كان عليه السلام قد نشأ على طريقة تحكي في شرفها جوهره، وتحاكي بفضلها عنصره، وكان قد قرأ على السيد أبي العباس الحسني عليه السلام فقه العترة عليهم السلام حتى لجَّ في غماره ووصل قعر بحاره، وقرأ في الكلام على الشيخ أبي عبد الله البصري فاحتوى على فرائده، وأحاط معرفة بجليه وغرائبه، وكذلك قرأ عليه في أصول الفقه أيضاً، ولقي غيرهم من الشيوخ، وأخذ عنهم حتى أضحى في فنون العلم بحراً يتغطمط تياره، ويتلاطم زخاره، وله التصانيف المرموقة والكتب الموموقة في الأصول والفروع. وله في أصول الدين المبادئ، وزيادات شرح الأصول علقه عنه بعضهم، وفيه علم حسن يشهد له بالبلوغ إلى أعلى منزلة في الكلام. وله كتاب الدعامة في الإمامة وهو من عجائب الكتب، وأودعه من الغرائب المستنبطات، والأدلة القاطعة، والأجوبة عن شبهات المخالفين النافعة، ما يقضي بأنه السابق في هذا الميدان، والمجلي منه في حلبة الرهان، وهو مجلد فيه من أنواع علوم الإمامة ما يكفي ويشفي.
وله في أصول الفقه جوامع الأدلة من الكتب المتوسطة، وله المجزي في أصول الفقه مجلدان، وفيه من التفصيل البليغ والعلم الواسع ما لا يكاد يوجد مثله في كتاب من كتب هذا الفن. وله في فقه الهادي عليه السلام التحرير وشرحه مجلدات عدة تبلغ ستة عشر كتاباً مجلداً، وفيها من حسن الإيراد والإصدار ما يشهد له بالتبريز على النظار؛ فإنه بالغ في نصرة مذهب الهادي عليه السلام بكل وجه، وأودعه من أنواع الأدلة والتعليلات ما لا يوجد في كتاب، وفيه فقهٌ جمٌّ وعلمٌ غزير، وكذلك فإنه أودع فيه من مذاهب الفقهاء ما يكثر، وذكر المهم مما يتعلقون به، ورجح مذهب الهادي عليه السلام فيه حتى ظهر ترجيحه، وتوهَّجت مصابيحه، وذكى لكل مشتاق ريحه.
قال الحاكم الإمام رضي الله عنه: وكلامه عليه السلام عليه مسحةٌ من العلم الإلهي وجذوةٌ من الكلام النبوي. وله عليه السلام في الأخبار الأمالي المعروفة بأمالي السيد أبي طالب عليه السلام، جمع فيها من غرائب الأحاديث ونفائسها، ومحاسن الحكايات وملح الروايات ما يفوق ويروق.
وكان عليه السلام في الورع والزهادة والفضل والعبادة على أبلغ الوجوه وأحسنها. قال الشيخ الإمام الحاكم أبو سعيد رضوان الله عليه: وكان شيخنا أبو الحسن علي بن عبد الله اختلف إليه مدة بجرجان، والسيد أبو القاسم الحسني تخرج في مجلسه؛ فيحكيان عن علمه وورعه واجتهاده وعبادته وخصاله الحميدة وسيرته المرضية شيئًا عجيبًا يليق بمثل ذلك الصدر، وكان الصاحب الكافي يقول: ليس تحت الفرقدين مثل الأخوين، يعني السيدين المؤيد بالله وأبا طالب عليهما السلام.
ومن شعره قوله عليه السلام في مرثية في غلام له:
