من قريش في كل ذلك يفلج الله حجته، ويُحق دعوته، ويصدِّق أحدوثته، وينصر رايته، وفي كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راض عنه في المواطن كلِّها.

وأنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصر قريظة والنضير، فبعث عمر براية المهاجرين، وسعد بن معاذ براية الأنصار، فأمّا سعد فجيء به جريحًا، وأمّا عمر فرجع بأصحابه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحبُ الله ورسولَه، ويحبُه اللهُ ورسولُه يفتح الله على يديه)).

فتعرّض لها أبو بكر وعمر، وعلي عليه السلام يومئذٍ أرمد، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه إياها، فلم يلبث حتى فتح الله عليه، فاستنزلهم على حكم الله ورسوله، وأنت يومئذ مشرك بمكة عدو لله. بالله أتعلمون أن عليًا عليه السلام من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن حرّم الشهوات، من الذين أنزل الله فيهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] وكان في رهط هو عاشرهم، فأنبأهم الله أنهم مؤمنون، وأنت في رهط قريب من أولئك لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ونشدتك بالله، أتعلم أنك كنتَ تسوق أباك يوم الأحزاب، ويقود به أخوك هذا القاعد: عتبة بن أبي سفيان على جمل أحمر بعد ما عمي أبو سفيان، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجملَ والقائدَ والراكبَ والسائقَ.

ونشدتك بالله، أتعلم أنك كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يعجبه حسن خطك، فأرسل إليك يوماً، فقال الرسول: هو يأكل، فأعاد ذلك مراراً، كل ذلك يقول الرسول: هو يأكل، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم لا تشبع بطنه)) فنشدتك الله، ألست تعرف تلك الدَّعوة في نهمتك وأكلك ورغبة بطنك؟

ونشدتك بالله! أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: لعنه يوم لقيه خارجاً من مكة مهاجرا إلى المدنية، وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه وسبَّه وكذَّبه وأوعده وهمَّ أن يبطش به، فصدَّه الله عنه. ولعنه يوم أحد، قال أبو سفيان: أُعل هبل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الله مولانا ولا مولى لكم. ولعنة الله وملائكته ورسله عليه. ولعنه يوم بدر إذ جاء أبو سفيان بجميع قريش، فردَّهم بغيظهم، فأنزل الله فيهم آيتين: سَمَّى أباك في كلتيهما وأصحابَه كافرًا، وأنت يا معاوية يومئذ مع أبيك.

ولعنه يوم الهَدي معكوفًا أن يبلغ محله، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يطف بالبيت، ولم يقض نسكه. ولعنه يوم الأحزاب: جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عيينة بن حصن بن بدر بغطفان، وواعدكم قريظة والنضير، فلعن اللهُ القادةَ والاتباعَ، فأما الأتباع فلا تصيب اللعنة مؤمنًا، وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناج. ولعنه يوم حملوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة، وهم اثنا عشر رجلاً: سبعة من بني أمية، وأبو سفيان فيهم، وخمسة من سائر قريش، لعن الله من على الثنية غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وناقته وسائقها وقائدها، فهل تردُّوا عليَّ مما قلت شيًئا؟.

ومنها: لعنك يوم أبوك همَّ أن يُسلم، فبعثت إليه بشعر معروف تنهاه عن الإسلام، فهذه مواطن لُعِنت فيها أنت وأبوك. ومنها: ولاك عمر الشام فخنته، وولَّاك عثمان فتربصت به، وقاتلت علياً عليه السلام على أمر كان أولى به منك عند الله، فلما بلغ الكتاب أجله، وصار إلى خير منقلب، وصرت إلى شرِّ مثوى، وقد خفَّفتُ عنك من عيوبك.

وشعرُ معاوية إلى أبيه يرده عن الإسلام:

يا صخر لا تسلمن طوعًا فتفضحنا ... بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

جَدِّي وخالي وعمِّ الأم يا لهمُ ... قومًا وحنظلة الْمُهدِي لنا الأرقا

لا تركنَنَّ إلى أمر يُقلدنا ... والراقصات به في مكة الحرُقا

والموتُ أهون من قول السفاه لقد ... خلّى ابن حربٍ لنا العزّى لنا فرقا

فإن أتيت أبينا ما تريد فلا ... نثني عن اللّات والعُزّى لنا عنُقا

وأمّا أنت يا عمرو: فإن أول لؤمك أنك وُلِدت على فراش مشترك، وقد احتج فيك خمسة من قريش: أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان ابن الحويرث، والنضر بن حارثة، والعاص بن وائل، كل واحد منهم يدّعي أنك ابنه، فغلب عليك جزّار قريش ألأمُها حسبًا، وأخبثها منصباً، وأعظمها لعنة، ثم قمت خطيباً في قريش، فقلت: إني شانئٌ محمدًا، فأنزل الله تعالى فيك: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] ثم كنت في كل يوم قاتَلَ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشدهم له عداوةً وتكذيباً، ثم كنت من الفسقة الذين ركبوا إلى النجاشي في جعفر، فكذّبك الله وردّك بغيظك، فلما أخطأك ما رجوتَ أجلبتَ على صاحبك عمارة بن الوليد فقتلته. وأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام، ولسنا نلومك على حسبك، ولا نستعتبك على حبٍّ، وقد هجوتَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين بيتًا، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إني لا أحسن الشعر، ولكن الْعنْهُ بكل بيت لعنة، فأما قولك في عثمان، فإنك ألهبتها عليه شانياً، ثم هربت إلى فلسطين، فلما بلغك قتلُه حبستَ نفسَك على معاوية، فبعته دينَك بدنياه، ولسنا نلومك على بغضنا، وأنت القائل حيث قلت:

تقول ابنتي: أين أين الرحيـ ... ـل؟ وما السير مني بمستنكرِ

فقلت: دعيني فإني امرؤُ ... أريد النجاشي في جعفرِ

لأكويَه عنده كيَّة ... أقيم بها صَعَر الأصْعَرِ

ولا أنثني عن بني هاشم ... بما اسْطَعتُ في الغيب والمحضرِ

وعن عائب اللّات في قوله ... ولولا رضى اللّات لم نُمطرِ

وإني لأشنى قريش له ... وأقْولهم فيه بالمنكرِ

وأجرا قريش على عيبه ... وإن كان كالذَّهب الأحمرِ

فإن بزَّني الأمر تابعته ... وإلاّ لويتُ له مشفرِ

وأما أنت يا عتبة: فوالله ما أنت بحصيفٍ فأجيبك، ولا عاقل فأعيبك، ولا فيك خير يُرتَجى، ولا شرٌّ يُتَّقى، وأمّا وعيدُك إياي بالقتل فهلا قتلت الذي وجدتَ على فراشها قد غلبك على فرجها، وأشركك في ولدها؟ ولو كنتَ تستحيي من شيءٍ، أو تقتل أحداً لما أمسكتها بعد إذ بغت عليك، ولم تغر عليها ولا عليه، فكيف يخافك أحدٌ؟! أم كيف توعَّد الناس بالقتل وقد تركته! ولا ألومك على سبِّ عليٍّ عليه السلام، وقد قتل خالك مبارزةً، واشترك هو وحمزة في جدك فقتلاه. وأما قولك في رجائي الخلافة، فلعمري إن لي لَملبسًا، ولكنّك والله ما أنا بنظير أخيك، ولا خليفة أبيك، وكان حقًا لك أن تستحيي من قول نصر بن الحجاج حيث يقول:

يا لرجال لحارث الأزمان ... ولسوءةٍ ساءت أبا سفيان

نبئتُ عتبة قذَّرته عرسه ... بصداقة الهُذَلي من لحيان

ألفاه معها في الفراش فلم يكن ... حُراً وأمسك شرّة النسوان

لله درُّك خلِّ عنها إنها ... ليست وعندك علمها بحصان

واطلب سواها حرّة مأمونة ... ألقت عليك بثقلة الديثان

لله درك إنها مكروهة ... قالوا الزنا ونكاحها سيّان

لا تُلْزمنْ يا عتُب نفسك حبَّها ... إن النساء حبائلُ الشيطان

وأمَا أنت يا وليد: فلا ألومك أن تسبَّ عليًا عليه السلام وقد جلدك في الخمر، وقد قتل أباك بيده صبرًا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف تسبَّه وقد سمّاه الله في عشر آيات مؤمنًا وسمّاك فاسقًا!، وكيف تسبَّه وأنت عِلْجُ صفُّوريَّة!.

وأما زعمك أنا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزبير أن يقولا لعليٍّ ذلك، ولو استطاعا لقالا، وكأنك قد نسيت قول شاعرك حيث يقول:

أنزل الله في كتاب عزيز ... في عليٍّ وفي الوليد قرآنَا

القصيدة.

وأما أنت يا مغيرة: فوالله ما كنت حقيقًا أن تقع في هذا الكلام، إنما مثلك مثل البعوضة حيث وقعت على النخلة، فقالت لها: استمسكي فإني نازلةٌ عنك، فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك فيشق عليَّ نهوضك، ونحن والله ما شعرنا بعداوتك ولا غمّتنا إذ عرفناها، ولكن أخبرني بأي الخصال تسبُّ عليًا: انتقاصًا في نسبه؟ أم بُعدًا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم سوءَ بلاءٍ في الإسلام؟ أم جَوْرَ حُكْمٍ؟ أم رغبة في الدنيا؟ فلئن قلتَ واحدةً منها فقد كذبت، أو جئت تزعم أن عليا عليه السلام قتل عثمان، ولعمري لو قتله ما كنتُ من ذلك في شيء، فأمّا قيلكم في الأمر والملك الذي أُعطيتم فإن الله تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] والله ما نصرت عثمان حيًا، ولا غضبت له ميتًا، وما زالت الطائف دارك حتى كان أمس، وأما اعتراضك في بني هاشم أو بني أميّة، فهو ادعاؤك إلى معاوية.

ونفض ثيابَه وخرج.

فقال معاوية: ذوقوا، قد نبأتكم، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت، وقال معاوية شعرًا:

أمرتكم أمرًا فلم تسمعوا له ... وقلتُ لكم لا تبعثُنَّ إلى الحسن

فإني وربِّ الراقصات عشية ... بركبانها يهوين من سرّة اليمن

أخاف عليكم منه طول لسانه ... وبعد مداه عند تجريره الرّسن

فلما أبيتم كنتُ فيه كبعضكم ... وكان خطابي فيه غَبْنًا من الغَبَن

فأجمعتُم بغيًا عليه وغدرةً ... وقد يعثر العير المدلَّ من السمن

فكيف رأيتم غِبَّ رأيي ورأيكم ... على أنه دار السلاح على المحن

فحسبكم ما كان من نضج كَيِّه ..وحسبي وحسب المرء في القبر والكفن

وقال قثم بن العباس:

والله لو جئنا لما قال قائل ... مع ابن رسول الله حرفا مدى الدّهر

وانصرُه منكم وأنتم عصابةٌ ... أذلُّ بحمد الله من عازب الوبر

دلفتم بعمروٍ واثقين بفحشه ... إلى ابن رسول الله خُرقًا ولا ندري

وليس يساوي عَمْرُكم شسع نعله ... ألا لا وشِسْعُ النعل أفضل من عمرو

وقد كان للمرء المعيطي شاغلٌ ... عن ابن رسول الله في الطهر والخمر

وقل لأبي سفيان عتبه زفَّها ... إليك عروسًا واترك الفخر في فهر

وما الأحمق الزَّنّا إلا بعوضة ... هوت في ذناب الريح في لجة البحر

ورأس خطاياهم معاوية الذي ... يردُّ بطير الماء عادية الصقر

فلما أتاه الصقر أبصر صيده ... فظلت دماء الصيد في نحره تجري

أتؤذي نبي الله في أهل بيته ... وتوصل أرواثًا جُمعن من الْحُمر

على غير ذنب كان منا علمته ... سوى ما قتلنا من قريش على الكفر

من قصيدة له طويلة، وكانوا يهابون الحسن عليه السلام بعد ذلك حتى قبض.

وقال غيلان بن مسلمة من قصيدة له:

ألا أبلغا عني المغيرة مالكًا ... عجلت إلى أمرٍ وفي عجلك الزّللْ

وغرّك عمروٌ والوليدُ سفاهةً ... وعتبة ممن كان فيه عسى وعلْ

دعوك وأعراض الحتوف كثيرة ... إلى الحيَّة الصَّمَّاء والقائل الفُعَل

إلى خير من يمشي على الأرض حافيًا .. ومنتعلاً في الهدي والقول والعمَل

إلى حسن من غير ذنب أتى به ... إليك ولا عار تجر له العِلَل

فسمَّاك فيما كنت فيه بعوضة ... وكان بها فيما مضى يضرب المثل

فوالله ما أخطى الذي أنت أهله ... ألا ربّ حاد قد حدا غير ذي جَمل

وعبت عليًا والحوادث جمَّةً ... فما لك في التقوى رجاء ولا أمل

ومناقبه عليه السلام ظاهرة، وبدور شرفه باهرة.

ذكر بيعته عليه السلام

بُويع له بعد موت أمير المؤمنين عليه السلام، يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وكان من كلامه عليه السلام بعد الخطبة - وقد ذكر أمير المؤمنين فقال: خاتم الوصيين، ووصي خاتم الأنبياء، وأمير الصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال: أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون، ولا يُدْركه الآخِرون، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله عليه، ما ترك ذهبا ولا فضة إلا شيئًا على صبي له، وما ترك في المال إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادمًا لأم كلثوم، ثم قال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تلا قول يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله السراج المنير، وأنا ابن الذي أُرسِلَ رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل عليهم، وعنهم كان يعرُج، وأنا من أهل: البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} [الشورى: 23] واقترافُ الحسنة مودتُنا.

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال- بعد حمد الله والثناء عليه:

أما بعد: فإنَّ الله بعث محمداً بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، فأدَّى عن الله رسالاته، ونصح الله في عباده حتى توفّاه، وقد رضيَ عمله، وغفر ذنبه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر الذين ولوا الأمر من بعده، وذكر عثمان وقال: إنه خالف سنة من كان قبله، وسن سنن ضلالة لم تكن قبله، واستأثر بالفيء وحابى به قرباءه، ووضعه في غير موضعه، فرأى أهل الفضل من هذه الأمة أن ينفوا ما رأوا من إحداثه فقتلوه، ثم نهضوا إلى خير خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولاهم بالأمر من بعده فبايعوه، فأقام الكتاب، وحكم بالحق، وتخلى من الدنيا، ورضي منها بالكفاف، وتزود منها زاد البلغة، ولم يؤثر نفسه ولا أقرباءه بفيء المسلمين، فتوفاه الله حسن السيرة، تابعًا للسنة، ماحقًا للبدعة، وهذا ابنه وابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأولى عباد الله اليوم بهذا الأمر، فانهضوا إليه رحمكم الله، فبايعوه ترشدوا وتصيبوا، ثم قال: ابسط يدك يا ابن رسول الله أبايعك، فبسطها فبايعه، ثم تبعه العيون من أهل الفضل.

وروينا عن أبي بكر الهذلي قال: أتى أبا الأسود الدؤلي نَعْيُ أمير المؤمنين وبيعة الحسن بن علي عليهما السلام، فصعد المنبر فخطب الناس، ونعى عليًا عليه السلام وقال في خطبته: إن رجلاً من أعداء الله المارقة في دينه اغتال أمير المؤمنين كرم الله وجهه ومثواه في مسجده، وهو خارج لتهجُّده في ليلة يُرجى فيها مصادفة ليلة القدر فقتله، فيا لله من قتيل! وأكرم به وبروحه من روح! عرجت إلى الله بالبر والتقوى، والإيمان والهدى، ولقد أطفأ نور الله في أرضه، لا يُضاء بعده، وهدم ركنًا من أركان الإسلام لا يشاد مثله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسب مصيبتنا بأمير المؤمنين، وعليه السلام ورحمة الله يوم ولد، ويوم قُتل، ويوم يُبْعثُ حياً.

ثم بكى حتى اختلجت أضلاعه، ثم قال: وقد أوصى بالإمامة إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه، وإني لأرجو أن يجبر الله به ما وهي، ويسد به ما انثلم، ويجمع به الشمل، ويطفي به نيران الفتنة، فبايعوه ترشدوا، فبايعت الشيعةُ كلها، وهرب قوم فلحقوا بمعاوية.

ولما فرغ الحسن عليه السلام من كلامه الذي تقدم، قام عبدالله بن العباس عليهما السلام يدعو الناس إلى بيعته ويأخذها عليهم، وأسرع الناس إلى بيعته، فبايعه: قيس بن سعد بن عبادة، وسليمان بن صُرَد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وسعيد بن عبدالله الحنفي، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، وكان يقول للرجل: تبايع على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم سلمُ من سالمت، وحرب من حاربت، فعلموا أنه يريد الجدَّ في الحرب، وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد أوصاه بذلك عند وفاته، ووردت عليه بيعة أهل مكة والمدينة وسائر الحجاز والبصرة واليمامة والبحرين والعراقين، وزاد عليه السلام المقاتلة عند البيعة مائة مائة، فتبعه الخلفاء على ذلك، وهو أصل ما يسمى الآن مال البيعة.

وكتب عليه السلام إلى العمال يقرُّهم في أعمالهم، وبسط فيهم العدل، واستقامت له النواحي إلا الشام والجزيرة ومصر، قال أبو الفرج الأصفهاني: ودسَّ معاوية لعنه الله رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدُلّ على الحميري عند لحام جرير، ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم فأُخذا وقتلا.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

أولاده عليه السلام:

الحسن بن الحسن، وأمه: خولة بنت منظور الفزارية، وكان وصي أبيه ووالي صدقته.

وزيد بن الحسن، وأمه: أم بشير بنت أبي مسعود من ولد الحارث ابن الخزرج.

وعمر، والقاسم، وأبو بكر، قتلوا بالطف مع عمهم، وعبدالله قتل بالطف، وعبدالرحمن، وحسين الأثرم، وطلحة وهو طلحة الجود، ذكره محمد ابن حبيب في الطلحات المعدودين في الأجواد، وأمه: أم إسحاق ابنة طلحة بن عبدالله التيمي.

وإسماعيل، ويعقوب، ومحمد، وجعفر، وحمزة، لأمهات أولاد، فهؤلاء الأربعة عشر ابنا، العقب منهم لاثنين وهما: الحسن بن الحسن، وزيد بن الحسن.

وانقرض اثنان منهم وهما: عمر بن الحسن، وحسين الأثرم، وقد كان اتصل عقبهما إلى أوائل أيام بني العباس ثم انقرض، والباقون درجوا.

والبنات ثمان: فاطمة، وأم عبدالله، وزينب، وأم الحسن، وأم الحسين، وأم سلمة، ورقية، وفاطمة الصغرى.

أعقبت منهن أم عبدالله لأم ولد، وكانت عند علي بن الحسين سلام الله عليه فولدت له حسنًا وحسينًا الأكبر ودرجا، ومحمد الباقر، وعبدالله بن علي بن الحسين عليهم السلام.

عمَّاله عليه السلام:

عمال أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وكاتبه كاتب أبيه عليه السلام عبدالله بن أبي رافع، والنافذ على مقدمته عند خروجه في حرب معاوية عبيدالله بن العباس، وعقد لقيس بن سعد لوآء وضمه إليه، وقال: لعبيدالله إن أُصبت فقيسٌ على الجيش، وإن أُصيبَ قيس فسعيد بن قيس الهمَداني، والذين أنفذهم لاستنفار الناس معقل بن قيس الرياحي، وشريح بن هانئ الحارثي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.

وخليفته على الكوفة حين خرج عنها لحرب معاوية: المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وأمره حين خرج باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه.

ذِكْرُ وَفَاتِهِ وَمَبْلَغِ عُمُرِهِ وَمَوْضِعِ قَبْرِهِ سَلام اللهِ عَلَيْهِ:

لما استثقل معاوية حياة الحسن بن علي عليه السلام مع ما كان ينطوي عليه من العداوة الشديدة له عليه السلام احتال في سَمه على يدي امرأته أم الحسن جعدة ابنة الأشعث، وبذل لها مائة ألف درهم، ووعدها بزواج يزيد، فسقته عليه السلام فوفى لها دون التزويج بيزيد فزوجت بعده في أولاد طلحة وأولدت أولادًا، فكان أولادها إذا جرى بينهم وبين غيرهم شيء قالوا: يا بني مُسِمَّةِ الأزواج.

ولما احتضر الحسن عليه السلام قال: لقد سُقيت السمَّ ثلاث مرات ما منهن بلغت مني ما بلغت هذه، لقد تقطعت كبدي.

وروي أنه لما احتضر عليه السلام بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أقدم على سيد لم أره، وأسلك طريقًا لم أسلكها، أخرجوا سريري إلى صحن الدار حتى أنظر في ملكوت السموات والأرض.

وتوفى عليه السلام بالمدينة، وله سبع وأربعون سنة، وقيل: ست، وقيل: خمس.

وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة تسع وأربعين، اختلفوا في تأريخ موته حسب اختلافهم في مبلغ عمره.

وكان عليه السلام قد أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يخاف أن يراق محجمة من دم، فلما سمعت عائشة بذلك، ركبت بغلاً واستنفرت بني أمية، وفيها يقول القائل:

فيومًا على بغل ويومًا على جمل

فجمع مروان من هناك من بني أمية وأتباعهم الأوغاد الطغاة، وبلغ ذلك الحسين ابن علي عليهما السلام فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفنوا حسنًا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقبل مروان وأصحابه وذويه، وهو يقول: يا رُبَّ هيجا هي خير من دعة، أيدفن عثمان في البقيع، ويدفن الحسن بن علي في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ والله لا يكون ذلك وأنا أحمل السيف، فلما كادت الفتنة تستعر والحسين صلى الله عليه وآله وسلم يأبى أن يدفنه إلا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكلمه عبدالله بن جعفر، ومسور بن مخرمة؛ ليدفنه في البقيع، وقال له عبدالله بن جعفر: إنه عهد إلي أن أدفنه في البقيع، بحقي عليك عزمت ألا تكلِّمني بكلمة فمضى هنالك، واتصل الخبر بمعاوية بن أبي سفيان، فاستحمد مروان على ذلك، فقال مرتين: إيهًا مروان أنت! وحكي عنه أنه قال: إن يك ظني بمروان صادقًا لن يصلوا إلى ذلك أبدًا، فدفن عليه السلام في البقيع، وقبره هنالك ظاهر مشهور، وقال الحسين بن علي عليهما السلام يرثي أخاه الحسن بن علي عليهم السلام:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي ... وخَدك مَعفورٌ وأنت سليبُ

