هو: أبو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
صفته (ع)
نسب تعنق له الأنوار، وتغض من شعاعها الشموس والأقمار، ينتهي إلى جوهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم جواهره، ونمت إلى عنصره الكريم عناصره، وهذا هو الفضل الرائق، والحسب الفائق، كما قال الشريف أبو علي إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - الكوفي الشاعر مفتخراً بآبائه عليهم السلام من قصيدة:
إن قومي لقادة الناس بالسيـ .... ـف إلى ما أتى به جبريلُ
والنبي الهادي وسبطاه منا ....... وعليّ وجعفر وعقيلُ
والأولى في حجورهم رضع الديـ .... ـن وفي دورهم أتى التنزيلُ
ابن من لا يعطي القياد إذا قلـ ..... ـتُ أبي حيدر وأمي البتولُ
وكل آبائه عليهم السلام أقمار هدى، وبدور دجى، وبحور جود زاخرة، وسحائب علم ماطرة، وجبال حلم راسية، وكواكب شرف سامية، ويكفيك من شرفهم وجوب الصلاة عليهم في الصلوات التي هي من شرائف العبادات، وأفضل القربات.
وأمه عليه السلام: أم الحسن بنت علي بن عبدالله الحسيني العقيقي ذكره الشريف السيد أبو الغنائم. وكانت ولادته عليه السلام بآمل طبرستان في الكُلاذجة المنسوبة إليهم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)
كان عليه السلام مذ نشأ على السداد، وأحوال الآباء الكرام والأجداد، وتأدب في عنفوان صباه حتى برع فيه، واختلف إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم.
وكان وحيد عصره وفريد دهره، والحافظ لعلوم العترة عليهم السلام، والناصر لفقه الذرية الكرام، فأخذ عنه مذهب الزيدية، وقرأ عليه الكلام على طريقة البغدادية.
وكان قدس الله روحه في الأصل إماميًّا فوضح له الحق، فانقاد له أحسن انقياد.
واختلف أيضاً إلى أبي الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس، وقرأ عليه فقه الزيدية والحنفية، وروى عنه الحديث عن الناصر للحق عليه السلام. وكان أبو الحسين هذا من أجل أهل طبرستان رئاسة وسيراً وفضلاً وعلماً.
قال مصنف سيرته: وكان عليه السلام في الورع والتقشف والاحتياط والتقزز إلى حد تقصر العبارة دونه، والفهم عن الإحاطة به، وتصوف في عنفوان شبابه حتى بلغ في علومهم مبلغاً منيعاً، وحل في التصوف والزهد محلاً رفيعاً، وصنف سياسة المريدين.
وكان عليه السلام يحمل السمك من السوق إلى داره، وكانت الشيعة يتشبثون به ويتبركون بحمله فلا يمكن أحداً من حمله، ويقول: أنا أحمله قسراً للهوى، وتركاً للتكبر لا لإعواز من يحمله.
وكان قدس الله روحه يجالس الفقراء وأهل المسكنة، ويكاثر أهل الستر والعفة ويميل إليهم، ويلبس الوسط من الثياب القصيرة إلى نصف الساقين قصيرة الكمين، وكان يرقع بيده قميصه، ويشتمل بإزار إلى أن يفرغ من إصلاحه، وكان يلبس قلنسوة من صوف أحمر مبطنة يحشوها بقطن ويتعمم فوقها بعمامة صغيرة متوسطة، وكان يلبس جورباً يخيطه من الخرق ثم يلبس البطيط، وكان لا يتقوت ولا يطعم عياله إلا من ماله، وكان يرد الهدايا والوصايا إلى بيت المال، وكان يكثر ذكر الصالحين، وإذا خلى بنفسه يتلو القرآن بصوت شجي حزين، وكان غزير الدمع كثير البكاء، دائم الفكر، يتأوه في أثنائه، وربما تبسم أو كشر عن أسنانه، قال القاضي يوسف: صحبته ست عشرة سنة فلم أره مستغرباً في الضحك، وكان لا يفطر في شهر رمضان حتى يفرغ من العشاء الآخرة، وكان يداوم على الصلاة بين العشاءين، ويطعم في شهر رمضان كثيراً من المسلمين، وكان يمسك بيت المال بيده ويحفظه بنفسه ولا يثق فيه بأحد ويفرق على الجند بيده، ويوقع الخطوط بيده.
وحكي: أنه رضي الله عنه اشتهى يوماً من الأيام لحم حوت، فبعث الوكيل إلى السمّاكين فلم يجد فيها إلا حوتاً لم يقطع، وقالوا: لا نريد أن نقطعه اليوم، فعاد إليه وأخبره بامتناعهم من قطعه، فوجهه ثانياً، فقال: مُرْهم عني بقطعه، فأبوا قطعَه، فلما عاد إليه حمد الله على أن رعيته لا تحذر جنبته، وأنه عندهم ورعاياه سواء.
وكان قدس الله روحه كثير الحلم عظيم الصفح، يُحكى أنه دخل المتوضأ ليجدد الطهارة فرأى فيه رجلاً متغير اللون يرتعد فزعاً، فقال له: ما دهاك؟ قال: إني بعثت لقتلك، قال: وما الذي وعدوك عليه؟ قال: بقرة، قال: ما لنا بقرة وأدخل يده في جيبه وناوله خمسة دنانير، وقال: اشتر بها بقرة، ولا تعد إلى مثل ذلك.
وحكي أنه كان قدس الله روحه يسير في طريق كلار، فطلب ممطراً له من بندار صاحبه، فقال: هو على بغل لبيت المال، فأنكر عليه، وقال: متى عهدتني أستجيز حمل ملبوسي على دواب بيت المال، فأمر بإخراجه وتوفير الكراء من ماله.
وكان يصرف عليه السلام من خاص ماله إلى بيت المال ما يكون عوضاً عما يرسله الكتاب في أول الكتب، ويفرجه بين السطور في الكتاب.
وحكي أن شيئاً من المقشر حُمل إلى داره لصرفه في مصالح المسلمين، فالتقط منه حبات بعض الدجاج التي تُقتنى لأكله خاصة، فغرم من ماله أضعاف ذلك، وقيل: إنه صرف الدجاج إلى بيت المال. وروي أن ولده الأمير أبا القاسم شكى إليه ضيق يده وقلة نصيبه من بيت المال، واستأذنه في الانصراف فأطلق له ذلك، فقال له أصحابه: إن أبا القاسم فارس فارهٌ لا غنى عن مثله فلو أطلق له ما يكفيه، فقال: إني أدر عليه نصيبه ولا يمكن الزيادة عليه، فإن الله سبحانه أمرنا بالتسوية بين الأولاد والأجانب.
وكان له صديق يتحفه كل سنة بعدد من الرمان، فلما كان في بعض السنين زاد على رسمه وعادته، فسأله عن ذلك؟ فقال: لأن الله سبحانه زاد في رماننا فزدنا في رسمك، فلما أراد الخروج شكى عن بعض الناس، فقال: ردوا عليه رمانه كله، وأمر بإزالة شكايته ودفع الأذى عنه، إلى غير ذلك من الحكايات الجمة في ورعه وزهده وتقشفه.
وكان عليه السلام في العلم بحراً يقذف بالدرر، وجَوْنا يهطل بالدرر، لم يبق فن إلا وقد بلغ فيه الغاية وأدرك النهاية.
قال مصنف سيرته قدس الله روحه: كان عارفاً باللغة والنحو متمكنا من التصرف في منظومها ومنثورها. وكان يعرف العروض والقوافي ونقد الشعر، وكان فقيها بارعاً متقدماً فيه مناظراً، وكان متقدماً في علم الكلام وأصول الفقه حتى لا يعلم أنه في أي العلوم الثلاثة كان أقدم وأرجح، ولم يبلغ النهاية في العلوم الثلاثة غيره، وإنما تقدم في علم أو علمين، وكان قد قرأ على الشيخ المرشد أبي عبد الله البصري، ولقي جميع علماء عصره واقتبس منهم وعلق زيادات الشرح بأصفهان عن قاضي القضاة بقراءة غيره.
وحكي عن الشيخ أبي رشيد أنه قال: لم أر السيد أبا الحسين منقطعاً قط مع طول مشاهدتي له في مجلس الصاحب، وكان لا يُغلب إن لم يَغلب، وكانا يستويان إن لم يظهر له الرجحان، وذكر بعض من صنف في أخباره أن الصاحب الكافي قال ذات ليلة للحاضرين: ليذكر كل واحد منكم أمنيته، فذكروا، فقال: أما أنا فأتمنى أن يكون السيد أبو الحسين حاضراً، وأنا أسأله عن المشكلات وهو يبينها لي بألفاظه الفصيحة وعباراته المليحة، وكان فارقه إلى أرض الديلم.
ويحكى أن يهودياً متقدماً في المناظرة والمجادلة قدم على الصاحب، فاتفق أنه حضر مجلس الصاحب فكلم اليهودي في النبوءات حتى أعجزه وأفحمه، فلما قام من المجلس ليخرج، قال له الصاحب: أيها السيد أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب.
وحكي عنه قدس الله روحه أنه قال: عزمت على أن أسافر إلى الأهواز للقاء قاضي القضاة أبي أحمد بن أبي علان وسماع مختصر الكرخي عنه، فأنهيت إلى الصاحب ما وقع في قلبي، فكتب كتاباً بخط يده وأطنب في وصفي ورفع عن قدري، حتى كنت أستحيي من إيصال ذلك الكتاب، فأوصلت الكتاب إلى قاضي القضاة، فقال: مرحباً بالشريف، فإذا شاء افتتح المختصر ولم يزد على ذلك، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد، ولا أزارني أحداً من أصحابه، فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصاحب أنه صدر عن عناية صادقة لا عن حقيقة، فقعدت عنه حتى كان يوم الجمعة حضرت الجامع بعد الظهر ومجلسه غاص بكبار العلماء فقد كان الرجل مقصوداً من الآفاق، فسئل القاضي أبو أحمد مسألة كلامية وكان لقي أبا هاشم، فقلت: لما توسط في الكلام إن لي في هذا الوادي مسلكاً، فقال: تكلم، فأخذت في الكلام وحققت عليه المطالبات، ثم أوردت أسئلة عرقت فيها جبينه، فامتدت الأعين نحوي، فقلت بعد أن ظهرت المسألة عليه: يقف على فضلي القاضي.
وسئل شيخ إلى جنبه عن مسألة في أصول الفقه، فلما أنهى السائل ما عنده قلت: إن لي في هذا الجو متنفساً، فقال القاضي: والأصول أيضا؟! فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ فظهر ضعفه فسامحته.
وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه، فقلت: إن لي في هذا القطيع شاة، فقالوا: والفقه أيضا؟ فأوفيت الكلام في تلك المسألة أيضاً حتى تعجب الفقهاء من تحقيقي وتدقيقي، فلما ظهرت المسألة كان المجلس قد انتهى، فقام القاضي من صدره وجاء إلى جنبي، فقال: أيها السيد، نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا فإذا الصدر حيث جلست، فجئناك نعتذر إليك من تقصيرنا في بابك، فقلت: لا عذر للقاضي مع استخفافه بي مع شهادة الصاحب بخطه، فقال: صدقت لا عذر لي، ثم عادني من الغد في داري مع جميع أصحابه وبالغ في التواضع، فحضرته فقرأت عليه الأخبار المودعة في المختصر فسمعتها بقراءته وأمدني بأموال من عنده فرددتها، ولم أقبل شيئا منها وقلت: ما جئتك عافيا مستمنحاً، فقد كان حضرة الصاحب أوفى حالاً وأسهل منالاً، ولم يكن هناك تقصير في لفظ ولا تفريط في لحظ، ففارقته فشيعني مع أصحابه مسافة بعيدة وتأسفوا على مفارقتي.
وله عليه السلام التصانيف المعجبة فمنها في الأصول: كتاب النبوءات، وهو يدل على غزارة علمه في الأصول، ثم في الأدب فإنه بين المعارضات التي عورض بها القرآن الكريم، وكشف عن إدحاضها وأبان غوارها بكل وجه، وسلك في ذلك من طريقة علم الأدب ما يدل على علو منزلته وارتفاع درجته. وله في الأصول: التبصرة كتاب لطيف.
وله في فقه الهادي عليه السلام: كتاب التجريد وشرحه أربعة مجلدات استوفى فيها الأدلة من الأثر والنظر، وأحسن فيها كل الإحسان. وله أيضا: البلغة في فقه الهادي. وله في فقه نفسه: الإفادة مجلد، والزيادات مجلد علق ذلك أصحابه عنه، وفيه كل مسألة عجيبة وفتوى غريبة، ولهذين الكتابين شروح وتعاليق عدة، ومهما طلبت الغرائب فإنها توجد في فقهه عليه السلام منصوصة.
ولقد حكى بعض أصحابنا الواصلين من ناحية العراق وهو الفقيه الفاضل الحسن بن علي بن الحسن الديلمي اللنجائي رضي الله عنه أنه بات ليلة من الليالي ومعه رجل من الصالحين، فبات ذلك الرجل يعبد الله عز وجل، والسيد المؤيد بالله بالقرب منه فلما طلع الفجر قام المؤيد لصلاته، فقال له ذلك الرجل: أيها السيد أتصلي بغير وضوء؟ فقال: لم أنم في هذه الليلة شيئاً، وقد استنبطت سبعين مسألة.
ولقد كان علماء عصره يعجبون من تحقيقه وشدة تدقيقه، ولا عجب من أمر الله يؤتي فضله من يشاء، ولذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المزية على من عداهم والفضل على من سواهم.
ولقد سمعت شيخنا العالم الفاضل محيي الدين محمد بن أحمد بن الوليد القرشي الصنعاني رضي الله عنه يحكي: أن السيد المؤيد بالله قدس الله روحه لما توفي وأقبل الناس إلى أخيه السيد أبي طالب عليه السلام يسألونه، فقال له قائل: أين كان هذا العلم في حياة السيد أبي الحسين؟ فقال: أو كان يحسن بي أن أتكلم والسيد أبو الحسين في الحياة؟ مع أن علم السيد أبي طالب غزير وفهمه جم كثير على ما يحكى ذلك.
وروينا أنه قيل لأخيه السيد أبي طالب عليه السلام: أتقول بإمامة أخيك؟ فقال: إن قلنا بإمامة زيد بن علي؛ فما المانع من القول بإمامة أخي! فانظر كيف شبهه عليه السلام بأعلى الأئمة قدراً وأغزرهم علماً؛ لأنا قد بينا أنه أقام خمسة أشهر يفسر سورة الحمد والبقرة وذكرنا غير ذلك مما يكثر.
قال مصنف سيرته [٧]: وسمعت الشيخ أبا الفضل بن شروين رحمه الله يقول: دع أئمة زماننا إنما الشك في الأئمة المتقدمين من أهل البيت وغيرهم، هل كانوا مثل هذا السيد في التحقيق في العلوم كلها أم لا؟ قال: وسمعت القاضي أبا الحسن الرفاء يقول: ليس اليوم في الدنيا أشد تحقيقاً في الفقه من السيد أبي الحسين الهاروني.
وحكي أن المؤيد سئل عن الطلاق الثلاث بلفظة واحدة في مجلس الصاحب، فكلمه القاضي أبو القاسم بن كج، وكان إمام أصحاب الشافعي، وآل الكلام إلى جميع من حضر من الفقهاء فانقطعوا في يده، فقال الصاحب يقال: لا علم لطائفة فيهم هذا الأسد يعني: المؤيد بالله.
وحكي أنه ورد عليه من كلار مسائل صعبة على أصول الهادي، فأجاب عنها وهذه المسائل موجودة، فقال الصاحب: لست أتعجب من هذا الشريف كيف أتى بهذا السحر، وإنما أتعجب من رجل بكلار كيف اهتدى إلى مثل هذه الأسئلة.
وكان له عليه السلام أصحاب فضلاء نجباء من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، فمنهم: السيد الفاضل العالم الموفق بالله أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الحسني الجرجاني عليه السلام وهو ممن له التصانيف الفائقة الرائقة في علم الكلام وغيره، والقاضي أبو الفضل زيد بن علي الزيدي، وكان من بيت العلم والرئاسة، ومنهم أبو منصور بن شيبة الفرزاذي.
والشريف ما نكديم أبو الحسين أحمد بن أبي هاشم محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد الأعرابي بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام الخارج بعده بلنجا سنة سبع عشرة وأربعمائة، والشريف أبو القاسم بن زيد بن صالح الزيدي، والشريف محمد بن زيد الجعفري، ومن أصحابه في الزهد والعبادة الشريف أبو جعفر الزيدي، وكان قد استدعاه غير مرة ليستخلفه فأبى، ولم يجبه لاشتغاله بنفسه وإقباله على زهده، ومن أصحابه الفقيه أبو القاسم بن تال، وهو الذي هذب مذهبه وهو الذي جمع الإفادة والزيادات، ومنهم: أبو بكر الموحدي القاضي، قرأ عليه فقه الزيدية، ومنهم: القاضي يوسف الخطيب وأبو الحسين الآبسكوني، ومن أصحابه ومبايعيه: أبو علي بن الناصر خلفه بجيلان، وعاد إلى آمل بالآخرة وقالوا: لا تحسبوا أني فارقت المؤيد بالله من غير إذنه، لا والله لم أخرج من عنده إلا بإذنه، وأنا أقول بإمامته ولا أعرف في هذا الزمان رجلاً أفضل منه، ومنهم: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سياه سيربنجان.
وفي الحكاية أنه عليه السلام كان في بعض الليالي يطالع مسألة مع الملحدة الدهرية، فاشتبه عليه جواب مسألة فأمر باتخاذ مشعلة وقصد باب قاضي القضاة بعد قطع من الليل وهدوء الناس والأصوات، فأخبر قاضي القضاة بحضوره، فاشتغل خاطره وهيأ مكانا وجلس فيه حتى إذا دخل عليه وجاراه في تلك المسألة وانفتح له جوابها واتضح لديه ما كان منها، قال له قاضي القضاة: هلا أخرت إلى الغد وتغيبت في هذا الوقت؟ فقال المؤيد مغضباً من كلامه متعجبًا: ما هذا بكلام مثلك، أيجوز لي أن أبيت وقد أشكلت علي مسألة، ويمكنني أن أجتهد في حلها؟ فاعتذر إليه قاضي القضاة، وقال: إنما ذكرت هذا الكلام على الرسم الجاري من الناس وطيب قلبه وعاد إلى منزله.
وحكي أنه وقع بينه وبين قاضي القضاة وحشة واستزاره بسبب مسألة الإمامة، فتقاعد عن لقائه حدود شهر حتى ركب إليه قاضي القضاة، وقال له: قد بلغك حديث جدك الحسن بن علي وأخيه الحسين، وقول الحسين: لولا أن الله فضلك في السن علي حتى أن يكون السبق لك إلى كل مكرمة لسبقتك إلى فضل الاعتذار، فإذا قرأت كتابي هذا فاسبق إلى ما كتب الله لك من حق السبق والبس نعلك وقدم في العذر والصلح فضلك. فقال المؤيد بالله: قد أطاع قاضي القضاة أيضاً فضل سهمه وعلمه، وعمل بمقتضى ما زاده الله من سهمه، واعتنقا، وطالت الخلوة والسلوة بينهما، وكان الصاحب يقول: الناس يتشرفون بالعلم والشرف، والعلم والشرف يتشرف بقاضي القضاة، والشرف ازداد شرفاً بالشريف أبي الحسين.
وكان الصاحب يعظمه كل الإعظام، وكانت يمينه للسيد المؤيد بالله، ويساره لقاضي القضاة، وكان لا يرفع فوق المؤيد بالله أحداً إلى أن قدم العلوي رسولاً من خراسان، وكان محتشماً عند السلطان ملك الترك الخاقان الأكبر مبجلاً عنده، حتى إن الصاحب استقبله فلما دخل عليه أجلسه عن يمينه، فلما دخل المؤيد بالله رآه على مكانه فتحير، فأشار إليه الصاحب أن يرتفع إلى السرير الذي استند إليه الصاحب، فصعد المؤيد بالله إلى السرير وجلس في الدست الذي عليه.
وكان عليه السلام يزور الصالحين، فبلغه عن رجل صلاحاً في بعض قرى ديلمان، فمضى لزيارته في جماعة من أصحابه، فلقيه الرجل خارج موضعه وكان لا فراش له إلا ما نسجه من أغصان الشجر، ولا يتوسد إلا آجرتين عملهما، فقال له: ما لنا فراش ولا مكان تجلسون فيه، فقال عليه السلام: لو كان لك فراش أو حالة لما زرناك، فالملوك كثير وأهل الحالات فلسنا نزورهم ولا نراهم أهلاً لذلك.
وكانت له عليه السلام كرامات تشهد له بالفضل، فمنها: أنه كان في اليوم الذي أسر فيه قدس الله روحه قصده رجل من الجيل ولطمه، فدعا عليه وسأل ربه أن يسلط الأكلة على يديه، فعن قريب اسودت يداه ووقعت فيهما الآكلة حتى ذهبتا.
قال مصنف سيرته قدس الله روحه [٨-٩]: وسمعت جماعة تحكي أن بندار وزير الكيا أبي الفضل الثائر في الله لما أخبر أنه احترقت داره بهوسم في الفتنة التي كانت بها بسبب إحراق مشهد الناصر بآمل قال: إن هذا العاصي الكاذب خرب داري يعني بذلك المؤيد بالله، فأنهي ذلك إلى المؤيد بالله فلم يسمع، فشهد بذلك جماعة فقال عند ذلك: اللهم خذه مفاجأة، ولا ترزقه الشهادة عند موته، فعن قريب مات بغتة مفاجأة، بحيث كان جالساً فاستلقى على قفاه فإذا هو ميت من غير وصية ولا توبة.
وروي عن السيد أبي الحسين زيد بن الحسين الأشتري الجرجاني: أن عياضاً الثعلبي حضر مجلساً بجرجان جرى فيه ذكر المؤيد بالله، وذكر بعضهم أن الله سبحانه يعينه على الحق وينصره، فقال العياض الثعلبي: برئت من إله يعينه، وقال عقيب هذا القول: أوجعني بطني، وتعلق ببطنه وعاد إلى داره ومات في تلك الليلة.
قال: وسمعت هذا السيد يقول: إن أبا عمرو الفقيه القصار الجرجاني حضر مجلساً بجرجان في أيام الأمير فلك المعالي، فذكر بعضهم أن السيد أبا الحسين الهاروني إنما يطلب بما يفعل الدنيا وليس يعمل لله سبحانه، فقال أبو عمرو: كذلك أبوه علي بن أبي طالب كان يحارب معاوية وعائشة للدنيا لا للآخرة، وفارق ذلك المجلس وعاد إلى داره، ففلج في الوقت وما برز من داره بعد ذلك ومات من تلك العلة.
وكان عليه السلام في الشجاعة وثبات القلب بالمحل العالي، فإن في الحكاية أن شوزيل لما أسره عليه السلام اجتمع المسلمون عنده، وسألوه أن يفرج عنه فأخرج جوشناً، وقال: احصوا المواضع التي أصابها المزراق من هذا الجوشن، فبلغ نيفاً وثلاثين موضعاً فقال: من يثبت في المعركة هذا الثبات كيف يفرج عنه ويخلى سبيله!؟
وروي أن بعضهم قال: سمعت شير أسفار يقول: لولا وقوف المؤيد بالله يوم حرب آمل مع خمسين رجلاً من الثابتين لم يخلص منا إلا اليسير، وكان شير أسفار يعده المؤيد بالله لخمسمائة رجل. ومن شعره قوله عليه السلام:
تهذِّب أخلاق الرجال حوادث ..... كما أن عين السبك يخلصه السبكُ
وما أنا بالواني إذا الدهر أمني ..... ومن ذا من الأيام ويحك ينفكُّ
بلاني حينا بعد حين بلوتُه ..... فلم أُلفَ رعديداً ينهنهه السَّهكُ
وحنكني كيما يقود أزمّتي ..... فطحطحته حنكاً وما عقَّني الحنك
ليعلم هذا الدهر في كل حالة ..... بأني فتى المضمار أصبح يحتكُّ
نماني آباء كرام أعزة ..... مراتبها أنى يحيط بها الدركُ
فما مُدرك تالله يبلغ شأوهم ...... وإن يك سباقاً فغايته التركُ
فلا برقهم يا صاح إن شِمتَ خُلَّبٌ ..... ولا رفدهم وكس ولا وعدهم إفكُ
بهم زهت الأعراب في كل مشهد ..... سكونٌ ولخمٌ ثم كندة أو عكُّ
وقال عليه السلام يمدح الصاحب الكافي:


ولما قال أحمد بن محمد الهاشمي المعروف بابن سكرة:
إن الخلافة مذ كانت ومذ بدأت ..... معقودة بفتىً من آل عباس
إذا انقضى عُمر هذا قام ذا خلفاً .... ما لاحت الشمس وامتدت على الناسِ
فقل لمن يرتجيها غيرهم سفهاً .... لو شئت روّحت كربَ الظنِّ باليأسِ
فأجابه السيد المؤيد بالله قدس الله روحه في حال حداثته:
قل لابن سُكَّرةٍ يانغل عباس .... أضحت خلافتكم منكوسة الراس
أما المطيع فلا تُخشى بوادره .... يعيش ما عاش في ذل وإتعاس
فالحمد لله ربي لا شريك له .... خص ابن داعي بتاج العزّ في الناس
ذكر بيعته ونبذ من سيرته (ع)
كان له عليه السلام خرجات أحدها: في أيام الصاحب في سنة ثمانين وثلاثمائة، وبين الخرجة الأولى والخرجة الثانية سنون وفترات، وتابعه الجيل والديلم وعارضه الناصر أبو الفضل، ومال إليه ناصرية الجيل لكونه من أولاد الناصر عليه السلام، وإن كان لا يداني المؤيد بالله، ولما خرج عليه السلام ووافى جيلان، ونزل قرية من قراها يقال لها: جومة في حدود جيلان وبقي أياماً واجتمع إليه نحو سبعين رجلاً ثم خرج نحو هوسم وانتهى بعد ذلك إلى قرية تدعى كذكاهان، فدخل عليه من الغد المسمى جوي الديلمي مع زهاء سبعمائة رجل فقوي بهم، وانتقل إلى كذه قرية بقرب هوسم وأقام بها حدود سبعة أيام، وكانوا لا ينزلون على أحد إلا بإذن وطيبة نفس منه، ولا يتناولون من ثمار أحد إلا بإذن مالكه.
فلما كان يوم من الأيام لم يبرز للناس إلا وقت الظهيرة، وكان يكتب وصاياه في كتاب وصيته، ثم برز إلى الناس وخرج نحو هوسم بعسكره، فما شعر شوزيل إلا بعد مجاوزته كساك جان فاستقبله شوزيل بعساكره، وأخذوا في الحرب وانفرجوا، وقد غلبهم المؤيد بالله وقهرهم وانهزم شوزيل إلى جيلان، واستولى المؤيد بالله على هوسم وبقي بها سنة واحدة، ثم قصده شوزيل من جيلان وحاربه بباب هوسم، وانحاز عسكر المؤيد بالله وقتل منهم ثمانون مسلماً، لا يرى التولي من العدو مع عدة من الفساق، وأسر المؤيد بالله وحمله إلى قرية في داخل جيلان تدعى كيجلوم، فبقي في حبسه أياماً والمسلمون يسألونه إطلاقه، فيأبى وقال: إنه قتل خازني وضاع بسبب تلفه خمسة وعشرون ألف درهم، حتى جاء المسمى دانكين التجني وضمن هذا المال فخلى سبيله وأفرج عنه وأطلقه، ورجع المؤيد بالله إلى برفجان وأقام بها، وأدى دانكين من مال الضمان عشرين ألف درهم وأدى المؤيد بالله ثلاثة آلاف درهم وترك شوزيل ألفين، ثم عاد المؤيد بالله إلى الري، ثم امتد إلى آمل وأقام حتى وردت عليه الأعلام من وجوه الجيل والديلم ببذل ال نصرة له بأموالهم وأنفسهم، فتقدم عليه السلام حتى دخل برفجان، فسارع الناس إلى إجابته ولم يتخلف عنه من له خطر، فانبعث عليه السلام نحو هوسم وأبو زيد الثائري أمير عليها وشوزيل كان بطبرستان، وبلغت عدة عسكره عليه السلام سبعة آلاف رجل، فلما أحس أبو زيد الثائري بإقبال المؤيد ترك هوسم وانزوى إلى موضع يقال له: كلوا فتبعه المؤيد بالله فحاربه وهزمه من هناك، فمضى أبو زيد إلى ملك الديلم، وقتل من عسكره مقتلة عظيمة، وأخذ من أسلحتهم إلى حدود ثلاثة آلاف ترس، ثم رجع المؤيد بالله عليه السلام إلى هوسم وأقام بها سنتين، ثم عاد الأمير أبو زيد من ديلمان وأظهر التوبة والنسك، ثم تساير القوم إلى الأمير أبي زيد وقالوا له: إن أبا الحسين الهاروني ليس بناصري، وإنه قاصر اليد عن عطائنا، وحملوه على مخالفته واجتمعوا حتى أحوج المؤيد بالله إلى مفارقة هوسم والرجوع إلى جيلان فلما قدم جيلان، أقبل إليه شير أسفار بخيله ورجاله وعاونه ورده إلى هوسم، فبقي فيها مقدار شهرين، ثم تقوى الأمير أبو زيد الثائري وآل الأمر إلى أن التجأ المؤيد إلى جيلان وأقام ببرفجان عند المكنى بأبي شجاع، ثم أنفق أبو زيد الأموال الجمة على أهل جيلان حتى اغتر بماله شير أسفار وخالف المؤيد بالله، وخالفه القوم أجمع حتى خالفه أبو شجاع أيضاً، وأخذ أربعين ألف درهم واعتذر بأنه خشي أن لا يتم أمره ويحوج إلى الهرب، ويفوتني المال، فأحوج المؤيد بالله إلى مفارقة جيلان وامتد إلى الري وأنشد:
| فررت من العُداة إلى العُدات لقد خابت ظنوني عند قوم يُهيجونَ الغواة عَليَّ هيْجًا | وكنت عَددتُهم زمُرَ الثقات يرون محاسني من سيئاتي وهم شرٌّ لديَّ من الغوات |
وبقي الأمير أبو زيد بهوسم إلى أن خرج عليه أبو الفضل الناصري وحاربه وهزمه، وأقام بهوسم أربعة أشهر، وخرج الأمير أبو زيد إلى الري وتقرب إلى المؤيد بالله وأظهر التوبة واعتذر إليه وصالحه، وواعده أنه إن عاود هوسم أعانه على محاربة صاحب طبرستان، ثم رجع الأمير أبو زيد إلى هوسم وملكها أياماً.
ثم إن أبا الفضل بن الناصر جمع عسكراً وقصد هوسم، وهزم الأمير أبو زيد والتجأ إلى جبل حصين فتبعه أبو الفضل وحاربه وقتله، ثم ملك أبو الفضل بعد ذلك هوسم أربعة أشهر، ثم إن آل الثائر بعثوا رسولاً إلى المؤيد وقالوا: إن قتل أبو زيد فنحن نعينك على مرادك فالحق بنا، فأقبل المؤيد بالله إلى ديلمان، وصالح الاسفندارية - وهم ملوك بعض جبال الديلم على أن ينهض بهم إلى قابوس، وسلمت له قلعة وارفوية وبقي على ذلك سنتين إلى أن سار نحو آمل، وصحبه الكيا أبو الفضل صاحب هوسم مع الكبار الأمراء من الجيل والديلم، وصحبه الاسفندار المكنى بأبي جعفر، وولده التابع للمؤيد المسمى: خسروشاه بن أبي جعفر صاحب الرويان، وصحبه جميع أصحاب الأطراف من ولاة الكلار والديلمان سهلها وجبلها، فدنا من أهلم، ونزل في الساحل ووطن عساكر آمل على الهزيمة، وكان الوالي بها من جهة الأمير قابوس أبو جعفر محمد بن الحسين الناصر، وكان فيها من الأمراء جفتي بن باي والعباس السالمي والإصفهبذ بن أسفاوجين في آخرين.
فخرج المؤيد بالله عليه السلام من أهلم إلى باب آمل وكان الرأي أن ينزل بباب آمل ولا يحارب مع تعب رجالته، فاستعجل وبادر المحاربة، وانهزم الأكراد والأعراب من عسكر آمل، وتفرق الجيل والديلم وأحسوا بالظفر حتى إن الشيعة استقبلوا الإمام ينثرون ويستبشرون وكانوا كالواثقين بالظفر، وكان قائد من قواد المؤيد بالله يسمى ريشكا من كبار شجعان الجيل دخل محلة تنجمادة من أول البلد، فأصاب قلنسوته وبيضته التي كانت على رأسه طرف صفائح منصوبة لكف المطر تدعى بالطبرية: كاولي، فنزلت البيضة عن رأسه فانتهز الفرصة جيلي من البغاة فرمى موضع الانكشاف بمزراق، فأصاب أصل أذنه فسقط عن دابته ورفع جثته أصحاب الناصر أبي جعفر فكفنه تكفينا حسنا ورد جثته إلى جيلان تقرباً إلى الجيل، فآل الأمر إلى أن انهزم عسكر المؤيد بالله ونقضوا أتراسهم؛ وكان السبب في ذلك على ما يقال إنه عليه السلام كان نهى عسكره أن يرموا أهل البلد وأن يضربوهم وأن يشعلوا النار في دورهم، فلما عرف أبو جعفر الناصر أنه أمن الطبرية، وعرف أن التعصب غالب عليهم، وأنهم لا يعدون كثرة، وكانوا نظاره والليكاني كله حجارة، فأقبل على العوام وقال: ألا ترون هذا العلم الأبيض الذي أقبل عليكم؟ أليس تريدون رفع دينكم؟ فمن رمى منكم بحجر فهذا ختمي له بصيانة داره عن التورد والنزول، وعرف أن هذا من أهم شيء عند الطبرية، فجعل يختم لهم على الشموع ويغويهم ويغريهم بهم، فأخذت الطبرية في الرمي وكسروا الأتراس فوقعت الهزيمة العظيمة في رجال المؤيد بالله حتى بقي وحده بلا راية ونهب بيت ماله، فقال رضي الله عنه لبعض نقبائه: ما الرأي؟ فقال النقيب: انج بنفسك، فقد هربت العساكر، فقال له: انظر في مقدمة عسكرنا، فقال: ليس هناك إلا الكيا أبي الفضل الثائر وشير أسفار فقال: لا سبيل إلى الرجوع فإن أبا الفضل معدود لخمسمائة رجل وشير أسفار كذلك، فكيف أولي وبين يدي ألف، فقال: لا رجالة معهما وهما أيضاً ينصرفان، فلما انصرف الكيا أبو الفضل، فقال له: اخرج في دعة الله لأصونك ولأصحَبُك، فقال: إذا كان هنا شير أسفار فلا يحل التولي، فعاد أيضاً شير أسفار منهزماً يقول: اخرج باكيا فمضى باكياً، يقول: أي موضع أولى بالاستشهاد من هذا الموضع؟ فلولا أني أخاف ألا أقتل على المكان، وأوسر وأحمل إلى قابوس: وهو اللعين سيء الاعتقاد فيسلك معي مسلك الانتقام فيمثل بي ويعذبني بأنواع العذاب، وإلا لم أخرج من هذا المكان، فقالا له: ولأن تعود سالماً أحب إلينا من أن تستشهد هاهنا، فركض وركضوا أفراسهم يحفظونه ويحمونه، فحصل تلك الليلة بساحل البحر على شط نهر، ولحق به جماعة من المنهزمين وقد تعبوا وجاعوا ومنهم جرحى فقال المؤيد بالله: هل فيكم من يقرضنا دينارا؟ فأقرضه رجل كان معه دينار، فبعث بعض الحاضرين إلى قرية بقُربه وقال: اطلب شيئا من الحلال تشتريه بهذا لهؤلاء الجياع، فذهب الرجل واشترى من فيشكاة القرية شاة مسلوخة وشيئاً من السمن والعسل وجملة من خبز الآرز، فأمر بتقديمها إلى الجياع، وقدم إلى نفسه رغيفاً واحداً وتناول نصفه، وقام إلى الصلاة حتى أصبح ولحق به المنهزمون أفواجاً، وقبض أبو جعفر الناصر زهاء ثلاثين رجلاً وجعلهم في أقفاص من صفائح وأصدر بهم نحو جرجان إلى قابوس فقتلوا هناك، وكان قتل ثمانية عشر رجلاً من الثابتين، فمضى أبو شجاع الفارسي البزاز والد الشيخ أبي طالب - وكان من أعيان الشيعة إلى الشيخ أبي عبد الله الخياطي واستفتاه في هؤلاء القتلى فقال: يدفنون بثيابهم فإنهم شهداء، وذلك السيد إمام الزمان بعد الناصر للحقعليه السلام.
فخرج الناصر في سنة ثلاثمائة مستوى، وهذا إنما ظهر في سنة أربعمائة مستوى وفي كل مائة عام يخرج إمام صالح لهذا الأمر من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كنت أعلم هذا لكني سألتك لرفع الخلاف وحذراً من العامة، فإنهم يقبلون منك، وخرج ودفنهم بثيابهم في طريق الليكاني، تعرف قبورهم بقبور الشهداء، استوهب تلك البقعة من صاحبها فوهبها.
ولما بلغ المؤيد بالله إلى ناحية كجوا أخذ خسروشاه بن الاسفندار في مخالفة المؤيد بالله، وأصعد رجالة إلى هضبة هناك حول الصحراء، وحصل عسكر المؤيد بالله دونهم كأنهم في حلقة وحصار وليس فيهم صاحب ترس وسلاح، ورفع القوم رايتهم وأخذوا يطلبون القتال ويظهرون العداوة، فاشتغل قلب المؤيد بالله وقال: انظروا إلى هؤلاء الظلمة وإلى أفعالهم لا يمكن السكون إليهم، ولا الاعتماد عليهم وعلى مواثيقهم، فبعثوا نحوه رسولاً وطلبوا المواثيق والرهائن على أن لا يحاربهم قط وأن يسلم قلعة وارفوية منهم، فسلم ابنه أبا القاسم منهم على أن يردوه إليه متى سلم القلعة منهم، وشرط عليهم أن لا يحبسوا عندهم غير ابنه أبي القاسم، ثم إنهم نقضوا العهد وحبسوا مع السيد أبي القاسم جماعة، فخرج المؤيد بالله مع ثقات الاسفندار ليسلم القلعة منهم، فلما بلغوا (كلار) علموا أن الديالمة لا يمكنون من تسليم القلعة منهم فانصرفوا.
فلما بلغ المؤيد بالله إلى صحراء (أيكاند) استقبله المسمى أبو حليس الحاجب من ناحية قلعة براز مع عسكر جرَّار ليقبض على المؤيد بالله من قبل الاسفندار، ولم يكن معه متسلح من جنده، فاتفق أن راية أبي سعيد النيسابوري ظهرت مع جمع كثير، فرجع أبو جعفر الحاجب على عقبه، وعجزوا عن التعرض له، فلما دخل المؤيد بالله ديلمان وعرف القوم أنه يريد تسليم القلعة استدعوا أبا القاسم إصبهبذ كلار وبايعوه على الموضع المسمى تُنْكايُشته، واستقبلوه محاربين وانهزم رجال السيد، ثم إن المؤيد بالله (أخبرهم أنه لا يريد تسليم القلعة، وأن القوم انصرفوا فأطاعوه، فلما أيس الاسفندار ولم يمكنه قتل الأمير القاسم أطلقه، فمضى إلى الري، ومن ثَم إلى جيلان، ثم عاد إلى المؤيد بالله).
وكان عاقبة أهل طبرستان بما صنعوا أنهم قحطوا في تلك السنة عقيب هذه الوقعة قحطاً عظيماً حتى صار رطل خبز بعشرة دراهم، ولولا قرب إدراك الغلة لمات أكثرهم جوعاً، ثم وقع الوباء عقيب القحط فمات خلق كثير، كل ذلك بشؤم البغي ولهم في الآخرة عذاب شديد.
فأما قابوس فإن الله قتله شر قتلة، وقُتل أبو جعفر الناصر وجفتي بن باتي والعباس السالمي والإصفهبذ بن أسفاوجين وغيرهم ممن تولى أمر تلك الحرب وسائر العسكر بادوا وهلكوا بشؤم البغي، فلما ولي منوجهر صالح المؤيد بالله على أن يؤدي إلى المؤيد بالله كل سنة ألفي دينار، وجرى على ذلك أياماً حتى ظلم إسفندار أهلَ كلار ونواحيها فقدم أهل إيواز ومن قدام شالوس على المؤيد بالله والتمسوا منه الانتهاء إليهم ليعينوه، فلم يجب واعتل بأنه لا يثق بوفائهم ولا يحصل على فائدة، وينقطع عنه مال الصلح الذي يبعثه إليه منوجهر فخرجوا، ثم عادوا ثانياً وثالثاً حتى أقبل الصيف، فقام إلى المؤيد بالله عامة أولياء الإسفندار وأكابرهم كأبي القاسم اللؤلؤي وأبي جعفر وسائر أهل كلار وسائر أهل النواحي وأكدوا الأمر، فرضي وقصد نحو كلار، فورد عليه عسكر منوجهر من طبرستان، فقال المؤيد بالله لابنه الأمير أبي القاسم: تأهب للقتال، فذهب وتأمل القوم وانصرف، وقال: لا طاقة لنا بهؤلاء القوم فإنهم كالبحر الأخضر، فجد المؤيد بالله في الأمر وقال: لا بد من القتال؛ فعاد الأمير أبو القاسم إلى موضع يدعى دشتنزير ووقع على القوم مغافصة فانهزموا وأسر جماعة من الأمراء والقواد ونخب العسكر، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنموا من أموالهم وأسلحتهم شيئا عظيماً، وجعل أصحاب المؤيد بالله يقولون: يوم بيوم، يعنون: إنا إن رجعنا في أيام قابوس من باب آمل فقد رجعتم من باب كلار على أسوء حال.
ثم إن المؤيد بالله كاتب منوجهر بعد ذلك بكتاب حسن مشحونا بحجج وآيات وأخبار وأمثال، فصالحوه على بذل ألفي دينار في كل سنة، ثم حدث من بعد فتنة طبرستان وتعصب النواصب على الأشراف والشيعة، وكان ينصر عامة أهل طبرستان ابن سيف الدينوري ويعضدهم، وكان واليا على آمل من يد منوجهر، واشتد ذلك حتى قدم الشيخ أبو القاسم البستي آمل من الري وأظهر التعصب للشيعة في مجالس التذكير، وسئل يوم الغدير عن الفضل بين علي وأبي بكر، فقال: مثل علي كمثل كوز جديد لم يمسه شيء، ومثل أبي بكر مثل كوز كان فيه خمر ودم وأنجاس وأقذار ثم غسل غسلاً نظيفاً؛ وذلك لأن عليًّا عليه السلام لم يشرك بالله طرفة عين، وأبو بكر كان مشركاً أربعين سنة، وإن برئ من الكفر وطهُر من الشرك، فغاظ النواصب هذا المثل لوقوف العامة عليه، وكان في البلد متفقه لم يكن له عند العامة سوق يكنى بأبي إسحاق الصفار، فلما بلغه هذا الحديث غدا من مسجده حافيا حاسراً يخرق بجوف البلد إلى دار العامل المعروف بابن سيف، وتبعته العوام على عادة الطبرية، وعاجوا وجلبوا على باب العامل، وتوصلوا بذلك إلى طرد الشيخ أبي القاسم البستي، فأخرجه ابن سيف قسراً بعد ثلاثة أيام وقد فتن البلد وانعقد للصفاري سوق عند العامة ودامت الفتنة في البلد، وكانوا يقصدون مشهد الناصر عليه السلام، واستعان الأشراف بجماعة من الجيل كانوا يحضرون المشهد ويذبون عنه ويحامون دونه، وقتلوا جماعة من العوام، وقتل من الجيل واحد، ودامت الفتنة واستحكمت الوحشة، ولم يتمكنوا من إحراق المشهد حتى استعان أهل البلد بمشبهة الرساتيق من ناحية إرمبراه من ناحية أهلم، وكان رئيسهم أبو القاسم دابويه، وخاف أبو أحمد الناصر - رئيس الأشراف - على ماله وداره، فراسل سكان المشهد، وأمرهم بمفارقته وتسليمه من القوم ففعلوا، فقصده القوم وأشعلوا فيه النار وأحرقوه عن آخره ونقضوا المنارة والسور، ثم قصدوا بعد ذلك دار أبي الحسن الناصر وأحرقوها، ثم هدموا مسجداً للشيعة في سكة حازم.
ثم حضر الصفاري وخرب المسجد المعروف بزيدكيا العلوي في بقعة تدعى آش ريه، واستمرت الفتنة وهاج الجيل بجيلان يهتجمون ويصولون، وامتدوا إلى باب المؤيد بالله يلزمونه التقدم إلى آمل للانتقام والانتصاف.
فأظهر المؤيد بالله الضعف والعجز عن النهوض بنفسه، وقال: لا أجد لهذا الأمر في الحال غير السيد الثائر في الله أبي الفضل صاحب هوسم، فلما أمره بذلك أبى وامتنع وتقرب إلى منوجهر وأخذ منه المال، فهاج عليه الجيل وهموا بالقبض عليه وأحرقوا داره بهوسم وألجئ إلى الهرب، فلما أيس منه، كاتب أبا جعفر الناصر المقيم بالري، وأرسل إليه أبا الحسن الآبسكني، وخاطبه بالسيد الفاضل، فلما قرأ الكتاب، قال: هذا لطفه عند الاستدعاء فكيف لطفه إذا حصلت عنده؟ وامتنع من إجابته.
وأنفق منوجهر عشرين ألف دينار بهذا السبب وأعاد عمارة المشهد، وأنفق عليه حدود ألف وسبعمائة دينار، وقبض الإسفهسلار المعروف بالحاجب الكبير أسفاوجين بن أصفهان - على المعروف بالصفاري، فأمر منوجهر وأصدره إلى أستراباذ وحبس في قلعة تكريت، وبقي فيها زهاء عشر سنين حتى هلك منوجهر، فتقرب أبو كالجار إلى الطبرية وأطلقه ورده إلى آمل وكان في الكرة الثانية شراً منه في الأولى، ولا زال يتعصب ويتعرض للأشراف والشيعة إلى أن هلك أبو كالجار، فأنهض شرف المعالي إلى آمل للسياسة للأمير ورده أنشا بن أسفرستان الزياري، فساس أهل طبرستان سياسة منكرة وقتل من المفسدين عدة وقتل الصفاري، فلما أعاد منوجهر عمارة المشهد وأرشا كبار جيلان سكنت ثائرة الجيل ولم يمكنهم قصد طبرستان، وانصرفوا من وركروذ، وكان أبو الفضل انحاز إلى كرجيان، فلما انصرف الجيل بلغه أن المؤيد بالله كان ضمن لهم ألفي دينار فلم يدفع، وقيل: بسبب أن ناصرية الجيل قالوا: إن هذا العز يعود إلى المؤيد بالله ولا يعود إلينا، فقصدهم الكيا أبو الفضل مع الكرجية وسد عليهم الطريق من كل جانب فحمل الجيل عليهم وهزموهم بإذن الله وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وخرج أبو الفضل من هناك إلى جيلان واستولى بعد ذلك على هوسم أيضاً، ولم يزل عليه السلام مشجياً للظالمين، معلناً بالدين حتى توفاه الله حميداً رشيداً فقيداً سعيداً.
ذكر أولاده ووفاته (ع)
وكانت وفاته عليه السلام في يوم عرفة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ودفن يوم الأضحى، وصلى عليه السيد مانكديم الأعرابي القزويني الخارج بعده بلنجا الملقب بعده بالمستظهر بالله، وأديمت الخِتَمُ على قبره من يوم دفنه إلى تمام شهر، وبُني عليه في لنجا ومشهده فيها مشهور مزور.
وفيه يقول القائل:
| عَرِّج على قبر بصعـ واعلَم بأن المقتدي | ـدة وابْكِ مَرْموساً بلَنجا بهما سيبلغ ما ترجّا |
وكان عمره عليه السلام تسعاً وسبعين سنة، وخلف من الأولاد: الأمير أبا القاسم وحده رضي الله عنه وكان اسمه الحسين وبه كان يكنى، وأولد الحسينُ أحمد، وأولد أحمدُ الإمام أبا طالب الأخير يحيى وعَقِبُه كثير: منهم محمد القائم في عشر السبعين وخمسمائة في بلاد العجم من جيلان.
ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام
قال قدس الله روحه في صدر كتابه المعروف بسياسة المريدين: الحمد لله الذي جعل لنا إلى سلوك مناهج الأبرار سبلاً لائحة، ونصب لنا على لزوم مدارج الأخيار أدلة واضحة، وجعل من تبتل إليه ووقف عليه مشاهداً لدواعي الحق التي ذهب عنها أكثر الخلق، واستنقذهم من أسر الحيرة، وعصمهم من بوادر الفتنة، وملكهم أزمة قلوبهم، ووقاهم شح نفوسهم، وآنسهم برياض تنزيله، وفهمهم غوامض تأويله، وجعل لهممهم مطالع في ملكوته، ولضمائرهم مراتع في عظمته وجبروته، حتى عزفت نفوسهم عن أكثر ما لهج الخلق به من الشهوات، وثبتت أقدامهم حيث دحضت أقدام كثير من ذوي الخطيئات ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].
والحمد لله الذي جعل التوبة للمذنبين المسرفين على أنفسهم وسيلة ينالون بها متى أخلصوها كل فضيلة، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ53﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ55﴾ [الزمر].
وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى نبيه داود عليه السلام أن أنذر الصديقين وبشر المذنبين، فقال: يارب، كيف أنذر الصديقين وأبشر المذنبين؟ فقال عز وجل: بشر المذنبين أني أقبل التوبة، وأنذر الصديقين لئلا يغتروا بأعمالهم، أو ما يرجع إلى هذا المعنى من اللفظ أو يقرب منه.
وصلى الله على نبيه المبعوث نبي الرحمة المبعوث إلى كافة الأمة بالرأفة والرحمة محمد وآله.
ثم قال قدس الله روحه في باب ما يستعان به على التوبة:
اعلم علمك الله الخير أن من أراد أن يحصل لنفسه منزلة التائبين، فيجب أن يملأ قلبه خوفاً وخشية؛ لأن التوبة لا تكاد تتم، وإن تمت لم تصف ولم تدم مالم يصحبها الخوف والخشية، ثم قال بعد ذلك: واعلم أن الخوف للتوبة بمنزلة الأساس للأبنية، فكما أن الأبنية إذا لم تكن بنيت على أساس متين لم تستقم ولم يطل لبثها، (كذلك التوبة إذا لم تبن على الخوف والخشية) لم تستقم ولم يطل لبثها؛ ولهذا كثير من المتكلمين بنوا أمر الخواطر التي ترد على المكلف في أول أمره على الخوف.
واعلم أن أكثر الأشياء دواعي وأقربها بواعث على الغرض المقصود في هذا الباب هو الاستكثار في ذكر الموت وإشعار النفس أسباب الفوت والأحوال التي تكون عند الموت وبعد الموت من البلاء في القبر وأحوال النشور والبعث، وأحوال أهل الجنة والنار، والاستدامة لتصورها وتمكين ذكرها من النفس، حتى ينكسر مرحها، ويخف أشرها، وتكثير إيرادها على القلب حتى يغمره وتستولي عليه.
ومن أحس من قلبه بالقساوة وقلة التنبه فليتصور أحواله عند الغرغرة والنزع عند مفارقة الروح للجسد، وكيف يبقى بين أهله طريحاً ذليلاً، وأحوال أهله وأيتامه، وكيف يبكون عليه ويندبونه، وكيف يأخذون عنه ثياب الدنيا، وكيف يطرحونه على المغتسل، وكيف يلقونه في الكفن، ويدلونه في القبر، وكيف يبلى هناك، وكيف تعيث الدواب والحيات في لحمه وجلده، ولينح على نفسه بذلك بصوت شجي في الخلوات وفي ظلام الليل، فإن العلم بهذه الأحوال علم الضرورة، والإنسان قد شاهدها كثيراً، وما يعلم ضرورة ويكون مشاهداً يكون تأثيره في النفس والقلب أقوى، فليهتم بهذا الباب اهتماماً صادقاً.
وبلغني أن نوحاً عليه السلام سمي نوحاً؛ لأنه كان ينوح على نفسه، فإذا ظهر تأثير ما قلنا في القلب والنفس وأجرى دموعه فكر حينئذ في أحوال البعث والنشور، والجنة والنار التي طرق العلم بها اكتساب، فإنه ينتفع بذلك إن شاء الله تعالى نفعًا بيِّنًا.
وقال قدس الله روحه في هذا الكتاب من باب الإرادة: اعلم أن الإرادة هي طلب الانقطاع إلى الله عز وجل من كل ما سواه، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا8﴾ [المزمل]، قيل في التفسير: أخلص له إخلاصاً. وقال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ50﴾ [الذاريات].
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حاكيا عن الله تعالى: ((ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقاً، ابن آدم لا تتباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلا))
ثم قال قدس الله روحه: هذه وصية لجنيد بن محمد أثبتناها على وجهها لتعلقها بغرضنا في هذا الباب ولما فيها من عظيم النفع للمريد.
قال أبو القاسم رحمه الله: اعلم رحمك الله أن الله تعالى ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمها، فانظر أين ينزلك قلبك؟، واعلم أنه يوصل إلى القلوب من خيره ما اتصلت به القلوب من تعظيم أمره، فانظر ماذا يتصل بقلبك، واعلم أنه يقبل على القلوب حسب ما القلوب مقبلة عليه، فانظر ماذا أنت مقبل بقلبك؟،
واعلم أن الله تعالى يخلص إلى القلوب من بِرِّه على ما تخلص القلوب إليه من ذكره، فانظر ماذا خالصه قلبك؟، واعلم أن الله تعالى يعظم القلوب ويرفعها على حسب ما هي معظمة له، فانظر ماذا الذي تعظم في سرك ويعلو إليه مرادك؟، واعلم أن موانع القلوب في الابتداء ما مالت عليه من أسباب الدنيا، فاعمل على قطع الأسباب تنل بغيتك من الطلب.
واعلم أن قليل ما ينفق منها في السرائر يحول بينك وبين نفيس الذخائر، فاعمل في إخراج ما بقي منها تنل بذلك ما تطلب من خالقها.
واعلم أن القلوب إذا تجردت من الأمور الدنيوية صحت وصفت للعلوم الأخروية، فاعمل في ابتداء أمرك على إخراج ذلك من سرك، واحذر أن يبقى عليك منها شيء مستبطن أو دقيق مراد قد كمن، فيقفك ذلك ويعترض بقدره في صحة المراد، فكن على استعصاء منه، وكن فيها على أحوالك كلها زاهداً، فيصحو عند ذلك عقلك ويصفو قلبك.
واعلم أن هذا أول منزلة من منازل المريدين.
واعلم أنك إن صدقت في إرادتك له صدقك في إرادته لك.
وأعلم أن الله تعالى إذا أرادك تولاك وأغناك.
واعلم أنك إن كنت لطاعته مؤثراً كان عليك بمنافعك مقبلاً، وكذلك إذا كنت لعهده راعيا وبأمره عاملاً كان بالتأييد لك حافظاً، فمِنْ شاهِدِ ذلك في نفسك أنك إذا اعترض لك أمران ميزتهما بالعلم، فإذا كشف لك التمييز بالعلم عن أفضلهما ركبت الأفضل وعملت بالأجزل، ولم ترض في نفسك بالمفضول، فإذا كنت كذلك كنت صادقاً، وكان الله تعالى لهمك رافعاً، فإذا ارتفع همك وقوي علمك كان ذكر الله تعالى السابق إليك، والعاطف بقربه عليك، ولم تر شيئا أقرب إليك منه، ولا أقرب منك إليه، فإذا خلص لك ما وصفنا فاعتدل واستوى، لم تكن ظاعنًا إلا إليه، ولا نازلاً إلا عليه، والعلم من وراء ما أوصيتك به، فاعمل بوصيتي تنل بها من العلم من وراء ذلك.
قال قدس الله روحه: وقال بعض الحكماء: علامةُ المريد إذا صدق في عزمه رفض الدنيا إذا كانت شاغلة للقلب ومفتِّرة له عن طاعة الله تعالى، وأحواله في الزيادة على حسب الكد والاجتهاد والانكماش والمبادرة، وحمل النفس على المكاره، ومفارقة الراحة ومجانبة الرفاهية، وليصحب من يريد ما يريد لتزداد قوة إرادته، وليستوحش ممن يريد ما لا يريد، ولِيتقَوَّ على ما يريده.
ثم قال قدس الله روحه فيه: اعلم أن أصل هذا الباب وملاكه وما عليه يدور: هو مجانبة الشبهات، وترك ما أمكن تركه من المباحات، وبحسب ما يتركه العبد من المباح يكون فوزه للنجاح، وظفره بالمطلوب ونيله للمحبوب، وبحسب استيفائه وتمتعه له يفتر سيره، ويضعف عزمه وإرادته، وينشب العدو فيه أظفاره ومخالبه، فمن عزم على طلب الانقطاع إلى الله عز وجل، واستحقاق اسم المريدين، فليوطن نفسه على ترك ما أمكن تركه من المباح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، فكل ما لا يعنيك فهو من اللغو.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وأصل ترك المباح الذي لا بد للمريد منه، ولا يستقيم أمره دونه، ولا يستقيم إلا عليه ولا يملك زمام قلبه إلا به هو ملازمة الصمت ومداومة الجوع والعطش.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من عرف الله تعالى وعظمه منع الله فاه من الكلام وبطنه من الطعام وفرجه من الحرام)).
وقال قدس الله روحه: واعلم رحمك الله أن المريد ربما يعرض له فتور قوي واضطراب شديد حتى ينتشر همه بعد أن كان مجموعاً، ويشرد فكره بعد أن كان مزموماً وحتى يظن أن قلبه [كأن] قد صار أعلاه أسفله، فيضيق صدره ويكاد يفسد عليه أمره: وقد يكون ذلك لسبب ظاهر، وقد يكون من غير سبب، فلا يجب أن يرتاع عند ذلك ارتياعاً يزيد في اضطرابه، ويوهمه مفارقة حاله، بل يجب أن يفر إلى الله تعالى، ويستغيث به، ويستنزل المعونة من عنده، ويدوم على ذلك، وإن لم يجد للاستعانة الحلاوة التي كان يجدها من قبل لم ييأس من عوده إلى حالته، واستمر على البكاء والتضرع إلى الله تعالى، ومسألته كشف ما به، ويفزع إلى تنبيه القلب بقراءة القرآن بصوت شجي واستماعها من غيره.
و[لينظر] في حكايات المتقدمين ومواعظهم، ويستعين على ذلك بمذاكرة من يكون منهم في زمانه ومجالستهم، واستماع كلامهم، وتأمل أحوالهم، فإن كثر ذلك ودام حتى يغلبه الوسواس، استعمل ما ذكرناه في باب ما يستعان به على التوبة، واجتهد في تحصيل الخوف، وذكر نفسه آلاء الله ونعمائه ، فإن ذلك مما يقوي قلبه ويحبس عنه الشيطان.
واعلم أن ما كان من ذلك لغير سبب معلوم كان دفعه أسهل، وانحسامه أيسر، وعودة العبد إلى حالته الأولى أقرب، وما كان من ذلك لسبب ظاهر يعرفه المريد من نفسه، فإنه يحتاج أن يعمل في إزالة ذلك السبب ودفعه، ويستعين بالله على ذلك إنه خير معين.
ويكون بقاء هذا العارض وقوته بحسب قوة السبب الموجب له وبحسب بقائه، ومتى انحسم ذلك وجد المريد له روحاً في الحال، وانشرح صدره انشراحاً عجيباً، وعاد إلى حالته الأولى، وكان سبيل قلبه سبيل المشرفي يخرج من الصقال.