أم استمتع الدنيا بشيء أُحبُّه ... ألا كلما أدنى إليك حبيبُ

أم أشرب ماء المزن أم غير مائه ... وإلا لدمعي في الأنآء غروبُ

فلا زلت أبكي ما تغنَّت حمامةٌ ... عليك وما هبَّت صبًا وجنوبُ

وليس حريبًا من أصيب بماله ... ولكنَّ من وارى أخاه حريبُ

وما قطرت عين من الماء قطرةً ... وما أخضرَّ في دوح الحجاز قضيبُ

بكائي طويلٌ، والدموع غزيرةٌ ... وأنت بعيد والمزار قريبُ

ولَمَّا مضى عني أخي ذقت حرقةً ... له لم يُذقنيها سواه غريبُ

ولَما نُعِيَ الحسن عليه السلام إلى معاوية، وعبدالله بن العباس بباب معاوية، فحُجب ابن عباس حتى أخذ الناس مجالسهم، ثم أذن له فقال: أعظم الله أجرك يا بن عباس قال: فيمن؟ قال: في الحسن بن علي قال: إذًا لا يزيد موته في عمرك، ولا يدخل عمله عليك في قبرك، فقد فقدنا من هو أعظم منه قدرًا، وأجل منه أمرًا، فأعقب الله عقبى صالحة فخرج ابن عباس وهو يقول:

أصبح اليوم ابن هند شامتًا ... ظاهر النخوة أن مات الحسنْ

ولقد كان عليه عمره ... مثل رضوى وثبير وحضنْ

فارتع اليوم ابن هند آمنًا ... إنما يقمص بالعير السمنْ

واتق الله وأظهر توبةً ... إنما كان كشيء لم يكنْ

وروينا عن الزهري من طريق السيد الإمام المرشد بالله يحيى ابن الإمام الموفق بالله أبي عبدالله الحسين بن إسماعيل الحسني الجرجاني عليهم السلام رواه بإسناده مع ما تقدم آنفًا قال: قدم ابن عباس على معاوية فمكث أيامًا لا يؤذن، ثم أُذن له ذات يوم فدخل فإذا معاوية مستبشر ومن يطيف به، فقال: يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟ فقال: والله لا أدري ما حدث في أهل بيتي غير أني أراك مستبشرًا ومن يطيف بك، قال: مات الحسن بن علي. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون يكررها مرارًا، ثم قال: أما والله يا معاوية لا يزيد موته في عمرك، ولا تسد حفرتُه حفرتك، ولقد أُصبنا بمن كان أعظم منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكفانا الله، ثم خرج من عنده، قال: فمكث أيامًا لا يصل إليه، ثم وصل إليه ذات يومِ فقال معاوية: يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: وما حدث في أهل بيتي؟ قال: مات أسامة بن زيد. قال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله أسامة بن زيد، ثم خرج من عنده، وقد كان ابن عباس تقشف وكره أن يتزيَّا بزيِّه، فيشهره أهل الشام فيضرُّ به ذلك عند معاوية، فلما رجع إلى منزله قال: يا غلام هات ثيابي فوالله لئن جلست أنا لهذا المنافق ينعي إلي أهل بيتي واحدًا واحدًا إني إذًا أحمق.

قال: فقال عليَّ بالمقطّعات فلبسها، قال: ثم قال: بعمامة له اسمها: تجوبية فلبسها، وكان من أجمل الناس، أمدِّهم جسمًا، وأحسنِهم شَعَرًا، وأحسنِهم وجهًا، قال: ثم أتى مسجد دمشق فدخل، فلما نظر إليه أهل الشام قالوا: من هذا؟ ما يشبه هذا إلا الملآئكة، ما رأينا مثل هذا! قالوا: هذا ابن عباس، هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس إلى سارية، وتقوض إليه الخلق، فما سُئل عن شيء إلا أجابهم به من تفسير من كتاب الله، ولا حلال ولا حرام، ولا وقعة كانت في جاهلية ولا إسلام، ولا شعر كان في جاهلية ولا إسلام إلا أجابهم به.

قال: ومعاوية لا يشعر بشيء من هذا، فانتبه فقال للآذن: ائذن لمن بالباب، قال: أو بالباب أحد؟ قال: فأين الناس؟ قال: ذهبوا إلى ابن عباس، قال: هاهٍ قد فعلوها! نحن والله أظلم منه، وأقطع للرحم، اذهب يا غلام، وقل له: أجب أمير المؤمنين.

فأتاه الرسول، قال: فقال ابن عباس: إنا بنو عبد مناف لا نقوم عن جليسنا حتى يكون هو الذي يقوم، لكن قد تقاربت الصلاة فإذا صلينا أتينا أمير المؤمنين، قال: فأتاه الرسول فأخبره.

فقال: صدق، دعه حتى يصلي، قال: فلمَّا صلى جاء ابن عباس حتى دخل عليه، فقال له معاوية: ما حاجتك يا ابن عباس؟ قال: دينٌ عليَّ، قال: قد أداه الله عنك، قال: وما أستعين به على الزمان.

قال وذلك لك. أبقيت لك حاجة؟ قال: لا.

قال: ادخل بيت المال، فأحمل ما بدا لك، قال: إنا بنو عبدالمطلب لا نأخذ من مال المسلمين إلا ما احتجنا إليه، قال: عزمت عليك إلا ما فعلت، قال: فدخل ابن عباس بيت المال، فتلفّت يمينًا وشمالاً فرأى برنسًا من خزٍّ أدكن فتدرَّعه ثم خرج به، قال: قد أخذت حاجتك؟ قال: نعم، قال: الحق ببلادك، قال: يا أمير المؤمنين إنك حيث نعيت إلي الحسن بن علي آليت على نفسي أن لا أسكن المدينة بعده أبدًا، ولا أجد مكانًا أجل من جوار أمير المؤمنين.

قال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، قال: فبقيت لي حاجة هي أهم الحوائج إلي، وهي لك دوني، قال: فإن حاجة لك هي لنا دونك إنا نخاف أن نسارع إليها.

قال: علي بن أبي طالب قد كفاك الله مؤنته، ومضى لسبيله، وقد عرفت منزلته وقرابته فكفَّ عن شتمه على المنابر، قال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل يا ابن عباس، هذا موضع دين، إنه غش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمَّ أبا بكر، وذم عمر، وقتل عثمان، فليس إلى الكفِّ عنه سبيل، فقال له ابن عباس: الله حسبك فيما قلت، ثم خرج فلم يلتقيا.

وروينا بالإسناد أنه لما دفن الحسن بن علي عليهما السلام، قام أخوه محمد ابن الحنفية عليه السلام على قبره وقال: يرحمك الله أبا محمد، لئن عزَّت حياتك لقد هدَّت وفاتك، ولنعم الرُّوح رُوحٌ عُمِرَ به جسدُك، وتضمنه كفنك، وكيف لا يكون كذلك! وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، غذتك كفُّ الإيمان، ورضعتَ ثدي التقوى، فطبت حيًا وطبت ميتًا، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، فإنها غير شاكةٍ بأن الله قد اختار لك، ثم بكى وأبكى من حوله.

وقال النجاشي الحارثي رحمه الله يرثي الحسن بن علي عليهما السلام:

يا جعد بكيه ولا تسأمي ... بكاء حق ليس بالباطل

على ابن بنت الطاهر المصطفى ... وابن ابن عم المرسل الفاضل

كان إذا شبّت له نارة ... يرفعها بالشرف القابل

لكي يراها بائس مرملٌ ... أو فرد حيٍّ ليس بالآهل

يغلي بني اللحم حتى إذا ... أنضج لم يغل على الآكل

لن تغلقي بابًا على مثله ... من حافيٍ يمشي ولا ناعل

أعني فتى أسلمه قومُه ... للزمن المستخرج الماحل

نعم فتى الهيجاء يوم الوغى ... والسيد القائل والفاعل

ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام

وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية لعنه الله أما بعد: فإنك دَسسْتَ إليَّ الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشكُّ في ذلك فَتَوَقَّعه إن شاء الله تعالى، وقد بلغني أنك شَمتَّ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

قل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد

وإنا ومن قد مات منَّا لك الذي ... يروح فيمسي في المبيت ليغتدي

فأجابه معاوية، أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمتُ بما حدث، فلم أفرح، ولم أشمت، ولم آس، وإنّ علي بن أبي طالب لَكَمَا قال أعشى قيس بن ثعلبة:

فأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقاء ... تضرب منها النساءُ النحورا

وما مزبد من خليج البحور ... يعلو الآكام ويعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده ... فيعطي المئين ويعطي البدورا

وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية مع جندب بن عبدالله الأزدي:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ... أما بعد:

فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، ومنة على المؤمنين، وكآفة إلى الناس أجمعين {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] فبلغ رسالات الله، وأقام على أمر الله، حتى توفاه الله وهو غير مقصر ولا وانٍ، حتى أظهر به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعزّ به العرب، وشرف به قريشًا خآصة، فقال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] فلما توفي صلى الله عليه وآله وسلم تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته، وأسرته وأولياؤه، ولا يجمُل لكم أن تنازعونا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الناس وحقه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة في ذلك على من نازعها أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأنعمت لهم العرب، وسلمت ذلك.

ثم حاججنا نحن قريشًا بمثل ما به حاجت العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها؛ لأنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهلَ بيت محمد وأولياءه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا، والعيب منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي والنصير، وقد عجبنا لتوثُّب المتوثبين في حقنا، وسلطان نبيئنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافةً على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزًا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا من إفساده، فليتعجب المتعجب من توثُّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، فأنت ابن حرب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه، والله حسيبك، وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلام للعبيد.

إنَّ عليًا عليه السلام لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منَّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيًا ولاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الفانية شيًئا ينقصنا في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك؛ ليطفئ الله الثائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، فإن أنت أبيت إلا التمادي في غيِّك نهدت إليك بالمسلمين فحاكمت حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ..

فكتب إليه معاوية ():

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ... أما بعد:

فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله قديمه وحديثه صغيره وكبيره، فلقد والله بلّغ وأدَّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد، ويوم بُعثَ، ويوم قبض، ويوم يبعثه الله حيًا.

وذكرتَ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك؛ إنك امرؤٌ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء، ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد، والذكر الجميل، إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مكانكم في الإسلام ومن أهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلامًا، وأحكمها علمًا، وأحبها له، وأقواها على أمر الله، فاختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضيلة والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتَّهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناه، أو يقوم مقامه، أو يذب عن حُرَم الإسلام ذبه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحًا للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرًا.

وقد فهمت ما الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها وأبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لو علمتُ أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيدُ للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادْخُل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغًا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت معونةً لك على نفقتك يجبيها أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن لا يُستولى عليك بالأشياء، ولا يُقضى دونك بالأمور، ولا تُعصى في أمر أردت به طاعة الله تعالى، أعاننا الله وإىاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.

قال جندب: فلما أتيت الحسن عليه السلام بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير إليه حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإما أن تقدِّر أنه ينقاد لك فلا والله حتى يرى يومًا أعظم من يوم صفين فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي.

قال: وكتب معاوية لعنه الله إلى الحسن:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فإن الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، واحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع من الناس، وَأْيَس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عمَّا أنت فيه وتابعتني وفّيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

وإن أحد أسدى إليك أمانةً ... فأوف بها تُدعى إذا مِتَّ وافيا

ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تَجْفِه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها والسلام.

فأجابه الحسن عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليَّ إثم أن أقول فأكذب والسلام.

فلما وصل كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية - لعنه الله - قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي بنسخة واحدة ..

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، ومن قبله من المسلمين سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ... أما بعد:

فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوِّكم، وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فقتله، وترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي بجدكم وجندكم، وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله.

قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية لعنه الله، وسار قاصدا إلى العراق، وبلغ الحسن عليه السلام خبر مسيره، وأنه قد بلغ جسر منبج فتحرك عند ذلك، وبعث حجر بن عدي يأمر العمال والناس بالتهيء للمسير، ونادى المنادي الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فقال الحسن عليه السلام: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاءه سعيد بن قيس الهمداني، فقال له: اخرج، فخرج الحسن عليه السلام فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أما بعد:

فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهًا، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (اصبروا إن الله مع الصابرين) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية لعنه الله بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا.

قال: وإنه في كلامه لَيتخوّف خذلان الناس إياه قال: فسكتوا فما تكلم أحد منهم ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال: أنا ابن حاتم، بص بص، سبحان الله - ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء مصر، أين المتبلِّغون، أين الخواصون من أهل المصر؟ الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا وجدوا الجد فَروَّاغُون كالثعالب، أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها.

ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يُحمد ورْدُه وصَدَرُه، قد سمعنا مقالتك، وأتينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك فيما قلت، وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافي فليواف، ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبه ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، فكان عدي أول الناس عسكرًا، ثم قام قيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن حفصة التيمي، فأنَّبوا الناس، ولاموهم، وحرّضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء بالقول، والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيرًا ثم نزل.

وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن عليه السلام إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم ويخرجهم حتى تتالى العسكر.

ثم إن الحسن عليه السلام سار في عسكر عظيم، وعدَّة حسنة، حتى أتى دير عبدالرحمن فأقام به ثلاًثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب فقال: له يا بن عم إني باعث معك اثني عشر ألفًا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يرد الكتيبة فسر بهم، وألِنْ لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنِهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي في كل يوم، وشَاوِرْ هذين يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتله، فإن أُصبت فقيس على الناس، فإن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد، وسار عبيدالله على الزبيرة في شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى أتى مسكن، وأخذ الحسن على حمام عمر حتى أتى دير كعب، فنزل ساباط دون القنطرة.

فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا وصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدًا رسول الله أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله وسلم أما بعد: فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنِّه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم معتبة، ولا مريدًا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظرٌ لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم، ولا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليَّ رأيي غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضى.

قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسَلِّم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شدَّ عليه عبدالرحمن بن عبدالله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا منه من أراده، ولاموه وضعفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا له فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوب من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له: الجراح بن سنان، فلما مرَّ في مظلم ساباط قام إليه فأخذ بلجامه وبيده معول فقال: الله أكبر يا حسن أشركت كما أشرك أبوك فطعنه فوقعت في فخذه، فشقه حتى خالط أربيته، فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه واعتنقه فخرا جميعًا إلى الأرض، فوثب عبدالله بن الخضل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه به، وأكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثم أخذوا له الآجر فشدخوا وجهه ورأسه حتى قتلوه.

وحُمل الحسن على سرير إلى المدائن، وبها سعد بن مسعود الثقفي والٍ عليها من قِبَله، وكان علي عليه السلام ولاه فأقرَّه الحسن عليه السلام، قال: ثم إن معاوية وافى حتى أتى قرية يقال لها: الجنوبية بمسكن، وأقبل عبيدالله بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليهم، فخرج إليهم عبيدالله بن العباس فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية لعنه الله إلى عبيدالله بن العباس أن الحسن راسلني في الصلح، وهو مسلِّم الأمر إليَّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعًا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أعطيتك مائة ألف درهم يُعَجَّلْ لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلّ عبيدالله ليلاً فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده.

وأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه؛ فصلى بهم قيس بن سعد، ثم خطبهم فقال: أيها الناس، لا يهولنّكم ولا يعظمنَّ عليكم ما صنع هذا الرجل، الوله الوزغ، إنَّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إنَّ أباه عمُّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خرج يقاتله ببدر، وأسره أبو اليَسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ فداه فقسّمه بين المسلمين، وإن أخاه ولّاه عليٌ أمير المؤمنين عليه السلام على البصرة، فسرق مال الله ومال المسلمين واشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا أيضًا ولّاه علي عليه السلام اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولديه حتى قتلا، وصنع الآن هذا الذي صنع.

قال فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، انهض بنا إلى عدونا، فنهض بهم، وخرج إليهم بسر بن أرطأة في عشرين ألفا فصاحوا هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟ قال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، وإما تبايعون بيعة ضلال، قالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضاربوا أهل الشام حتى ردُّوهم إلى مصافهم.

فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله لا تقابلني أبدًا إلا وبيني وبينك الرمح، فكتب إليه معاوية أما بعد: إنما أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبُّ الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحزَّ، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدًا غريبًا. والسلام.

فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد: فإنما أنت وثن من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرهًا، وأقمت عليه فرقًا، وخرجت منه طوعًا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبًا؛ لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربًا لله ولرسوله، وحزبًا من أحزاب المشركين، فأنت عدوٌ لله ورسوله والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره، ولا يبلغ كعبه، وكان امرءا مرغوبًا عنه، مزهودًا فيه، وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وقد علمت وعلمنا أنَّ أبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه، والسلام.

فلما قرأ كتابه معاوية غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلاً إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنه، قال: وبعث معاوية عبدالله بن عامر، وعبدالرحمن بن سمرة إلى الحسن عليه السلام للصلح فدعواه إليه، وزهّداه في الأمر، وأعطيَاه ما شرط له معاوية، وأن لا يتبع أحد بما مضى، ولا يُنال أحدٌ من شيعة علي عليه السلام بمكروه، ولا يُذكر علي عليه السلام إلا بخير، وأشياء اشترطها. فأجابه الحسن عليه السلام إلى ذلك.

قال أبو الفرج: وسار معه حتى نزل النخيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخلوا الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة، وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك، فروى بإسناده عن الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، ثم إنه انتبه فندم فقال: إلا هذه الأمة فإنها فإنها.