فليكن المريد متنبها عندما وصفناه وليستعمل ما ذكرنا، فإن الله تعالى بلطفه وفضله يغني من اتقاه، ولا يخيب رجاء من ارتجاه، وليكن دأبه ومعظم همه عند اعتراض هذا العارض التمسك بفعل الواجبات، والتنكب من المحظورات، وإن اختلت عليه النوافل والمجاهدة.
واعلم وفقك الله إلى الخير أن للشيطان كيدين يقطع المريد بكل واحد منهما عن سيره وقصده، ويرده عن طريقه ونهجه، ولكل واحد من الكيدين تفاصيل نحن نذكر جملها ليعرفها المريد ويحذر منها كل الحذر. فأحد الكيدين القاطعين له عن غرضه: أن يدعوه إلى القرب التي هي النوافل، وهي له في الحقيقة قواطع وشواغل، وذلك نحو أن يدعوه إلى تحصيل المال، ويوهمه أن يسد به خلة أهل الفقر والمسكنة ويعود به على الأرامل والأيتام، ويصلح الجسور والقناطير، ويبني به المساجد ويستعين به على الحج والغزو، فإذا سول له ذلك زين له الشح، وشغله بالجمع حتى يعود تاجراً إن كان من التجار، أو نائباً إن كان من أهل النيابة، أو عامل السلطان إن كان من العمال.
فإذا شغله بذلك حال بينه وبين همه وصرفه عن طريق المجاهدة، ثم يوشك أن يغلبه الهوى أو يرده على عقبيه وربما دعاه إلى الاشتغال بجمع العلوم، وأوهمه أنه يقمع به الملحدة، ويستنقذ به الضلال من الضلالة، والجهال من الجهالة، فيختلط بالعلماء والمتعلمين، وأكثرهم مائلون إلى الدنيا خاصة في زماننا هذا فيتخلق بأخلاقهم ويتحلى بحليتهم، فيدخل معهم في المنافسة وطلب الرئاسة.
وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى داود صلى الله عليه: يا داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم ان أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم، فيعادي على ذلك ويوالي، ويستعمل بذلك قلبه ويلهج فكره وينسى طريقه ويهجر ما كان آثره، فيتمكن منه الهوى والشيطان، فيدحض قدمه ويزيله عن سواء السبيل.
وربما دعاه إلى السعي في مصالح الناس والتحري لمنافعهم فيدعوه ذلك إلى مخالطة الكبراء وملازمة الرؤساء ومداخلة الملوك وحواشي الملوك حتى يجالسهم ويأنس بهم ويأنسوا به، فيفارق ما كان فيه، ويضيع ما كان يطلبه وينتخبه، ويغلب الهوى عقله، ويجد الشيطان إلى استهوائه جدداً لاحباً وطريقاً لائحاً، وهذه الجمل أكثر ما تعرض للمبتدئين منهم، والذين لم يألفوا حلاوة مقصدهم ولم يأنسوا بمطلبهم وإن كان الجميع منها على خطر.
والقاطع الثاني: هو أن يفتره الشيطان عن اجتهاده، وحمله النفس على المكاره في معاملته، بأن يورد عليه من الآفات ما يتعاطاه وغيره كالعجب والرياء، وما يجري مجراهما، ويوهمه أن اجتهاده ضائع، وربما أوهمه أن الضرر عليه في الاجتهاد أعظم من الضرر في تركه؛ لأنه إذا تركه سلم من الرياء والعجب، وإذا أخذ نفسه به لم يسلم منهما، فيضعف متنه ويوهن عزمه ونيته فيفتر عنه، ومتى فتر غلب هواه عقله، ورده على عقبه خائباً يائساً، ولم يزل به حتى يسلخه من الإرادة ويخرجه من جملة أهلها، وهذا الثاني أكثر ما يعرض لمن يخالط أهل التصوف من الإشارات والعبارات، فليحذر المريد جميع ذلك كل الحذر، وليدفع بجهده ما يجد من ذلك في خاطره وهمه، ويستغيث بالله عز وجل إنه خير مغيث.
وربما أوهمه العدو أن الاجتهاد والطلب لا يظفران بالمطلوب، ولا يوصلان إلى المقصود وأن الوصول عطية يعطيها الله تعالى من يشاء، وأن الطلب ربما كان حجاباً بين الله وبين عبده؛ لأن العبد إذا نظر إلى الطلب وسكن إليه كان ذلك سبباً للقطع فيذهله ذلك (عن المجاهدة، ويورثه فتوراً عظيماً يقطعه لذلك) وهذا إنما يعرض في الأكثر لمن يعاشر أهل التصوف على ما بيناه.
واعلم أن الوصول وإن كان عطيَّة من الله تعالى وتفضلاً فلا بد من الطلب: والاجتهاد وبذل الطاعة في تحصيل الغرض وهكذا وعد الله تعالى فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ69﴾ [العنكبوت] فلا يغتر المريد بهذه المكيدة فإنه لا يأمن أن يصرعه بها العدو صرعة لا نهوض معها عصمنا الله تعالى من ذلك.
وحُكي عن بعض الحكماء - وأظنه عن جنيد - أن في سيرة المريد ألف قاطع يقطعه، كل واحد منها يحول بينه وبين مطلوبه، فليحذر المريد هذه القواطع كل الحذر، وليكن في جميع أحواله مستغيثاً بالله عز وجل، لاجئا إليه خاضعاً بين يديه، متبرئًا من حوله وقوته، مستعصماً بحول الله وقوته عز وجل، وليعلم المريد أن الآفات وإن كانت كثيرة جمة فليس يجوز ترك الاجتهاد ليسلم من الآفات؛ [بل يجب أن يجتهد في دفع الآفات مع المقام على المجاهدة لما يزيد في قوة الآفات] لأن الآفات مصدرها للمريد عن قوة الهوى، وبحسب ازدياد قوتها تزداد الآفات، فليتصور ما بيناه المريد حق التصور، وليتدبر حق التدبر.. إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا القياس فهو كثير، وإنما ذكرنا منه اليسير.
وله دعوة جمع فيها من فوائد العلم الثمينة ويواقيته الشريفة ما يقضي له بالسبق في هذا الباب، وقد رأينا إثباتها في هذا الموضع، قال عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلواته على عباده المصطفين.
هذا كتاب من الإمام المؤيد بالله أبي الحسين أحمد بن الحسين بن هارون الحسني بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى من بلغه من المسلمين في أقاصي الأرض وأدانيها سلام عليكم، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ذو القوة والحول، والإفضال والطول، الذي جعل السماء بناء، والأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وخلقكم أطواراً، وأنشأ لكم أسماعاً وأبصاراً، أحمده رغباً ورهباً على تظاهر نعمه، وتضاعف قسمه، وترادف منحه وتتابع كرمه، وأومن به خاضعاً خاشعاً أنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد، المتعالي عن الأشباه والأنداد، والشركاء والأضداد، وأتوكل عليه موقنا أنه قاهر لا يرام، وقادر لا يضام، وقيوم لا ينام. توحد بالعلاء، وتفرد بالكبرياء، وحمد على النعماء، وعبد في الأرض والسماء، ذلكم الله ربكم له الدين واصباً أفغير الله تتقون ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ53﴾ [النحل] خلق عباده رحمة لهم وإنعاماً عليهم وإحسانا إليهم ثم لم يتكثر بهم عن قلة، ولم يتعزز بهم من ذلة، ولم يستأنس بهم من وحشة، فطر الأرض والسماوات، وجعل النور والظلمات، وأجرى الأفلاك الدائرات، والنجوم المسخرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قولاً صدقاً، أقولها تعبداً ورقاً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلواته عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيّاً، وعلى آله الطيبين الأخيار المنتجبين الأبرار، ابتعثه على حين شمخ الكفر بأنفه، ونأى بجانبه، وامتد على الخلق رواقه، وأحاط بهم نطاقه، وملأ البسيطة ظلامه، وظهر فيهم عتوه وغرامه، والخلق حيارى لا يبصرون، وضلال لا يهتدون، قد ملكتهم الجاهلية الجهلاء، وعمتهم الفتنة الصماء، ونور الحق قد آذن بالطموس، ومال بوجهه إلى العبوس، فأدى الرسالة، وأظهر الدعوة، ومحض النصيحة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، ونهض بأمر الله صادعاً، ولشتات الدين جامعاً، ولسلطان الكفر قامعاً، وللأصنام والأوثان خالعاً، وجاهد في الله حق جهاده، وهدى ضلال عباده إلى صراط الله المستقيم، ولدين الله القويم بأنور منار وأبهر سلطان، وأوضح سبيل، وأبين دليل، قد شد عضده من المعجزات بأعظمها قدراً، وأفخمها أمراً، وأبقاها أثراً، وأعلاها خيراً، ذلك كتاب الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ .... الآية ﴾ [الزمر: 23]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 193 عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 194 بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ195﴾ [الشعراء] قد جعله مأدبة للخلق، ووصلة إلى الحق، وطريقاً إلى النجاة واضحاً، وسبيلاً إلى الجنة لائحاً، من اعتصم به اهتدى، ومن أعرض عنه ضل وغوى، فيه بيان لكل شيء وهدى وبشرى للمحسنين؛ فلم يزل صلى الله عليه وآله وسلم يعلمكم تنزيله، ويفهمكم تأويله، ويشرح حلاله وحرامه، ويشرح قصصه وأمثاله، حتى اهتديتم به من حيرة العمى، واستوضحتم منهاج الهدى ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ103﴾ [آل عمران] حتى أدى حق الرسالة، وقام بشرط الأمانة، ووعظ ونصح وبلغ وأسمع.
ثم نقله الله إلى ما أعدّ له من كرامته، وأنزله منازل رحمته، واستأثر له ما لديه، وقبضه الله إليه راضيا عمله، قابلاً سعيه، فابتدأ كثير من الأمة في تبديل سنته، والالتواء على عترته، كأن لم يسمعوا قول الله حيث يقول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا33﴾ [الأحزاب]، وحيث يقول: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ61﴾ [آل عمران] فجعل الأبناء الحسن والحسين، والنساء فاطمة، والأنفس نفسه ونفس علي صلوات الله عليهم.
فانظروا كيف نزههم الله محققاً أنهم أولوا الصدق، ثم ألزم المؤمنين متابعتهم والكون معهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ119﴾ [التوبة] ولم يسمعوا ما أنزل الله في أمير المؤمنين عليه السلام حين تصدق بخاتمه راكعاً، إذ يقول عز وجل قائلا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ55﴾ [المائدة] وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطباً كافة أمته: ((من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله أولى، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقوله: ((إني تارك فيكم الثقلين)) وقوله: ((مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))، فتأملوا رحمكم الله كيف أوضح الحق وكيف قطع المعاذير، وانظروا إلى كثير من الأمة كيف غيروا وبدلوا حتى زاغوا وضلوا.
فأما أمير المؤمنين فنُكِثتْ بيعتُه جهراً وحُمِلَ على كثير مما كره قهرا: فمِنْ غادر به قد خذله وقاعد قعد عن نصرته، وناكث نكث على نفسه عقد بيعته، ومارق مرق عن طاعته، وقاسط قسط في إهمال ما أوجب الله تعالى من ولايته، وما ثبت معه على أمره إلا فريق من المهاجرين والأنصار الذين محضوا الإيمان محضاً، ورأوا طاعة الله فرضاً.
وقديماً عهد إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: ((يا علي إنك ستقاتل بعدي الناكثين والمارقين والقاسطين))، فلم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى قتله الأشقى، ومضى عليه الصلاة والسلام شهيداً، ولاقى ربه حميداً.
فانتصب للأمر بعده الإمام الوافر والقمر الزاهر، سبط النبي وسلالة الوصي الحسن بن علي صلوات الله على روحه في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، فرأب صدع الدين، ودعا إلى الحق المبين، ولم يأخذه في الله لومة لائم، إلى أن خذله أجناده، وقعد عنه أعضاده، وبسطت إليه الأيدي بالسوء، فجرح ودفع عما انتصب له، ودعي إلى سلم من كان له حرباً، وغصب على الأمر غصباً، ثم لم يرض بذلك حتى قتل مسموماً، ودفن مظلوماً.
فقام بالأمر بعده من ترك الدنيا وزينتها، وأراد الآخرة وسعى لها سعيها الحسين بن علي عليه السلام، فشهر سيفه وبذل نفسه، ونهض إلى العراق لمنابذة الفساق بعد ما دعي إليها ووعد النصرة بها، فتعاوره من حزب الشيطان من لم يزل مبطنا للنفاق، ومصراً على الشقاق، فقتلوه أقبح قتلة، ومثلوا به أشنع مثلة، وغودر صريعاً، ونبذ بالعراء طريحاً، وحُزَّ رأسه وحمل إلى من بان كفره، وظهر ولاح عناده وانتشر، وسبيت بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأطفاله كما سبيت ذراري المشركين، فلم يكن من المسلمين من يغضب لله ويذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان الجميع بين راض شامت، ومنكر ساكت، فعند ذلك شربوا الخمور وأعلنوا الفجور، ورفعوا حشمة الإسلام ولعبوا بالأحكام، واتسعت المظالم وظهرت المآثم، حتى لم يبق من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه.
ثم قام بعده الإمام الزكي والحبر الرضي زيد بن علي صلى الله عليه في عصبة قليلة شروا أنفسهم في سبيل الله، وسارعوا إلى الغفران، وتبادروا إلى الجنان، فعطفت عليهم الأشقياء من بني أمية سالكين بهم سبيلهم في جده فقتلوه وصلبوه وأحرقوه، ثم ألحقوا به الطاهر المطهر ابنه يحيى، فيا لبني أمية الويل والثبور، ويالهم السعير المسجور، غرتهم زهرة الدنيا فمالوا إليها، ورغبوا عن الآخرة فأعرضوا عنها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:16] ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ 44 فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ45﴾[الأنعام].
ثم جاء بنو العباس معلنين شعارنا، طالبين بزعمهم ثأرنا بادعائهم جدهم العباس وابنه عبد الله في متابعة أمير المؤمنين، وإظهار طاعته وإيثار ولايته، إذ لم يزل العباس يخطب بمتابعته السعادة، وعبد الله يطلب في الجهاد بين يديه الشهادة، فلما اتسعت أحوالهم بنا، واستوسقت أسبابهم باسمنا بغوا وطغوا، (وآثروا الحياة الدنيا، واقتفوا آثار الأكاسرة، وسلكوا منهاج الفراعنة الجبابرة، وجاهروا الله تعالى بكبائر الفسوق) ورفلوا في أثواب المروق، وجردوا علينا أسياف العقوق، وَسَنَّ مخذولهم الملقب بالمنصور في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتل الذريع، والحبس الفظيع، والأمر الشنيع، وأراق يوم الثنية دم محمد بن عبد الله النفس الزكية.
ثم قَتَل أخاه إبراهيم بن عبدالله، وحمل أباهما وعمومتهما وبني عمومتهما البررة الأتقياء السادة النجباء على الأقتاب؛ فعل أشباهه من بني أمية، ثم اقتدى به بنوه، وسلكوا سبيله واتبعوه، وأظهروا المناكير فالمناكير، وأضلوا الجماهير فالجماهير، فيا عجباً لمن ينتصب على الأعواد في الجمعات والأعياد، يشهد لهم على الله بالزور وهم منهمكون في الفجور أما يتقي الله الجبار؟ أما يتقي الله القهار؟ أما يخاف يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟
عباد الله: إني قد رأيت أسباب الحق قد مرجت، وقلوب الأولياء به قد حرجت، وأهل الدين مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، ورأيت الأموال تؤخذ من غير حلها وتوضع في غير أهلها، ووجدت الحدود قد عطلت، والحقوق قد أبطلت، وسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بدلت وغيرت، ورسوم الفراعنة قد جددت واستعملت، والآمرين بالمعروف قد قلوا، والناهين عن المنكر قد وهنوا فذلوا، ووجدت أهل بيت النبي عليهم السلام مقموعين مقهورين مظلومين، لا يؤهلون لولاية ولا شورى، ولا يتركون ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم فيئهم، فهم يحسبون الكف عن دمائهم إحسانا إليهم، والانقباض عن حبسهم وأسرهم إنعاماً عليهم، يطلبون عليهم العثرات ويرقبون فيهم الزلات، ووجدتهم في كل واد من الظلم يهيمون وفي كل مرعى من الضلال يسيمون، (ووجدت أملاك المسلمين) تغصب غصباً، وأموالهم تنهب نهباً، ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ10﴾ [التوبة] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا10﴾ [النساء] ووجدت الفواحش قد أقيمت أسواقها وأديم نفاقها، لا خوف الله يَزَع، ولا حياء الناس يمنع، بل يتفاخرون بالمعاصي، ويتنابزون ويتباهون بالإثم، قد نسوا الحساب، وأعرضوا عن ذكر المآب والعقاب، فلم أجد لنفسي عذراً إن قعدت ملتزماً أحكامهم، متوسطاً أيامهم، أؤنسهم ويؤنسونني، وأسالمهم ويسالمونني، فخرجت أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين.
أيها الناس أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيئه والرضا من آل محمد ومجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين، وإني كأحدكم لي ما لكم وعلي ما عليكم إلا ما خصني الله به من ولاية الأمر ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 31] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
أيها الناس؛ سارعوا إلى بيعتي، وبادروا إلى نصرتي، وازحفوا زحفاً إلى دار هجرتي، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وبهجتها، فإنها ظل زائل وسحاب حائل، ينقضي نعيمها ويظعن مقيمها، والآخرة خير وأبقى أفلا تعقلون: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
أيها الناس؛ مهما اشتبه عليكم فلا يشتبه عليكم أمري، أنا الذي عرفتموني صغيراً وكبيراً، ورحمتموني طفلاً وناشئا وكهلاً. قد صحبت النساك حتى نسبت إليهم، وخالطت العباد حتى عرفت فيهم، وكاثرت العلماء وحاضرت الفقهاء، فلم أخل عن مورد ورده عالم بارع، ومشرع شرع فيه متقن فارع، وجادلت الخصوم نضحاً عن الدين، ونضالاً عن الحق المبين، حتى عرفت مواقعي، وكتبت وحفظت طرائقي وأثبتت، هذا وما أبرئ نفسي في أثناء هذه الأحوال ومجامع هذه الخصال من تقصير وتعذير، ولا أزكيها بل أتبرأ إلى الله من حولها وقوتها، وإن جميع ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم.
وأما نسبتي إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدونه فلق الصباح، ولا عذر لكم أيها الناس في التأخر عني والاستبداد دوني، وقد ناديت فأسمعت؛ لتجيبوا دعوتي، وتتحروا لنصرتي، وتعينوني على ما نهضت له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].
ألا فأعينوني على أمري، وتحروا بجهدكم نصرتي، أوردكم خير الموارد، وأبلغكم أفضل المحامد. عباد الله، أعينوني على إصلاح البلاد، وإرشاد العباد، وحسم دواعي الفساد، وعمارة مناهل السداد.
ألا ومن تخلف عَنِّي وأهمل بيعتي - إلا لسبب قاطع أو لعذر مانع بَيِّنِ الحجة - فإني أجاثيه للخصام يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم الآزفة، فأقول: ألم تسمع قول جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يُجبها كبّه الله على منخريه في النار)) ألا فاسمعوا وأطيعوا ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ....الآية﴾ [التوبة: 24] فلتتفق كلمتكم وليجتمع شملكم ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
ألا وقد سلكتُ سبيل من مضى من آبائي الأخيار، وسلفي النجباء الأبرار في منابذة الظالمين، ومجاهدة الفاسقين مبتغيا به مرضات رب العالمين، فاسلكوا أيها الإخوان سبيل أتباعهم الصالحين، وأشياعهم البررة الخاشعين في المعاونة والمظاهرة والمكاثفة والمؤازرة، وتبادروا رجالاً وسارعوا إليَّ أرسالاً، وإياكم والجنوح إلى الراحة طالبين لها وجوه العلل، مغترين بما فسح الله لكم من المهل، وعن قليل يُحِقُّ الحق ويبطل الباطل، ويعاين كل امرئ ما اكتسب، ويُجازَى كل بما اجترم ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: 25] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44].
تمت الدعوة بحمد الله تعالى وحده وصلواته على محمد وعلى آل محمد.
قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة
هو: أبو الحسين أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
صفته (ع)
نسب تعنق له الأنوار، وتغض من شعاعها الشموس والأقمار، ينتهي إلى جوهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم جواهره، ونمت إلى عنصره الكريم عناصره، وهذا هو الفضل الرائق، والحسب الفائق، كما قال الشريف أبو علي إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - الكوفي الشاعر مفتخراً بآبائه عليهم السلام من قصيدة:
إن قومي لقادة الناس بالسيـ .... ـف إلى ما أتى به جبريلُ
والنبي الهادي وسبطاه منا ....... وعليّ وجعفر وعقيلُ
والأولى في حجورهم رضع الديـ .... ـن وفي دورهم أتى التنزيلُ
ابن من لا يعطي القياد إذا قلـ ..... ـتُ أبي حيدر وأمي البتولُ
وكل آبائه عليهم السلام أقمار هدى، وبدور دجى، وبحور جود زاخرة، وسحائب علم ماطرة، وجبال حلم راسية، وكواكب شرف سامية، ويكفيك من شرفهم وجوب الصلاة عليهم في الصلوات التي هي من شرائف العبادات، وأفضل القربات.
وأمه عليه السلام: أم الحسن بنت علي بن عبدالله الحسيني العقيقي ذكره الشريف السيد أبو الغنائم. وكانت ولادته عليه السلام بآمل طبرستان في الكُلاذجة المنسوبة إليهم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)
كان عليه السلام مذ نشأ على السداد، وأحوال الآباء الكرام والأجداد، وتأدب في عنفوان صباه حتى برع فيه، واختلف إلى السيد أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم.
وكان وحيد عصره وفريد دهره، والحافظ لعلوم العترة عليهم السلام، والناصر لفقه الذرية الكرام، فأخذ عنه مذهب الزيدية، وقرأ عليه الكلام على طريقة البغدادية.
وكان قدس الله روحه في الأصل إماميًّا فوضح له الحق، فانقاد له أحسن انقياد.
واختلف أيضاً إلى أبي الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس، وقرأ عليه فقه الزيدية والحنفية، وروى عنه الحديث عن الناصر للحق عليه السلام. وكان أبو الحسين هذا من أجل أهل طبرستان رئاسة وسيراً وفضلاً وعلماً.
قال مصنف سيرته: وكان عليه السلام في الورع والتقشف والاحتياط والتقزز إلى حد تقصر العبارة دونه، والفهم عن الإحاطة به، وتصوف في عنفوان شبابه حتى بلغ في علومهم مبلغاً منيعاً، وحل في التصوف والزهد محلاً رفيعاً، وصنف سياسة المريدين.
وكان عليه السلام يحمل السمك من السوق إلى داره، وكانت الشيعة يتشبثون به ويتبركون بحمله فلا يمكن أحداً من حمله، ويقول: أنا أحمله قسراً للهوى، وتركاً للتكبر لا لإعواز من يحمله.
وكان قدس الله روحه يجالس الفقراء وأهل المسكنة، ويكاثر أهل الستر والعفة ويميل إليهم، ويلبس الوسط من الثياب القصيرة إلى نصف الساقين قصيرة الكمين، وكان يرقع بيده قميصه، ويشتمل بإزار إلى أن يفرغ من إصلاحه، وكان يلبس قلنسوة من صوف أحمر مبطنة يحشوها بقطن ويتعمم فوقها بعمامة صغيرة متوسطة، وكان يلبس جورباً يخيطه من الخرق ثم يلبس البطيط، وكان لا يتقوت ولا يطعم عياله إلا من ماله، وكان يرد الهدايا والوصايا إلى بيت المال، وكان يكثر ذكر الصالحين، وإذا خلى بنفسه يتلو القرآن بصوت شجي حزين، وكان غزير الدمع كثير البكاء، دائم الفكر، يتأوه في أثنائه، وربما تبسم أو كشر عن أسنانه، قال القاضي يوسف: صحبته ست عشرة سنة فلم أره مستغرباً في الضحك، وكان لا يفطر في شهر رمضان حتى يفرغ من العشاء الآخرة، وكان يداوم على الصلاة بين العشاءين، ويطعم في شهر رمضان كثيراً من المسلمين، وكان يمسك بيت المال بيده ويحفظه بنفسه ولا يثق فيه بأحد ويفرق على الجند بيده، ويوقع الخطوط بيده.
وحكي: أنه رضي الله عنه اشتهى يوماً من الأيام لحم حوت، فبعث الوكيل إلى السمّاكين فلم يجد فيها إلا حوتاً لم يقطع، وقالوا: لا نريد أن نقطعه اليوم، فعاد إليه وأخبره بامتناعهم من قطعه، فوجهه ثانياً، فقال: مُرْهم عني بقطعه، فأبوا قطعَه، فلما عاد إليه حمد الله على أن رعيته لا تحذر جنبته، وأنه عندهم ورعاياه سواء.
وكان قدس الله روحه كثير الحلم عظيم الصفح، يُحكى أنه دخل المتوضأ ليجدد الطهارة فرأى فيه رجلاً متغير اللون يرتعد فزعاً، فقال له: ما دهاك؟ قال: إني بعثت لقتلك، قال: وما الذي وعدوك عليه؟ قال: بقرة، قال: ما لنا بقرة وأدخل يده في جيبه وناوله خمسة دنانير، وقال: اشتر بها بقرة، ولا تعد إلى مثل ذلك.
وحكي أنه كان قدس الله روحه يسير في طريق كلار، فطلب ممطراً له من بندار صاحبه، فقال: هو على بغل لبيت المال، فأنكر عليه، وقال: متى عهدتني أستجيز حمل ملبوسي على دواب بيت المال، فأمر بإخراجه وتوفير الكراء من ماله.
وكان يصرف عليه السلام من خاص ماله إلى بيت المال ما يكون عوضاً عما يرسله الكتاب في أول الكتب، ويفرجه بين السطور في الكتاب.
وحكي أن شيئاً من المقشر حُمل إلى داره لصرفه في مصالح المسلمين، فالتقط منه حبات بعض الدجاج التي تُقتنى لأكله خاصة، فغرم من ماله أضعاف ذلك، وقيل: إنه صرف الدجاج إلى بيت المال. وروي أن ولده الأمير أبا القاسم شكى إليه ضيق يده وقلة نصيبه من بيت المال، واستأذنه في الانصراف فأطلق له ذلك، فقال له أصحابه: إن أبا القاسم فارس فارهٌ لا غنى عن مثله فلو أطلق له ما يكفيه، فقال: إني أدر عليه نصيبه ولا يمكن الزيادة عليه، فإن الله سبحانه أمرنا بالتسوية بين الأولاد والأجانب.
وكان له صديق يتحفه كل سنة بعدد من الرمان، فلما كان في بعض السنين زاد على رسمه وعادته، فسأله عن ذلك؟ فقال: لأن الله سبحانه زاد في رماننا فزدنا في رسمك، فلما أراد الخروج شكى عن بعض الناس، فقال: ردوا عليه رمانه كله، وأمر بإزالة شكايته ودفع الأذى عنه، إلى غير ذلك من الحكايات الجمة في ورعه وزهده وتقشفه.
وكان عليه السلام في العلم بحراً يقذف بالدرر، وجَوْنا يهطل بالدرر، لم يبق فن إلا وقد بلغ فيه الغاية وأدرك النهاية.
قال مصنف سيرته قدس الله روحه: كان عارفاً باللغة والنحو متمكنا من التصرف في منظومها ومنثورها. وكان يعرف العروض والقوافي ونقد الشعر، وكان فقيها بارعاً متقدماً فيه مناظراً، وكان متقدماً في علم الكلام وأصول الفقه حتى لا يعلم أنه في أي العلوم الثلاثة كان أقدم وأرجح، ولم يبلغ النهاية في العلوم الثلاثة غيره، وإنما تقدم في علم أو علمين، وكان قد قرأ على الشيخ المرشد أبي عبد الله البصري، ولقي جميع علماء عصره واقتبس منهم وعلق زيادات الشرح بأصفهان عن قاضي القضاة بقراءة غيره.
وحكي عن الشيخ أبي رشيد أنه قال: لم أر السيد أبا الحسين منقطعاً قط مع طول مشاهدتي له في مجلس الصاحب، وكان لا يُغلب إن لم يَغلب، وكانا يستويان إن لم يظهر له الرجحان، وذكر بعض من صنف في أخباره أن الصاحب الكافي قال ذات ليلة للحاضرين: ليذكر كل واحد منكم أمنيته، فذكروا، فقال: أما أنا فأتمنى أن يكون السيد أبو الحسين حاضراً، وأنا أسأله عن المشكلات وهو يبينها لي بألفاظه الفصيحة وعباراته المليحة، وكان فارقه إلى أرض الديلم.
ويحكى أن يهودياً متقدماً في المناظرة والمجادلة قدم على الصاحب، فاتفق أنه حضر مجلس الصاحب فكلم اليهودي في النبوءات حتى أعجزه وأفحمه، فلما قام من المجلس ليخرج، قال له الصاحب: أيها السيد أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب.
وحكي عنه قدس الله روحه أنه قال: عزمت على أن أسافر إلى الأهواز للقاء قاضي القضاة أبي أحمد بن أبي علان وسماع مختصر الكرخي عنه، فأنهيت إلى الصاحب ما وقع في قلبي، فكتب كتاباً بخط يده وأطنب في وصفي ورفع عن قدري، حتى كنت أستحيي من إيصال ذلك الكتاب، فأوصلت الكتاب إلى قاضي القضاة، فقال: مرحباً بالشريف، فإذا شاء افتتح المختصر ولم يزد على ذلك، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد، ولا أزارني أحداً من أصحابه، فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصاحب أنه صدر عن عناية صادقة لا عن حقيقة، فقعدت عنه حتى كان يوم الجمعة حضرت الجامع بعد الظهر ومجلسه غاص بكبار العلماء فقد كان الرجل مقصوداً من الآفاق، فسئل القاضي أبو أحمد مسألة كلامية وكان لقي أبا هاشم، فقلت: لما توسط في الكلام إن لي في هذا الوادي مسلكاً، فقال: تكلم، فأخذت في الكلام وحققت عليه المطالبات، ثم أوردت أسئلة عرقت فيها جبينه، فامتدت الأعين نحوي، فقلت بعد أن ظهرت المسألة عليه: يقف على فضلي القاضي.
وسئل شيخ إلى جنبه عن مسألة في أصول الفقه، فلما أنهى السائل ما عنده قلت: إن لي في هذا الجو متنفساً، فقال القاضي: والأصول أيضا؟! فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ فظهر ضعفه فسامحته.
وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه، فقلت: إن لي في هذا القطيع شاة، فقالوا: والفقه أيضا؟ فأوفيت الكلام في تلك المسألة أيضاً حتى تعجب الفقهاء من تحقيقي وتدقيقي، فلما ظهرت المسألة كان المجلس قد انتهى، فقام القاضي من صدره وجاء إلى جنبي، فقال: أيها السيد، نحن ظننا أن الصدر حيث جلسنا فإذا الصدر حيث جلست، فجئناك نعتذر إليك من تقصيرنا في بابك، فقلت: لا عذر للقاضي مع استخفافه بي مع شهادة الصاحب بخطه، فقال: صدقت لا عذر لي، ثم عادني من الغد في داري مع جميع أصحابه وبالغ في التواضع، فحضرته فقرأت عليه الأخبار المودعة في المختصر فسمعتها بقراءته وأمدني بأموال من عنده فرددتها، ولم أقبل شيئا منها وقلت: ما جئتك عافيا مستمنحاً، فقد كان حضرة الصاحب أوفى حالاً وأسهل منالاً، ولم يكن هناك تقصير في لفظ ولا تفريط في لحظ، ففارقته فشيعني مع أصحابه مسافة بعيدة وتأسفوا على مفارقتي.
وله عليه السلام التصانيف المعجبة فمنها في الأصول: كتاب النبوءات، وهو يدل على غزارة علمه في الأصول، ثم في الأدب فإنه بين المعارضات التي عورض بها القرآن الكريم، وكشف عن إدحاضها وأبان غوارها بكل وجه، وسلك في ذلك من طريقة علم الأدب ما يدل على علو منزلته وارتفاع درجته. وله في الأصول: التبصرة كتاب لطيف.
وله في فقه الهادي عليه السلام: كتاب التجريد وشرحه أربعة مجلدات استوفى فيها الأدلة من الأثر والنظر، وأحسن فيها كل الإحسان. وله أيضا: البلغة في فقه الهادي. وله في فقه نفسه: الإفادة مجلد، والزيادات مجلد علق ذلك أصحابه عنه، وفيه كل مسألة عجيبة وفتوى غريبة، ولهذين الكتابين شروح وتعاليق عدة، ومهما طلبت الغرائب فإنها توجد في فقهه عليه السلام منصوصة.
ولقد حكى بعض أصحابنا الواصلين من ناحية العراق وهو الفقيه الفاضل الحسن بن علي بن الحسن الديلمي اللنجائي رضي الله عنه أنه بات ليلة من الليالي ومعه رجل من الصالحين، فبات ذلك الرجل يعبد الله عز وجل، والسيد المؤيد بالله بالقرب منه فلما طلع الفجر قام المؤيد لصلاته، فقال له ذلك الرجل: أيها السيد أتصلي بغير وضوء؟ فقال: لم أنم في هذه الليلة شيئاً، وقد استنبطت سبعين مسألة.
ولقد كان علماء عصره يعجبون من تحقيقه وشدة تدقيقه، ولا عجب من أمر الله يؤتي فضله من يشاء، ولذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المزية على من عداهم والفضل على من سواهم.
ولقد سمعت شيخنا العالم الفاضل محيي الدين محمد بن أحمد بن الوليد القرشي الصنعاني رضي الله عنه يحكي: أن السيد المؤيد بالله قدس الله روحه لما توفي وأقبل الناس إلى أخيه السيد أبي طالب عليه السلام يسألونه، فقال له قائل: أين كان هذا العلم في حياة السيد أبي الحسين؟ فقال: أو كان يحسن بي أن أتكلم والسيد أبو الحسين في الحياة؟ مع أن علم السيد أبي طالب غزير وفهمه جم كثير على ما يحكى ذلك.
وروينا أنه قيل لأخيه السيد أبي طالب عليه السلام: أتقول بإمامة أخيك؟ فقال: إن قلنا بإمامة زيد بن علي؛ فما المانع من القول بإمامة أخي! فانظر كيف شبهه عليه السلام بأعلى الأئمة قدراً وأغزرهم علماً؛ لأنا قد بينا أنه أقام خمسة أشهر يفسر سورة الحمد والبقرة وذكرنا غير ذلك مما يكثر.
قال مصنف سيرته [٧]: وسمعت الشيخ أبا الفضل بن شروين رحمه الله يقول: دع أئمة زماننا إنما الشك في الأئمة المتقدمين من أهل البيت وغيرهم، هل كانوا مثل هذا السيد في التحقيق في العلوم كلها أم لا؟ قال: وسمعت القاضي أبا الحسن الرفاء يقول: ليس اليوم في الدنيا أشد تحقيقاً في الفقه من السيد أبي الحسين الهاروني.
وحكي أن المؤيد سئل عن الطلاق الثلاث بلفظة واحدة في مجلس الصاحب، فكلمه القاضي أبو القاسم بن كج، وكان إمام أصحاب الشافعي، وآل الكلام إلى جميع من حضر من الفقهاء فانقطعوا في يده، فقال الصاحب يقال: لا علم لطائفة فيهم هذا الأسد يعني: المؤيد بالله.
وحكي أنه ورد عليه من كلار مسائل صعبة على أصول الهادي، فأجاب عنها وهذه المسائل موجودة، فقال الصاحب: لست أتعجب من هذا الشريف كيف أتى بهذا السحر، وإنما أتعجب من رجل بكلار كيف اهتدى إلى مثل هذه الأسئلة.
وكان له عليه السلام أصحاب فضلاء نجباء من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، فمنهم: السيد الفاضل العالم الموفق بالله أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الحسني الجرجاني عليه السلام وهو ممن له التصانيف الفائقة الرائقة في علم الكلام وغيره، والقاضي أبو الفضل زيد بن علي الزيدي، وكان من بيت العلم والرئاسة، ومنهم أبو منصور بن شيبة الفرزاذي.
والشريف ما نكديم أبو الحسين أحمد بن أبي هاشم محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد الأعرابي بن محمد بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام الخارج بعده بلنجا سنة سبع عشرة وأربعمائة، والشريف أبو القاسم بن زيد بن صالح الزيدي، والشريف محمد بن زيد الجعفري، ومن أصحابه في الزهد والعبادة الشريف أبو جعفر الزيدي، وكان قد استدعاه غير مرة ليستخلفه فأبى، ولم يجبه لاشتغاله بنفسه وإقباله على زهده، ومن أصحابه الفقيه أبو القاسم بن تال، وهو الذي هذب مذهبه وهو الذي جمع الإفادة والزيادات، ومنهم: أبو بكر الموحدي القاضي، قرأ عليه فقه الزيدية، ومنهم: القاضي يوسف الخطيب وأبو الحسين الآبسكوني، ومن أصحابه ومبايعيه: أبو علي بن الناصر خلفه بجيلان، وعاد إلى آمل بالآخرة وقالوا: لا تحسبوا أني فارقت المؤيد بالله من غير إذنه، لا والله لم أخرج من عنده إلا بإذنه، وأنا أقول بإمامته ولا أعرف في هذا الزمان رجلاً أفضل منه، ومنهم: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سياه سيربنجان.
وفي الحكاية أنه عليه السلام كان في بعض الليالي يطالع مسألة مع الملحدة الدهرية، فاشتبه عليه جواب مسألة فأمر باتخاذ مشعلة وقصد باب قاضي القضاة بعد قطع من الليل وهدوء الناس والأصوات، فأخبر قاضي القضاة بحضوره، فاشتغل خاطره وهيأ مكانا وجلس فيه حتى إذا دخل عليه وجاراه في تلك المسألة وانفتح له جوابها واتضح لديه ما كان منها، قال له قاضي القضاة: هلا أخرت إلى الغد وتغيبت في هذا الوقت؟ فقال المؤيد مغضباً من كلامه متعجبًا: ما هذا بكلام مثلك، أيجوز لي أن أبيت وقد أشكلت علي مسألة، ويمكنني أن أجتهد في حلها؟ فاعتذر إليه قاضي القضاة، وقال: إنما ذكرت هذا الكلام على الرسم الجاري من الناس وطيب قلبه وعاد إلى منزله.
وحكي أنه وقع بينه وبين قاضي القضاة وحشة واستزاره بسبب مسألة الإمامة، فتقاعد عن لقائه حدود شهر حتى ركب إليه قاضي القضاة، وقال له: قد بلغك حديث جدك الحسن بن علي وأخيه الحسين، وقول الحسين: لولا أن الله فضلك في السن علي حتى أن يكون السبق لك إلى كل مكرمة لسبقتك إلى فضل الاعتذار، فإذا قرأت كتابي هذا فاسبق إلى ما كتب الله لك من حق السبق والبس نعلك وقدم في العذر والصلح فضلك. فقال المؤيد بالله: قد أطاع قاضي القضاة أيضاً فضل سهمه وعلمه، وعمل بمقتضى ما زاده الله من سهمه، واعتنقا، وطالت الخلوة والسلوة بينهما، وكان الصاحب يقول: الناس يتشرفون بالعلم والشرف، والعلم والشرف يتشرف بقاضي القضاة، والشرف ازداد شرفاً بالشريف أبي الحسين.
وكان الصاحب يعظمه كل الإعظام، وكانت يمينه للسيد المؤيد بالله، ويساره لقاضي القضاة، وكان لا يرفع فوق المؤيد بالله أحداً إلى أن قدم العلوي رسولاً من خراسان، وكان محتشماً عند السلطان ملك الترك الخاقان الأكبر مبجلاً عنده، حتى إن الصاحب استقبله فلما دخل عليه أجلسه عن يمينه، فلما دخل المؤيد بالله رآه على مكانه فتحير، فأشار إليه الصاحب أن يرتفع إلى السرير الذي استند إليه الصاحب، فصعد المؤيد بالله إلى السرير وجلس في الدست الذي عليه.
وكان عليه السلام يزور الصالحين، فبلغه عن رجل صلاحاً في بعض قرى ديلمان، فمضى لزيارته في جماعة من أصحابه، فلقيه الرجل خارج موضعه وكان لا فراش له إلا ما نسجه من أغصان الشجر، ولا يتوسد إلا آجرتين عملهما، فقال له: ما لنا فراش ولا مكان تجلسون فيه، فقال عليه السلام: لو كان لك فراش أو حالة لما زرناك، فالملوك كثير وأهل الحالات فلسنا نزورهم ولا نراهم أهلاً لذلك.
وكانت له عليه السلام كرامات تشهد له بالفضل، فمنها: أنه كان في اليوم الذي أسر فيه قدس الله روحه قصده رجل من الجيل ولطمه، فدعا عليه وسأل ربه أن يسلط الأكلة على يديه، فعن قريب اسودت يداه ووقعت فيهما الآكلة حتى ذهبتا.
قال مصنف سيرته قدس الله روحه [٨-٩]: وسمعت جماعة تحكي أن بندار وزير الكيا أبي الفضل الثائر في الله لما أخبر أنه احترقت داره بهوسم في الفتنة التي كانت بها بسبب إحراق مشهد الناصر بآمل قال: إن هذا العاصي الكاذب خرب داري يعني بذلك المؤيد بالله، فأنهي ذلك إلى المؤيد بالله فلم يسمع، فشهد بذلك جماعة فقال عند ذلك: اللهم خذه مفاجأة، ولا ترزقه الشهادة عند موته، فعن قريب مات بغتة مفاجأة، بحيث كان جالساً فاستلقى على قفاه فإذا هو ميت من غير وصية ولا توبة.
وروي عن السيد أبي الحسين زيد بن الحسين الأشتري الجرجاني: أن عياضاً الثعلبي حضر مجلساً بجرجان جرى فيه ذكر المؤيد بالله، وذكر بعضهم أن الله سبحانه يعينه على الحق وينصره، فقال العياض الثعلبي: برئت من إله يعينه، وقال عقيب هذا القول: أوجعني بطني، وتعلق ببطنه وعاد إلى داره ومات في تلك الليلة.
قال: وسمعت هذا السيد يقول: إن أبا عمرو الفقيه القصار الجرجاني حضر مجلساً بجرجان في أيام الأمير فلك المعالي، فذكر بعضهم أن السيد أبا الحسين الهاروني إنما يطلب بما يفعل الدنيا وليس يعمل لله سبحانه، فقال أبو عمرو: كذلك أبوه علي بن أبي طالب كان يحارب معاوية وعائشة للدنيا لا للآخرة، وفارق ذلك المجلس وعاد إلى داره، ففلج في الوقت وما برز من داره بعد ذلك ومات من تلك العلة.
وكان عليه السلام في الشجاعة وثبات القلب بالمحل العالي، فإن في الحكاية أن شوزيل لما أسره عليه السلام اجتمع المسلمون عنده، وسألوه أن يفرج عنه فأخرج جوشناً، وقال: احصوا المواضع التي أصابها المزراق من هذا الجوشن، فبلغ نيفاً وثلاثين موضعاً فقال: من يثبت في المعركة هذا الثبات كيف يفرج عنه ويخلى سبيله!؟
وروي أن بعضهم قال: سمعت شير أسفار يقول: لولا وقوف المؤيد بالله يوم حرب آمل مع خمسين رجلاً من الثابتين لم يخلص منا إلا اليسير، وكان شير أسفار يعده المؤيد بالله لخمسمائة رجل. ومن شعره قوله عليه السلام:
تهذِّب أخلاق الرجال حوادث ..... كما أن عين السبك يخلصه السبكُ
وما أنا بالواني إذا الدهر أمني ..... ومن ذا من الأيام ويحك ينفكُّ
بلاني حينا بعد حين بلوتُه ..... فلم أُلفَ رعديداً ينهنهه السَّهكُ
وحنكني كيما يقود أزمّتي ..... فطحطحته حنكاً وما عقَّني الحنك
ليعلم هذا الدهر في كل حالة ..... بأني فتى المضمار أصبح يحتكُّ
نماني آباء كرام أعزة ..... مراتبها أنى يحيط بها الدركُ
فما مُدرك تالله يبلغ شأوهم ...... وإن يك سباقاً فغايته التركُ
فلا برقهم يا صاح إن شِمتَ خُلَّبٌ ..... ولا رفدهم وكس ولا وعدهم إفكُ
بهم زهت الأعراب في كل مشهد ..... سكونٌ ولخمٌ ثم كندة أو عكُّ
وقال عليه السلام يمدح الصاحب الكافي:


ولما قال أحمد بن محمد الهاشمي المعروف بابن سكرة:
إن الخلافة مذ كانت ومذ بدأت ..... معقودة بفتىً من آل عباس
إذا انقضى عُمر هذا قام ذا خلفاً .... ما لاحت الشمس وامتدت على الناسِ
فقل لمن يرتجيها غيرهم سفهاً .... لو شئت روّحت كربَ الظنِّ باليأسِ
فأجابه السيد المؤيد بالله قدس الله روحه في حال حداثته:
قل لابن سُكَّرةٍ يانغل عباس .... أضحت خلافتكم منكوسة الراس
أما المطيع فلا تُخشى بوادره .... يعيش ما عاش في ذل وإتعاس
فالحمد لله ربي لا شريك له .... خص ابن داعي بتاج العزّ في الناس
ذكر بيعته ونبذ من سيرته (ع)
كان له عليه السلام خرجات أحدها: في أيام الصاحب في سنة ثمانين وثلاثمائة، وبين الخرجة الأولى والخرجة الثانية سنون وفترات، وتابعه الجيل والديلم وعارضه الناصر أبو الفضل، ومال إليه ناصرية الجيل لكونه من أولاد الناصر عليه السلام، وإن كان لا يداني المؤيد بالله، ولما خرج عليه السلام ووافى جيلان، ونزل قرية من قراها يقال لها: جومة في حدود جيلان وبقي أياماً واجتمع إليه نحو سبعين رجلاً ثم خرج نحو هوسم وانتهى بعد ذلك إلى قرية تدعى كذكاهان، فدخل عليه من الغد المسمى جوي الديلمي مع زهاء سبعمائة رجل فقوي بهم، وانتقل إلى كذه قرية بقرب هوسم وأقام بها حدود سبعة أيام، وكانوا لا ينزلون على أحد إلا بإذن وطيبة نفس منه، ولا يتناولون من ثمار أحد إلا بإذن مالكه.
فلما كان يوم من الأيام لم يبرز للناس إلا وقت الظهيرة، وكان يكتب وصاياه في كتاب وصيته، ثم برز إلى الناس وخرج نحو هوسم بعسكره، فما شعر شوزيل إلا بعد مجاوزته كساك جان فاستقبله شوزيل بعساكره، وأخذوا في الحرب وانفرجوا، وقد غلبهم المؤيد بالله وقهرهم وانهزم شوزيل إلى جيلان، واستولى المؤيد بالله على هوسم وبقي بها سنة واحدة، ثم قصده شوزيل من جيلان وحاربه بباب هوسم، وانحاز عسكر المؤيد بالله وقتل منهم ثمانون مسلماً، لا يرى التولي من العدو مع عدة من الفساق، وأسر المؤيد بالله وحمله إلى قرية في داخل جيلان تدعى كيجلوم، فبقي في حبسه أياماً والمسلمون يسألونه إطلاقه، فيأبى وقال: إنه قتل خازني وضاع بسبب تلفه خمسة وعشرون ألف درهم، حتى جاء المسمى دانكين التجني وضمن هذا المال فخلى سبيله وأفرج عنه وأطلقه، ورجع المؤيد بالله إلى برفجان وأقام بها، وأدى دانكين من مال الضمان عشرين ألف درهم وأدى المؤيد بالله ثلاثة آلاف درهم وترك شوزيل ألفين، ثم عاد المؤيد بالله إلى الري، ثم امتد إلى آمل وأقام حتى وردت عليه الأعلام من وجوه الجيل والديلم ببذل ال نصرة له بأموالهم وأنفسهم، فتقدم عليه السلام حتى دخل برفجان، فسارع الناس إلى إجابته ولم يتخلف عنه من له خطر، فانبعث عليه السلام نحو هوسم وأبو زيد الثائري أمير عليها وشوزيل كان بطبرستان، وبلغت عدة عسكره عليه السلام سبعة آلاف رجل، فلما أحس أبو زيد الثائري بإقبال المؤيد ترك هوسم وانزوى إلى موضع يقال له: كلوا فتبعه المؤيد بالله فحاربه وهزمه من هناك، فمضى أبو زيد إلى ملك الديلم، وقتل من عسكره مقتلة عظيمة، وأخذ من أسلحتهم إلى حدود ثلاثة آلاف ترس، ثم رجع المؤيد بالله عليه السلام إلى هوسم وأقام بها سنتين، ثم عاد الأمير أبو زيد من ديلمان وأظهر التوبة والنسك، ثم تساير القوم إلى الأمير أبي زيد وقالوا له: إن أبا الحسين الهاروني ليس بناصري، وإنه قاصر اليد عن عطائنا، وحملوه على مخالفته واجتمعوا حتى أحوج المؤيد بالله إلى مفارقة هوسم والرجوع إلى جيلان فلما قدم جيلان، أقبل إليه شير أسفار بخيله ورجاله وعاونه ورده إلى هوسم، فبقي فيها مقدار شهرين، ثم تقوى الأمير أبو زيد الثائري وآل الأمر إلى أن التجأ المؤيد إلى جيلان وأقام ببرفجان عند المكنى بأبي شجاع، ثم أنفق أبو زيد الأموال الجمة على أهل جيلان حتى اغتر بماله شير أسفار وخالف المؤيد بالله، وخالفه القوم أجمع حتى خالفه أبو شجاع أيضاً، وأخذ أربعين ألف درهم واعتذر بأنه خشي أن لا يتم أمره ويحوج إلى الهرب، ويفوتني المال، فأحوج المؤيد بالله إلى مفارقة جيلان وامتد إلى الري وأنشد:
| فررت من العُداة إلى العُدات لقد خابت ظنوني عند قوم يُهيجونَ الغواة عَليَّ هيْجًا | وكنت عَددتُهم زمُرَ الثقات يرون محاسني من سيئاتي وهم شرٌّ لديَّ من الغوات |
وبقي الأمير أبو زيد بهوسم إلى أن خرج عليه أبو الفضل الناصري وحاربه وهزمه، وأقام بهوسم أربعة أشهر، وخرج الأمير أبو زيد إلى الري وتقرب إلى المؤيد بالله وأظهر التوبة واعتذر إليه وصالحه، وواعده أنه إن عاود هوسم أعانه على محاربة صاحب طبرستان، ثم رجع الأمير أبو زيد إلى هوسم وملكها أياماً.
ثم إن أبا الفضل بن الناصر جمع عسكراً وقصد هوسم، وهزم الأمير أبو زيد والتجأ إلى جبل حصين فتبعه أبو الفضل وحاربه وقتله، ثم ملك أبو الفضل بعد ذلك هوسم أربعة أشهر، ثم إن آل الثائر بعثوا رسولاً إلى المؤيد وقالوا: إن قتل أبو زيد فنحن نعينك على مرادك فالحق بنا، فأقبل المؤيد بالله إلى ديلمان، وصالح الاسفندارية - وهم ملوك بعض جبال الديلم على أن ينهض بهم إلى قابوس، وسلمت له قلعة وارفوية وبقي على ذلك سنتين إلى أن سار نحو آمل، وصحبه الكيا أبو الفضل صاحب هوسم مع الكبار الأمراء من الجيل والديلم، وصحبه الاسفندار المكنى بأبي جعفر، وولده التابع للمؤيد المسمى: خسروشاه بن أبي جعفر صاحب الرويان، وصحبه جميع أصحاب الأطراف من ولاة الكلار والديلمان سهلها وجبلها، فدنا من أهلم، ونزل في الساحل ووطن عساكر آمل على الهزيمة، وكان الوالي بها من جهة الأمير قابوس أبو جعفر محمد بن الحسين الناصر، وكان فيها من الأمراء جفتي بن باي والعباس السالمي والإصفهبذ بن أسفاوجين في آخرين.
فخرج المؤيد بالله عليه السلام من أهلم إلى باب آمل وكان الرأي أن ينزل بباب آمل ولا يحارب مع تعب رجالته، فاستعجل وبادر المحاربة، وانهزم الأكراد والأعراب من عسكر آمل، وتفرق الجيل والديلم وأحسوا بالظفر حتى إن الشيعة استقبلوا الإمام ينثرون ويستبشرون وكانوا كالواثقين بالظفر، وكان قائد من قواد المؤيد بالله يسمى ريشكا من كبار شجعان الجيل دخل محلة تنجمادة من أول البلد، فأصاب قلنسوته وبيضته التي كانت على رأسه طرف صفائح منصوبة لكف المطر تدعى بالطبرية: كاولي، فنزلت البيضة عن رأسه فانتهز الفرصة جيلي من البغاة فرمى موضع الانكشاف بمزراق، فأصاب أصل أذنه فسقط عن دابته ورفع جثته أصحاب الناصر أبي جعفر فكفنه تكفينا حسنا ورد جثته إلى جيلان تقرباً إلى الجيل، فآل الأمر إلى أن انهزم عسكر المؤيد بالله ونقضوا أتراسهم؛ وكان السبب في ذلك على ما يقال إنه عليه السلام كان نهى عسكره أن يرموا أهل البلد وأن يضربوهم وأن يشعلوا النار في دورهم، فلما عرف أبو جعفر الناصر أنه أمن الطبرية، وعرف أن التعصب غالب عليهم، وأنهم لا يعدون كثرة، وكانوا نظاره والليكاني كله حجارة، فأقبل على العوام وقال: ألا ترون هذا العلم الأبيض الذي أقبل عليكم؟ أليس تريدون رفع دينكم؟ فمن رمى منكم بحجر فهذا ختمي له بصيانة داره عن التورد والنزول، وعرف أن هذا من أهم شيء عند الطبرية، فجعل يختم لهم على الشموع ويغويهم ويغريهم بهم، فأخذت الطبرية في الرمي وكسروا الأتراس فوقعت الهزيمة العظيمة في رجال المؤيد بالله حتى بقي وحده بلا راية ونهب بيت ماله، فقال رضي الله عنه لبعض نقبائه: ما الرأي؟ فقال النقيب: انج بنفسك، فقد هربت العساكر، فقال له: انظر في مقدمة عسكرنا، فقال: ليس هناك إلا الكيا أبي الفضل الثائر وشير أسفار فقال: لا سبيل إلى الرجوع فإن أبا الفضل معدود لخمسمائة رجل وشير أسفار كذلك، فكيف أولي وبين يدي ألف، فقال: لا رجالة معهما وهما أيضاً ينصرفان، فلما انصرف الكيا أبو الفضل، فقال له: اخرج في دعة الله لأصونك ولأصحَبُك، فقال: إذا كان هنا شير أسفار فلا يحل التولي، فعاد أيضاً شير أسفار منهزماً يقول: اخرج باكيا فمضى باكياً، يقول: أي موضع أولى بالاستشهاد من هذا الموضع؟ فلولا أني أخاف ألا أقتل على المكان، وأوسر وأحمل إلى قابوس: وهو اللعين سيء الاعتقاد فيسلك معي مسلك الانتقام فيمثل بي ويعذبني بأنواع العذاب، وإلا لم أخرج من هذا المكان، فقالا له: ولأن تعود سالماً أحب إلينا من أن تستشهد هاهنا، فركض وركضوا أفراسهم يحفظونه ويحمونه، فحصل تلك الليلة بساحل البحر على شط نهر، ولحق به جماعة من المنهزمين وقد تعبوا وجاعوا ومنهم جرحى فقال المؤيد بالله: هل فيكم من يقرضنا دينارا؟ فأقرضه رجل كان معه دينار، فبعث بعض الحاضرين إلى قرية بقُربه وقال: اطلب شيئا من الحلال تشتريه بهذا لهؤلاء الجياع، فذهب الرجل واشترى من فيشكاة القرية شاة مسلوخة وشيئاً من السمن والعسل وجملة من خبز الآرز، فأمر بتقديمها إلى الجياع، وقدم إلى نفسه رغيفاً واحداً وتناول نصفه، وقام إلى الصلاة حتى أصبح ولحق به المنهزمون أفواجاً، وقبض أبو جعفر الناصر زهاء ثلاثين رجلاً وجعلهم في أقفاص من صفائح وأصدر بهم نحو جرجان إلى قابوس فقتلوا هناك، وكان قتل ثمانية عشر رجلاً من الثابتين، فمضى أبو شجاع الفارسي البزاز والد الشيخ أبي طالب - وكان من أعيان الشيعة إلى الشيخ أبي عبد الله الخياطي واستفتاه في هؤلاء القتلى فقال: يدفنون بثيابهم فإنهم شهداء، وذلك السيد إمام الزمان بعد الناصر للحقعليه السلام.
فخرج الناصر في سنة ثلاثمائة مستوى، وهذا إنما ظهر في سنة أربعمائة مستوى وفي كل مائة عام يخرج إمام صالح لهذا الأمر من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كنت أعلم هذا لكني سألتك لرفع الخلاف وحذراً من العامة، فإنهم يقبلون منك، وخرج ودفنهم بثيابهم في طريق الليكاني، تعرف قبورهم بقبور الشهداء، استوهب تلك البقعة من صاحبها فوهبها.
ولما بلغ المؤيد بالله إلى ناحية كجوا أخذ خسروشاه بن الاسفندار في مخالفة المؤيد بالله، وأصعد رجالة إلى هضبة هناك حول الصحراء، وحصل عسكر المؤيد بالله دونهم كأنهم في حلقة وحصار وليس فيهم صاحب ترس وسلاح، ورفع القوم رايتهم وأخذوا يطلبون القتال ويظهرون العداوة، فاشتغل قلب المؤيد بالله وقال: انظروا إلى هؤلاء الظلمة وإلى أفعالهم لا يمكن السكون إليهم، ولا الاعتماد عليهم وعلى مواثيقهم، فبعثوا نحوه رسولاً وطلبوا المواثيق والرهائن على أن لا يحاربهم قط وأن يسلم قلعة وارفوية منهم، فسلم ابنه أبا القاسم منهم على أن يردوه إليه متى سلم القلعة منهم، وشرط عليهم أن لا يحبسوا عندهم غير ابنه أبي القاسم، ثم إنهم نقضوا العهد وحبسوا مع السيد أبي القاسم جماعة، فخرج المؤيد بالله مع ثقات الاسفندار ليسلم القلعة منهم، فلما بلغوا (كلار) علموا أن الديالمة لا يمكنون من تسليم القلعة منهم فانصرفوا.
فلما بلغ المؤيد بالله إلى صحراء (أيكاند) استقبله المسمى أبو حليس الحاجب من ناحية قلعة براز مع عسكر جرَّار ليقبض على المؤيد بالله من قبل الاسفندار، ولم يكن معه متسلح من جنده، فاتفق أن راية أبي سعيد النيسابوري ظهرت مع جمع كثير، فرجع أبو جعفر الحاجب على عقبه، وعجزوا عن التعرض له، فلما دخل المؤيد بالله ديلمان وعرف القوم أنه يريد تسليم القلعة استدعوا أبا القاسم إصبهبذ كلار وبايعوه على الموضع المسمى تُنْكايُشته، واستقبلوه محاربين وانهزم رجال السيد، ثم إن المؤيد بالله (أخبرهم أنه لا يريد تسليم القلعة، وأن القوم انصرفوا فأطاعوه، فلما أيس الاسفندار ولم يمكنه قتل الأمير القاسم أطلقه، فمضى إلى الري، ومن ثَم إلى جيلان، ثم عاد إلى المؤيد بالله).
وكان عاقبة أهل طبرستان بما صنعوا أنهم قحطوا في تلك السنة عقيب هذه الوقعة قحطاً عظيماً حتى صار رطل خبز بعشرة دراهم، ولولا قرب إدراك الغلة لمات أكثرهم جوعاً، ثم وقع الوباء عقيب القحط فمات خلق كثير، كل ذلك بشؤم البغي ولهم في الآخرة عذاب شديد.
فأما قابوس فإن الله قتله شر قتلة، وقُتل أبو جعفر الناصر وجفتي بن باتي والعباس السالمي والإصفهبذ بن أسفاوجين وغيرهم ممن تولى أمر تلك الحرب وسائر العسكر بادوا وهلكوا بشؤم البغي، فلما ولي منوجهر صالح المؤيد بالله على أن يؤدي إلى المؤيد بالله كل سنة ألفي دينار، وجرى على ذلك أياماً حتى ظلم إسفندار أهلَ كلار ونواحيها فقدم أهل إيواز ومن قدام شالوس على المؤيد بالله والتمسوا منه الانتهاء إليهم ليعينوه، فلم يجب واعتل بأنه لا يثق بوفائهم ولا يحصل على فائدة، وينقطع عنه مال الصلح الذي يبعثه إليه منوجهر فخرجوا، ثم عادوا ثانياً وثالثاً حتى أقبل الصيف، فقام إلى المؤيد بالله عامة أولياء الإسفندار وأكابرهم كأبي القاسم اللؤلؤي وأبي جعفر وسائر أهل كلار وسائر أهل النواحي وأكدوا الأمر، فرضي وقصد نحو كلار، فورد عليه عسكر منوجهر من طبرستان، فقال المؤيد بالله لابنه الأمير أبي القاسم: تأهب للقتال، فذهب وتأمل القوم وانصرف، وقال: لا طاقة لنا بهؤلاء القوم فإنهم كالبحر الأخضر، فجد المؤيد بالله في الأمر وقال: لا بد من القتال؛ فعاد الأمير أبو القاسم إلى موضع يدعى دشتنزير ووقع على القوم مغافصة فانهزموا وأسر جماعة من الأمراء والقواد ونخب العسكر، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنموا من أموالهم وأسلحتهم شيئا عظيماً، وجعل أصحاب المؤيد بالله يقولون: يوم بيوم، يعنون: إنا إن رجعنا في أيام قابوس من باب آمل فقد رجعتم من باب كلار على أسوء حال.
ثم إن المؤيد بالله كاتب منوجهر بعد ذلك بكتاب حسن مشحونا بحجج وآيات وأخبار وأمثال، فصالحوه على بذل ألفي دينار في كل سنة، ثم حدث من بعد فتنة طبرستان وتعصب النواصب على الأشراف والشيعة، وكان ينصر عامة أهل طبرستان ابن سيف الدينوري ويعضدهم، وكان واليا على آمل من يد منوجهر، واشتد ذلك حتى قدم الشيخ أبو القاسم البستي آمل من الري وأظهر التعصب للشيعة في مجالس التذكير، وسئل يوم الغدير عن الفضل بين علي وأبي بكر، فقال: مثل علي كمثل كوز جديد لم يمسه شيء، ومثل أبي بكر مثل كوز كان فيه خمر ودم وأنجاس وأقذار ثم غسل غسلاً نظيفاً؛ وذلك لأن عليًّا عليه السلام لم يشرك بالله طرفة عين، وأبو بكر كان مشركاً أربعين سنة، وإن برئ من الكفر وطهُر من الشرك، فغاظ النواصب هذا المثل لوقوف العامة عليه، وكان في البلد متفقه لم يكن له عند العامة سوق يكنى بأبي إسحاق الصفار، فلما بلغه هذا الحديث غدا من مسجده حافيا حاسراً يخرق بجوف البلد إلى دار العامل المعروف بابن سيف، وتبعته العوام على عادة الطبرية، وعاجوا وجلبوا على باب العامل، وتوصلوا بذلك إلى طرد الشيخ أبي القاسم البستي، فأخرجه ابن سيف قسراً بعد ثلاثة أيام وقد فتن البلد وانعقد للصفاري سوق عند العامة ودامت الفتنة في البلد، وكانوا يقصدون مشهد الناصر عليه السلام، واستعان الأشراف بجماعة من الجيل كانوا يحضرون المشهد ويذبون عنه ويحامون دونه، وقتلوا جماعة من العوام، وقتل من الجيل واحد، ودامت الفتنة واستحكمت الوحشة، ولم يتمكنوا من إحراق المشهد حتى استعان أهل البلد بمشبهة الرساتيق من ناحية إرمبراه من ناحية أهلم، وكان رئيسهم أبو القاسم دابويه، وخاف أبو أحمد الناصر - رئيس الأشراف - على ماله وداره، فراسل سكان المشهد، وأمرهم بمفارقته وتسليمه من القوم ففعلوا، فقصده القوم وأشعلوا فيه النار وأحرقوه عن آخره ونقضوا المنارة والسور، ثم قصدوا بعد ذلك دار أبي الحسن الناصر وأحرقوها، ثم هدموا مسجداً للشيعة في سكة حازم.
ثم حضر الصفاري وخرب المسجد المعروف بزيدكيا العلوي في بقعة تدعى آش ريه، واستمرت الفتنة وهاج الجيل بجيلان يهتجمون ويصولون، وامتدوا إلى باب المؤيد بالله يلزمونه التقدم إلى آمل للانتقام والانتصاف.
فأظهر المؤيد بالله الضعف والعجز عن النهوض بنفسه، وقال: لا أجد لهذا الأمر في الحال غير السيد الثائر في الله أبي الفضل صاحب هوسم، فلما أمره بذلك أبى وامتنع وتقرب إلى منوجهر وأخذ منه المال، فهاج عليه الجيل وهموا بالقبض عليه وأحرقوا داره بهوسم وألجئ إلى الهرب، فلما أيس منه، كاتب أبا جعفر الناصر المقيم بالري، وأرسل إليه أبا الحسن الآبسكني، وخاطبه بالسيد الفاضل، فلما قرأ الكتاب، قال: هذا لطفه عند الاستدعاء فكيف لطفه إذا حصلت عنده؟ وامتنع من إجابته.
وأنفق منوجهر عشرين ألف دينار بهذا السبب وأعاد عمارة المشهد، وأنفق عليه حدود ألف وسبعمائة دينار، وقبض الإسفهسلار المعروف بالحاجب الكبير أسفاوجين بن أصفهان - على المعروف بالصفاري، فأمر منوجهر وأصدره إلى أستراباذ وحبس في قلعة تكريت، وبقي فيها زهاء عشر سنين حتى هلك منوجهر، فتقرب أبو كالجار إلى الطبرية وأطلقه ورده إلى آمل وكان في الكرة الثانية شراً منه في الأولى، ولا زال يتعصب ويتعرض للأشراف والشيعة إلى أن هلك أبو كالجار، فأنهض شرف المعالي إلى آمل للسياسة للأمير ورده أنشا بن أسفرستان الزياري، فساس أهل طبرستان سياسة منكرة وقتل من المفسدين عدة وقتل الصفاري، فلما أعاد منوجهر عمارة المشهد وأرشا كبار جيلان سكنت ثائرة الجيل ولم يمكنهم قصد طبرستان، وانصرفوا من وركروذ، وكان أبو الفضل انحاز إلى كرجيان، فلما انصرف الجيل بلغه أن المؤيد بالله كان ضمن لهم ألفي دينار فلم يدفع، وقيل: بسبب أن ناصرية الجيل قالوا: إن هذا العز يعود إلى المؤيد بالله ولا يعود إلينا، فقصدهم الكيا أبو الفضل مع الكرجية وسد عليهم الطريق من كل جانب فحمل الجيل عليهم وهزموهم بإذن الله وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وخرج أبو الفضل من هناك إلى جيلان واستولى بعد ذلك على هوسم أيضاً، ولم يزل عليه السلام مشجياً للظالمين، معلناً بالدين حتى توفاه الله حميداً رشيداً فقيداً سعيداً.
ذكر أولاده ووفاته (ع)
وكانت وفاته عليه السلام في يوم عرفة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ودفن يوم الأضحى، وصلى عليه السيد مانكديم الأعرابي القزويني الخارج بعده بلنجا الملقب بعده بالمستظهر بالله، وأديمت الخِتَمُ على قبره من يوم دفنه إلى تمام شهر، وبُني عليه في لنجا ومشهده فيها مشهور مزور.
وفيه يقول القائل:
| عَرِّج على قبر بصعـ واعلَم بأن المقتدي | ـدة وابْكِ مَرْموساً بلَنجا بهما سيبلغ ما ترجّا |
وكان عمره عليه السلام تسعاً وسبعين سنة، وخلف من الأولاد: الأمير أبا القاسم وحده رضي الله عنه وكان اسمه الحسين وبه كان يكنى، وأولد الحسينُ أحمد، وأولد أحمدُ الإمام أبا طالب الأخير يحيى وعَقِبُه كثير: منهم محمد القائم في عشر السبعين وخمسمائة في بلاد العجم من جيلان.
ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام
قال قدس الله روحه في صدر كتابه المعروف بسياسة المريدين: الحمد لله الذي جعل لنا إلى سلوك مناهج الأبرار سبلاً لائحة، ونصب لنا على لزوم مدارج الأخيار أدلة واضحة، وجعل من تبتل إليه ووقف عليه مشاهداً لدواعي الحق التي ذهب عنها أكثر الخلق، واستنقذهم من أسر الحيرة، وعصمهم من بوادر الفتنة، وملكهم أزمة قلوبهم، ووقاهم شح نفوسهم، وآنسهم برياض تنزيله، وفهمهم غوامض تأويله، وجعل لهممهم مطالع في ملكوته، ولضمائرهم مراتع في عظمته وجبروته، حتى عزفت نفوسهم عن أكثر ما لهج الخلق به من الشهوات، وثبتت أقدامهم حيث دحضت أقدام كثير من ذوي الخطيئات ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].
والحمد لله الذي جعل التوبة للمذنبين المسرفين على أنفسهم وسيلة ينالون بها متى أخلصوها كل فضيلة، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ53﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ55﴾ [الزمر].
وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى نبيه داود عليه السلام أن أنذر الصديقين وبشر المذنبين، فقال: يارب، كيف أنذر الصديقين وأبشر المذنبين؟ فقال عز وجل: بشر المذنبين أني أقبل التوبة، وأنذر الصديقين لئلا يغتروا بأعمالهم، أو ما يرجع إلى هذا المعنى من اللفظ أو يقرب منه.
وصلى الله على نبيه المبعوث نبي الرحمة المبعوث إلى كافة الأمة بالرأفة والرحمة محمد وآله.
ثم قال قدس الله روحه في باب ما يستعان به على التوبة:
اعلم علمك الله الخير أن من أراد أن يحصل لنفسه منزلة التائبين، فيجب أن يملأ قلبه خوفاً وخشية؛ لأن التوبة لا تكاد تتم، وإن تمت لم تصف ولم تدم مالم يصحبها الخوف والخشية، ثم قال بعد ذلك: واعلم أن الخوف للتوبة بمنزلة الأساس للأبنية، فكما أن الأبنية إذا لم تكن بنيت على أساس متين لم تستقم ولم يطل لبثها، (كذلك التوبة إذا لم تبن على الخوف والخشية) لم تستقم ولم يطل لبثها؛ ولهذا كثير من المتكلمين بنوا أمر الخواطر التي ترد على المكلف في أول أمره على الخوف.
واعلم أن أكثر الأشياء دواعي وأقربها بواعث على الغرض المقصود في هذا الباب هو الاستكثار في ذكر الموت وإشعار النفس أسباب الفوت والأحوال التي تكون عند الموت وبعد الموت من البلاء في القبر وأحوال النشور والبعث، وأحوال أهل الجنة والنار، والاستدامة لتصورها وتمكين ذكرها من النفس، حتى ينكسر مرحها، ويخف أشرها، وتكثير إيرادها على القلب حتى يغمره وتستولي عليه.
ومن أحس من قلبه بالقساوة وقلة التنبه فليتصور أحواله عند الغرغرة والنزع عند مفارقة الروح للجسد، وكيف يبقى بين أهله طريحاً ذليلاً، وأحوال أهله وأيتامه، وكيف يبكون عليه ويندبونه، وكيف يأخذون عنه ثياب الدنيا، وكيف يطرحونه على المغتسل، وكيف يلقونه في الكفن، ويدلونه في القبر، وكيف يبلى هناك، وكيف تعيث الدواب والحيات في لحمه وجلده، ولينح على نفسه بذلك بصوت شجي في الخلوات وفي ظلام الليل، فإن العلم بهذه الأحوال علم الضرورة، والإنسان قد شاهدها كثيراً، وما يعلم ضرورة ويكون مشاهداً يكون تأثيره في النفس والقلب أقوى، فليهتم بهذا الباب اهتماماً صادقاً.
وبلغني أن نوحاً عليه السلام سمي نوحاً؛ لأنه كان ينوح على نفسه، فإذا ظهر تأثير ما قلنا في القلب والنفس وأجرى دموعه فكر حينئذ في أحوال البعث والنشور، والجنة والنار التي طرق العلم بها اكتساب، فإنه ينتفع بذلك إن شاء الله تعالى نفعًا بيِّنًا.
وقال قدس الله روحه في هذا الكتاب من باب الإرادة: اعلم أن الإرادة هي طلب الانقطاع إلى الله عز وجل من كل ما سواه، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا8﴾ [المزمل]، قيل في التفسير: أخلص له إخلاصاً. وقال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ50﴾ [الذاريات].
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حاكيا عن الله تعالى: ((ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقاً، ابن آدم لا تتباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلا))
ثم قال قدس الله روحه: هذه وصية لجنيد بن محمد أثبتناها على وجهها لتعلقها بغرضنا في هذا الباب ولما فيها من عظيم النفع للمريد.
قال أبو القاسم رحمه الله: اعلم رحمك الله أن الله تعالى ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمها، فانظر أين ينزلك قلبك؟، واعلم أنه يوصل إلى القلوب من خيره ما اتصلت به القلوب من تعظيم أمره، فانظر ماذا يتصل بقلبك، واعلم أنه يقبل على القلوب حسب ما القلوب مقبلة عليه، فانظر ماذا أنت مقبل بقلبك؟،
واعلم أن الله تعالى يخلص إلى القلوب من بِرِّه على ما تخلص القلوب إليه من ذكره، فانظر ماذا خالصه قلبك؟، واعلم أن الله تعالى يعظم القلوب ويرفعها على حسب ما هي معظمة له، فانظر ماذا الذي تعظم في سرك ويعلو إليه مرادك؟، واعلم أن موانع القلوب في الابتداء ما مالت عليه من أسباب الدنيا، فاعمل على قطع الأسباب تنل بغيتك من الطلب.
واعلم أن قليل ما ينفق منها في السرائر يحول بينك وبين نفيس الذخائر، فاعمل في إخراج ما بقي منها تنل بذلك ما تطلب من خالقها.
واعلم أن القلوب إذا تجردت من الأمور الدنيوية صحت وصفت للعلوم الأخروية، فاعمل في ابتداء أمرك على إخراج ذلك من سرك، واحذر أن يبقى عليك منها شيء مستبطن أو دقيق مراد قد كمن، فيقفك ذلك ويعترض بقدره في صحة المراد، فكن على استعصاء منه، وكن فيها على أحوالك كلها زاهداً، فيصحو عند ذلك عقلك ويصفو قلبك.
واعلم أن هذا أول منزلة من منازل المريدين.
واعلم أنك إن صدقت في إرادتك له صدقك في إرادته لك.
وأعلم أن الله تعالى إذا أرادك تولاك وأغناك.
واعلم أنك إن كنت لطاعته مؤثراً كان عليك بمنافعك مقبلاً، وكذلك إذا كنت لعهده راعيا وبأمره عاملاً كان بالتأييد لك حافظاً، فمِنْ شاهِدِ ذلك في نفسك أنك إذا اعترض لك أمران ميزتهما بالعلم، فإذا كشف لك التمييز بالعلم عن أفضلهما ركبت الأفضل وعملت بالأجزل، ولم ترض في نفسك بالمفضول، فإذا كنت كذلك كنت صادقاً، وكان الله تعالى لهمك رافعاً، فإذا ارتفع همك وقوي علمك كان ذكر الله تعالى السابق إليك، والعاطف بقربه عليك، ولم تر شيئا أقرب إليك منه، ولا أقرب منك إليه، فإذا خلص لك ما وصفنا فاعتدل واستوى، لم تكن ظاعنًا إلا إليه، ولا نازلاً إلا عليه، والعلم من وراء ما أوصيتك به، فاعمل بوصيتي تنل بها من العلم من وراء ذلك.
قال قدس الله روحه: وقال بعض الحكماء: علامةُ المريد إذا صدق في عزمه رفض الدنيا إذا كانت شاغلة للقلب ومفتِّرة له عن طاعة الله تعالى، وأحواله في الزيادة على حسب الكد والاجتهاد والانكماش والمبادرة، وحمل النفس على المكاره، ومفارقة الراحة ومجانبة الرفاهية، وليصحب من يريد ما يريد لتزداد قوة إرادته، وليستوحش ممن يريد ما لا يريد، ولِيتقَوَّ على ما يريده.
ثم قال قدس الله روحه فيه: اعلم أن أصل هذا الباب وملاكه وما عليه يدور: هو مجانبة الشبهات، وترك ما أمكن تركه من المباحات، وبحسب ما يتركه العبد من المباح يكون فوزه للنجاح، وظفره بالمطلوب ونيله للمحبوب، وبحسب استيفائه وتمتعه له يفتر سيره، ويضعف عزمه وإرادته، وينشب العدو فيه أظفاره ومخالبه، فمن عزم على طلب الانقطاع إلى الله عز وجل، واستحقاق اسم المريدين، فليوطن نفسه على ترك ما أمكن تركه من المباح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، فكل ما لا يعنيك فهو من اللغو.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وأصل ترك المباح الذي لا بد للمريد منه، ولا يستقيم أمره دونه، ولا يستقيم إلا عليه ولا يملك زمام قلبه إلا به هو ملازمة الصمت ومداومة الجوع والعطش.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من عرف الله تعالى وعظمه منع الله فاه من الكلام وبطنه من الطعام وفرجه من الحرام)).
وقال قدس الله روحه: واعلم رحمك الله أن المريد ربما يعرض له فتور قوي واضطراب شديد حتى ينتشر همه بعد أن كان مجموعاً، ويشرد فكره بعد أن كان مزموماً وحتى يظن أن قلبه [كأن] قد صار أعلاه أسفله، فيضيق صدره ويكاد يفسد عليه أمره: وقد يكون ذلك لسبب ظاهر، وقد يكون من غير سبب، فلا يجب أن يرتاع عند ذلك ارتياعاً يزيد في اضطرابه، ويوهمه مفارقة حاله، بل يجب أن يفر إلى الله تعالى، ويستغيث به، ويستنزل المعونة من عنده، ويدوم على ذلك، وإن لم يجد للاستعانة الحلاوة التي كان يجدها من قبل لم ييأس من عوده إلى حالته، واستمر على البكاء والتضرع إلى الله تعالى، ومسألته كشف ما به، ويفزع إلى تنبيه القلب بقراءة القرآن بصوت شجي واستماعها من غيره.
و[لينظر] في حكايات المتقدمين ومواعظهم، ويستعين على ذلك بمذاكرة من يكون منهم في زمانه ومجالستهم، واستماع كلامهم، وتأمل أحوالهم، فإن كثر ذلك ودام حتى يغلبه الوسواس، استعمل ما ذكرناه في باب ما يستعان به على التوبة، واجتهد في تحصيل الخوف، وذكر نفسه آلاء الله ونعمائه ، فإن ذلك مما يقوي قلبه ويحبس عنه الشيطان.
واعلم أن ما كان من ذلك لغير سبب معلوم كان دفعه أسهل، وانحسامه أيسر، وعودة العبد إلى حالته الأولى أقرب، وما كان من ذلك لسبب ظاهر يعرفه المريد من نفسه، فإنه يحتاج أن يعمل في إزالة ذلك السبب ودفعه، ويستعين بالله على ذلك إنه خير معين.
ويكون بقاء هذا العارض وقوته بحسب قوة السبب الموجب له وبحسب بقائه، ومتى انحسم ذلك وجد المريد له روحاً في الحال، وانشرح صدره انشراحاً عجيباً، وعاد إلى حالته الأولى، وكان سبيل قلبه سبيل المشرفي يخرج من الصقال.
فليكن المريد متنبها عندما وصفناه وليستعمل ما ذكرنا، فإن الله تعالى بلطفه وفضله يغني من اتقاه، ولا يخيب رجاء من ارتجاه، وليكن دأبه ومعظم همه عند اعتراض هذا العارض التمسك بفعل الواجبات، والتنكب من المحظورات، وإن اختلت عليه النوافل والمجاهدة.
واعلم وفقك الله إلى الخير أن للشيطان كيدين يقطع المريد بكل واحد منهما عن سيره وقصده، ويرده عن طريقه ونهجه، ولكل واحد من الكيدين تفاصيل نحن نذكر جملها ليعرفها المريد ويحذر منها كل الحذر. فأحد الكيدين القاطعين له عن غرضه: أن يدعوه إلى القرب التي هي النوافل، وهي له في الحقيقة قواطع وشواغل، وذلك نحو أن يدعوه إلى تحصيل المال، ويوهمه أن يسد به خلة أهل الفقر والمسكنة ويعود به على الأرامل والأيتام، ويصلح الجسور والقناطير، ويبني به المساجد ويستعين به على الحج والغزو، فإذا سول له ذلك زين له الشح، وشغله بالجمع حتى يعود تاجراً إن كان من التجار، أو نائباً إن كان من أهل النيابة، أو عامل السلطان إن كان من العمال.
فإذا شغله بذلك حال بينه وبين همه وصرفه عن طريق المجاهدة، ثم يوشك أن يغلبه الهوى أو يرده على عقبيه وربما دعاه إلى الاشتغال بجمع العلوم، وأوهمه أنه يقمع به الملحدة، ويستنقذ به الضلال من الضلالة، والجهال من الجهالة، فيختلط بالعلماء والمتعلمين، وأكثرهم مائلون إلى الدنيا خاصة في زماننا هذا فيتخلق بأخلاقهم ويتحلى بحليتهم، فيدخل معهم في المنافسة وطلب الرئاسة.
وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى داود صلى الله عليه: يا داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم ان أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم، فيعادي على ذلك ويوالي، ويستعمل بذلك قلبه ويلهج فكره وينسى طريقه ويهجر ما كان آثره، فيتمكن منه الهوى والشيطان، فيدحض قدمه ويزيله عن سواء السبيل.
وربما دعاه إلى السعي في مصالح الناس والتحري لمنافعهم فيدعوه ذلك إلى مخالطة الكبراء وملازمة الرؤساء ومداخلة الملوك وحواشي الملوك حتى يجالسهم ويأنس بهم ويأنسوا به، فيفارق ما كان فيه، ويضيع ما كان يطلبه وينتخبه، ويغلب الهوى عقله، ويجد الشيطان إلى استهوائه جدداً لاحباً وطريقاً لائحاً، وهذه الجمل أكثر ما تعرض للمبتدئين منهم، والذين لم يألفوا حلاوة مقصدهم ولم يأنسوا بمطلبهم وإن كان الجميع منها على خطر.
والقاطع الثاني: هو أن يفتره الشيطان عن اجتهاده، وحمله النفس على المكاره في معاملته، بأن يورد عليه من الآفات ما يتعاطاه وغيره كالعجب والرياء، وما يجري مجراهما، ويوهمه أن اجتهاده ضائع، وربما أوهمه أن الضرر عليه في الاجتهاد أعظم من الضرر في تركه؛ لأنه إذا تركه سلم من الرياء والعجب، وإذا أخذ نفسه به لم يسلم منهما، فيضعف متنه ويوهن عزمه ونيته فيفتر عنه، ومتى فتر غلب هواه عقله، ورده على عقبه خائباً يائساً، ولم يزل به حتى يسلخه من الإرادة ويخرجه من جملة أهلها، وهذا الثاني أكثر ما يعرض لمن يخالط أهل التصوف من الإشارات والعبارات، فليحذر المريد جميع ذلك كل الحذر، وليدفع بجهده ما يجد من ذلك في خاطره وهمه، ويستغيث بالله عز وجل إنه خير مغيث.
وربما أوهمه العدو أن الاجتهاد والطلب لا يظفران بالمطلوب، ولا يوصلان إلى المقصود وأن الوصول عطية يعطيها الله تعالى من يشاء، وأن الطلب ربما كان حجاباً بين الله وبين عبده؛ لأن العبد إذا نظر إلى الطلب وسكن إليه كان ذلك سبباً للقطع فيذهله ذلك (عن المجاهدة، ويورثه فتوراً عظيماً يقطعه لذلك) وهذا إنما يعرض في الأكثر لمن يعاشر أهل التصوف على ما بيناه.
واعلم أن الوصول وإن كان عطيَّة من الله تعالى وتفضلاً فلا بد من الطلب: والاجتهاد وبذل الطاعة في تحصيل الغرض وهكذا وعد الله تعالى فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ69﴾ [العنكبوت] فلا يغتر المريد بهذه المكيدة فإنه لا يأمن أن يصرعه بها العدو صرعة لا نهوض معها عصمنا الله تعالى من ذلك.
وحُكي عن بعض الحكماء - وأظنه عن جنيد - أن في سيرة المريد ألف قاطع يقطعه، كل واحد منها يحول بينه وبين مطلوبه، فليحذر المريد هذه القواطع كل الحذر، وليكن في جميع أحواله مستغيثاً بالله عز وجل، لاجئا إليه خاضعاً بين يديه، متبرئًا من حوله وقوته، مستعصماً بحول الله وقوته عز وجل، وليعلم المريد أن الآفات وإن كانت كثيرة جمة فليس يجوز ترك الاجتهاد ليسلم من الآفات؛ [بل يجب أن يجتهد في دفع الآفات مع المقام على المجاهدة لما يزيد في قوة الآفات] لأن الآفات مصدرها للمريد عن قوة الهوى، وبحسب ازدياد قوتها تزداد الآفات، فليتصور ما بيناه المريد حق التصور، وليتدبر حق التدبر.. إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا القياس فهو كثير، وإنما ذكرنا منه اليسير.
وله دعوة جمع فيها من فوائد العلم الثمينة ويواقيته الشريفة ما يقضي له بالسبق في هذا الباب، وقد رأينا إثباتها في هذا الموضع، قال عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلواته على عباده المصطفين.
هذا كتاب من الإمام المؤيد بالله أبي الحسين أحمد بن الحسين بن هارون الحسني بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى من بلغه من المسلمين في أقاصي الأرض وأدانيها سلام عليكم، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ذو القوة والحول، والإفضال والطول، الذي جعل السماء بناء، والأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وخلقكم أطواراً، وأنشأ لكم أسماعاً وأبصاراً، أحمده رغباً ورهباً على تظاهر نعمه، وتضاعف قسمه، وترادف منحه وتتابع كرمه، وأومن به خاضعاً خاشعاً أنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد، المتعالي عن الأشباه والأنداد، والشركاء والأضداد، وأتوكل عليه موقنا أنه قاهر لا يرام، وقادر لا يضام، وقيوم لا ينام. توحد بالعلاء، وتفرد بالكبرياء، وحمد على النعماء، وعبد في الأرض والسماء، ذلكم الله ربكم له الدين واصباً أفغير الله تتقون ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ53﴾ [النحل] خلق عباده رحمة لهم وإنعاماً عليهم وإحسانا إليهم ثم لم يتكثر بهم عن قلة، ولم يتعزز بهم من ذلة، ولم يستأنس بهم من وحشة، فطر الأرض والسماوات، وجعل النور والظلمات، وأجرى الأفلاك الدائرات، والنجوم المسخرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قولاً صدقاً، أقولها تعبداً ورقاً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلواته عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيّاً، وعلى آله الطيبين الأخيار المنتجبين الأبرار، ابتعثه على حين شمخ الكفر بأنفه، ونأى بجانبه، وامتد على الخلق رواقه، وأحاط بهم نطاقه، وملأ البسيطة ظلامه، وظهر فيهم عتوه وغرامه، والخلق حيارى لا يبصرون، وضلال لا يهتدون، قد ملكتهم الجاهلية الجهلاء، وعمتهم الفتنة الصماء، ونور الحق قد آذن بالطموس، ومال بوجهه إلى العبوس، فأدى الرسالة، وأظهر الدعوة، ومحض النصيحة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، ونهض بأمر الله صادعاً، ولشتات الدين جامعاً، ولسلطان الكفر قامعاً، وللأصنام والأوثان خالعاً، وجاهد في الله حق جهاده، وهدى ضلال عباده إلى صراط الله المستقيم، ولدين الله القويم بأنور منار وأبهر سلطان، وأوضح سبيل، وأبين دليل، قد شد عضده من المعجزات بأعظمها قدراً، وأفخمها أمراً، وأبقاها أثراً، وأعلاها خيراً، ذلك كتاب الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ .... الآية ﴾ [الزمر: 23]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 193 عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 194 بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ195﴾ [الشعراء] قد جعله مأدبة للخلق، ووصلة إلى الحق، وطريقاً إلى النجاة واضحاً، وسبيلاً إلى الجنة لائحاً، من اعتصم به اهتدى، ومن أعرض عنه ضل وغوى، فيه بيان لكل شيء وهدى وبشرى للمحسنين؛ فلم يزل صلى الله عليه وآله وسلم يعلمكم تنزيله، ويفهمكم تأويله، ويشرح حلاله وحرامه، ويشرح قصصه وأمثاله، حتى اهتديتم به من حيرة العمى، واستوضحتم منهاج الهدى ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ103﴾ [آل عمران] حتى أدى حق الرسالة، وقام بشرط الأمانة، ووعظ ونصح وبلغ وأسمع.
ثم نقله الله إلى ما أعدّ له من كرامته، وأنزله منازل رحمته، واستأثر له ما لديه، وقبضه الله إليه راضيا عمله، قابلاً سعيه، فابتدأ كثير من الأمة في تبديل سنته، والالتواء على عترته، كأن لم يسمعوا قول الله حيث يقول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا33﴾ [الأحزاب]، وحيث يقول: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ61﴾ [آل عمران] فجعل الأبناء الحسن والحسين، والنساء فاطمة، والأنفس نفسه ونفس علي صلوات الله عليهم.
فانظروا كيف نزههم الله محققاً أنهم أولوا الصدق، ثم ألزم المؤمنين متابعتهم والكون معهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ119﴾ [التوبة] ولم يسمعوا ما أنزل الله في أمير المؤمنين عليه السلام حين تصدق بخاتمه راكعاً، إذ يقول عز وجل قائلا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ55﴾ [المائدة] وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطباً كافة أمته: ((من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله أولى، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقوله: ((إني تارك فيكم الثقلين)) وقوله: ((مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))، فتأملوا رحمكم الله كيف أوضح الحق وكيف قطع المعاذير، وانظروا إلى كثير من الأمة كيف غيروا وبدلوا حتى زاغوا وضلوا.
فأما أمير المؤمنين فنُكِثتْ بيعتُه جهراً وحُمِلَ على كثير مما كره قهرا: فمِنْ غادر به قد خذله وقاعد قعد عن نصرته، وناكث نكث على نفسه عقد بيعته، ومارق مرق عن طاعته، وقاسط قسط في إهمال ما أوجب الله تعالى من ولايته، وما ثبت معه على أمره إلا فريق من المهاجرين والأنصار الذين محضوا الإيمان محضاً، ورأوا طاعة الله فرضاً.
وقديماً عهد إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: ((يا علي إنك ستقاتل بعدي الناكثين والمارقين والقاسطين))، فلم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى قتله الأشقى، ومضى عليه الصلاة والسلام شهيداً، ولاقى ربه حميداً.
فانتصب للأمر بعده الإمام الوافر والقمر الزاهر، سبط النبي وسلالة الوصي الحسن بن علي صلوات الله على روحه في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، فرأب صدع الدين، ودعا إلى الحق المبين، ولم يأخذه في الله لومة لائم، إلى أن خذله أجناده، وقعد عنه أعضاده، وبسطت إليه الأيدي بالسوء، فجرح ودفع عما انتصب له، ودعي إلى سلم من كان له حرباً، وغصب على الأمر غصباً، ثم لم يرض بذلك حتى قتل مسموماً، ودفن مظلوماً.
فقام بالأمر بعده من ترك الدنيا وزينتها، وأراد الآخرة وسعى لها سعيها الحسين بن علي عليه السلام، فشهر سيفه وبذل نفسه، ونهض إلى العراق لمنابذة الفساق بعد ما دعي إليها ووعد النصرة بها، فتعاوره من حزب الشيطان من لم يزل مبطنا للنفاق، ومصراً على الشقاق، فقتلوه أقبح قتلة، ومثلوا به أشنع مثلة، وغودر صريعاً، ونبذ بالعراء طريحاً، وحُزَّ رأسه وحمل إلى من بان كفره، وظهر ولاح عناده وانتشر، وسبيت بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأطفاله كما سبيت ذراري المشركين، فلم يكن من المسلمين من يغضب لله ويذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان الجميع بين راض شامت، ومنكر ساكت، فعند ذلك شربوا الخمور وأعلنوا الفجور، ورفعوا حشمة الإسلام ولعبوا بالأحكام، واتسعت المظالم وظهرت المآثم، حتى لم يبق من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه.
ثم قام بعده الإمام الزكي والحبر الرضي زيد بن علي صلى الله عليه في عصبة قليلة شروا أنفسهم في سبيل الله، وسارعوا إلى الغفران، وتبادروا إلى الجنان، فعطفت عليهم الأشقياء من بني أمية سالكين بهم سبيلهم في جده فقتلوه وصلبوه وأحرقوه، ثم ألحقوا به الطاهر المطهر ابنه يحيى، فيا لبني أمية الويل والثبور، ويالهم السعير المسجور، غرتهم زهرة الدنيا فمالوا إليها، ورغبوا عن الآخرة فأعرضوا عنها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:16] ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ 44 فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ45﴾[الأنعام].
ثم جاء بنو العباس معلنين شعارنا، طالبين بزعمهم ثأرنا بادعائهم جدهم العباس وابنه عبد الله في متابعة أمير المؤمنين، وإظهار طاعته وإيثار ولايته، إذ لم يزل العباس يخطب بمتابعته السعادة، وعبد الله يطلب في الجهاد بين يديه الشهادة، فلما اتسعت أحوالهم بنا، واستوسقت أسبابهم باسمنا بغوا وطغوا، (وآثروا الحياة الدنيا، واقتفوا آثار الأكاسرة، وسلكوا منهاج الفراعنة الجبابرة، وجاهروا الله تعالى بكبائر الفسوق) ورفلوا في أثواب المروق، وجردوا علينا أسياف العقوق، وَسَنَّ مخذولهم الملقب بالمنصور في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتل الذريع، والحبس الفظيع، والأمر الشنيع، وأراق يوم الثنية دم محمد بن عبد الله النفس الزكية.
ثم قَتَل أخاه إبراهيم بن عبدالله، وحمل أباهما وعمومتهما وبني عمومتهما البررة الأتقياء السادة النجباء على الأقتاب؛ فعل أشباهه من بني أمية، ثم اقتدى به بنوه، وسلكوا سبيله واتبعوه، وأظهروا المناكير فالمناكير، وأضلوا الجماهير فالجماهير، فيا عجباً لمن ينتصب على الأعواد في الجمعات والأعياد، يشهد لهم على الله بالزور وهم منهمكون في الفجور أما يتقي الله الجبار؟ أما يتقي الله القهار؟ أما يخاف يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟
عباد الله: إني قد رأيت أسباب الحق قد مرجت، وقلوب الأولياء به قد حرجت، وأهل الدين مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، ورأيت الأموال تؤخذ من غير حلها وتوضع في غير أهلها، ووجدت الحدود قد عطلت، والحقوق قد أبطلت، وسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بدلت وغيرت، ورسوم الفراعنة قد جددت واستعملت، والآمرين بالمعروف قد قلوا، والناهين عن المنكر قد وهنوا فذلوا، ووجدت أهل بيت النبي عليهم السلام مقموعين مقهورين مظلومين، لا يؤهلون لولاية ولا شورى، ولا يتركون ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم فيئهم، فهم يحسبون الكف عن دمائهم إحسانا إليهم، والانقباض عن حبسهم وأسرهم إنعاماً عليهم، يطلبون عليهم العثرات ويرقبون فيهم الزلات، ووجدتهم في كل واد من الظلم يهيمون وفي كل مرعى من الضلال يسيمون، (ووجدت أملاك المسلمين) تغصب غصباً، وأموالهم تنهب نهباً، ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ10﴾ [التوبة] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا10﴾ [النساء] ووجدت الفواحش قد أقيمت أسواقها وأديم نفاقها، لا خوف الله يَزَع، ولا حياء الناس يمنع، بل يتفاخرون بالمعاصي، ويتنابزون ويتباهون بالإثم، قد نسوا الحساب، وأعرضوا عن ذكر المآب والعقاب، فلم أجد لنفسي عذراً إن قعدت ملتزماً أحكامهم، متوسطاً أيامهم، أؤنسهم ويؤنسونني، وأسالمهم ويسالمونني، فخرجت أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين.
أيها الناس أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيئه والرضا من آل محمد ومجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين، وإني كأحدكم لي ما لكم وعلي ما عليكم إلا ما خصني الله به من ولاية الأمر ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 31] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
أيها الناس؛ سارعوا إلى بيعتي، وبادروا إلى نصرتي، وازحفوا زحفاً إلى دار هجرتي، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وبهجتها، فإنها ظل زائل وسحاب حائل، ينقضي نعيمها ويظعن مقيمها، والآخرة خير وأبقى أفلا تعقلون: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
أيها الناس؛ مهما اشتبه عليكم فلا يشتبه عليكم أمري، أنا الذي عرفتموني صغيراً وكبيراً، ورحمتموني طفلاً وناشئا وكهلاً. قد صحبت النساك حتى نسبت إليهم، وخالطت العباد حتى عرفت فيهم، وكاثرت العلماء وحاضرت الفقهاء، فلم أخل عن مورد ورده عالم بارع، ومشرع شرع فيه متقن فارع، وجادلت الخصوم نضحاً عن الدين، ونضالاً عن الحق المبين، حتى عرفت مواقعي، وكتبت وحفظت طرائقي وأثبتت، هذا وما أبرئ نفسي في أثناء هذه الأحوال ومجامع هذه الخصال من تقصير وتعذير، ولا أزكيها بل أتبرأ إلى الله من حولها وقوتها، وإن جميع ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم.
وأما نسبتي إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدونه فلق الصباح، ولا عذر لكم أيها الناس في التأخر عني والاستبداد دوني، وقد ناديت فأسمعت؛ لتجيبوا دعوتي، وتتحروا لنصرتي، وتعينوني على ما نهضت له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].
ألا فأعينوني على أمري، وتحروا بجهدكم نصرتي، أوردكم خير الموارد، وأبلغكم أفضل المحامد. عباد الله، أعينوني على إصلاح البلاد، وإرشاد العباد، وحسم دواعي الفساد، وعمارة مناهل السداد.
ألا ومن تخلف عَنِّي وأهمل بيعتي - إلا لسبب قاطع أو لعذر مانع بَيِّنِ الحجة - فإني أجاثيه للخصام يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم الآزفة، فأقول: ألم تسمع قول جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يُجبها كبّه الله على منخريه في النار)) ألا فاسمعوا وأطيعوا ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ....الآية﴾ [التوبة: 24] فلتتفق كلمتكم وليجتمع شملكم ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
ألا وقد سلكتُ سبيل من مضى من آبائي الأخيار، وسلفي النجباء الأبرار في منابذة الظالمين، ومجاهدة الفاسقين مبتغيا به مرضات رب العالمين، فاسلكوا أيها الإخوان سبيل أتباعهم الصالحين، وأشياعهم البررة الخاشعين في المعاونة والمظاهرة والمكاثفة والمؤازرة، وتبادروا رجالاً وسارعوا إليَّ أرسالاً، وإياكم والجنوح إلى الراحة طالبين لها وجوه العلل، مغترين بما فسح الله لكم من المهل، وعن قليل يُحِقُّ الحق ويبطل الباطل، ويعاين كل امرئ ما اكتسب، ويُجازَى كل بما اجترم ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: 25] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44].
تمت الدعوة بحمد الله تعالى وحده وصلواته على محمد وعلى آل محمد.