وروى بإسناده عن أبي إسحاق قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميَّ هاتين لا أفي به. قال أبو إسحاق: وكان والله غدارًا.

وروى بإسناده عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة يوم الجمعة الضحى ثم خطبنا فقال: وإني والله ما قاتلتكم لتصلُّوا ولا لتصوموا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، قال شريك في حديثه: هذا هو التهتك.

وروى بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليًا عليه السلام فنال منه، ونال من الحسن فقام الحسين ليردَّ عليه فأخذ الحسن بيده، فأجلسه ثم قام وقال أيها الذاكر عليًا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرًا، وألأمنا حسبًا، وشرنا قدمًا، وأقدمنا كفرًا ونفاقًا، فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.

قال: فضل، قال يحيى بن معين: ونحن نقول آمين، قال أبو عبيد: ونحن أيضًا نقول آمين، قال: فدخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة بين يديه خالد بن عرفطة، ومعه رجل يقال له: حبيب بن حمار يحمل رايته حتى دخل الكوفة وصار إلى المسجد فدخله من باب الغيل واجتمع الناس إليه.

قال الشيخ أبو الفرج: ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأُتي به، قال: وكان رجلاً طويلاً يركب الفرس المشرف ورجلاه يخطان الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أني لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح، أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف، فوضع بينه وبينه ليبر في يمينه.

وروى الشيخ أبو الفرج بإسناد آخر قال: فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك قال: نعم، فأُلقي لقيس كرسي وجلس عليه، وجلس معاوية على سريره فقال له معاوية: أتبايع؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه، ولم يمدها إلى معاوية، فحنى معاوية على سريره، وأكب على قيس حتى مسح على يده، فما رفع قيس إليه يده.

وروى بإسناده أن معاوية أمر الحسن أن يخطب لَمّا سلَّم إليه الأمر، وظن أنه سَيُحصر، فقال في خطبته: إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك مَلِكٌ مَلَك مُلْكًا يُمَتَّع فيه قليلاً، ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، قال: وانصرف الحسن عليه السلام إلى المدينة فأقام بها.

وروينا بالإسناد إلى السيد الإمام المرشد بالله يحيى بن الحسين الحسني الجرجاني عليه السلام رواه بإسناده عن الشعبي قال: شهدت الحسن بن علي بالنخيلة حين صالحه معاوية فقال له معاوية: إن كان ذا فقم فتكلم، فأخبر الناس أنك قد سلَّمت هذا الأمر، وربما قال سفيان: أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي. فقام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه. قال الشعبي: وأنا أسمع، فقال: أما بعد: إن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية: إما كان حقًا لي تركته لمعاوية؛ إرادة صلاح هذه الأمة، وحقن دمائهم، أو يكون حقًا كان لامرء أحقُّ به مني ففعلت ذلك. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

وروى بالإسناد إلى ابن عون عن أنس قال - يعني ابن سيرين -: قال الحسن ابن علي عليهما السلام يوم كلم معاوية ما بين جابرس وجابُلق: رجل جده نبيٌّ غيري، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكنت أحقهم بذلك، ألا وإنا قد بايعنا معاوية، وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

ولمَّا استقر الصلح بين الحسن بن علي عليهما السلام ومعاوية على ما تقدم وأن يكون الأمر بعده للحسن عليه السلام غرة شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، لامَه جماعة من أصحابه على ذلك.

فروينا عن عمارة بن ربيعة قال: قال الحسين للحسن عليهما السلام: أجادٌ أنت فيما أرى من موادعة معاوية؟ قال: نعم.

قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاًثا، ثم قال: لو لم نكن إلا في ألف رجل لكان ينبغي لنا أن نقاتل عن حقنا حتى ندركه أو نموت وقد أعذرنا.

فقال الحسن: وكيف لنا بألف رجل مسلمين! إني أذكِّرك الله يا أخي أن تفسد عليَّ ما أريد، أو تردَّ عليَّ أمري، فوالله ما آلوك ونفسي وأمة محمد خيرًا، إنك ترى ما أقاسي من الناس، وما كان يقاسي منهم أبوك من قبلنا حتى كان يرغب إلى الله في فراقهم كل صباح ومساء، ثم قد ترى ما صنعوا بي، فبهؤلاء ترجو أن ندرك حقنا! أنا اليوم يا أخي في سعة وعذر حيث قبض نبينا، قال: فكف الحسين وسكت.

وروينا بالإسناد عن سفيان بن الليل قال: دخلت على الحسن بن علي فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المسلمين، أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حين سلَّمت الأمر إلى معاوية اللعين ابن اللعين، ابن آكالة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموتون دونك، فقال: يا سفيان بن الليل، إني سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((يلي هذه الأمة أو أمتي رجل واسع البلعوم، رحب الضرس، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه))، ثم قال: ما جاء بك يا سفيان؟ قال: حبكم أهل البيت، قال: إذًا والله تكون معنا هكذا وألصق بين أصبعيه السبابتين.

وروينا بالإسناد عن القاسم بن المفضل، قال حدثنا يوسف بن مازن الراسي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي عليهما السلام قال: سوَّدْت وجوه المؤمنين، وفعلت وفعلت، دخلتَ مع معاوية، قال: لا تؤذني يرحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى بني أمية يصعدون على منبره رجلاً رجلاً فساءه ذلك، فأنزل الله عزو جل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1 - 3] يملكها بنو أمية، قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولاينقص!.

وروى السيد أبو طالب عليه السلام بإسناده: أن مدة خلافته عليه السلام كانت خمسة أشهر وأيامًا، وهذا إنما حكاه على أنَّ اعتزاله كان في غرة شهر ربيع الأول، قال: وروي أن اعتزاله كان في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين. فعلى هذا القول تكون مدة الخلافة ستة أشهر وأيامًا.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة