هو: أبو طالب يحيى بن أبي الحسين أحمد بن أبي القاسم الحسن المؤيد بالله عليهم السلام بن أحمد بن أبي القاسم الحسين بن المؤيد بالله عليهم السلام، وكان حافظاً لمذاهب أهل البيت عليهم السلام بمتونها وتعاليقها، غزير العلم وافر الفهم جامعاً لخصال الإمامة.
ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)
وكان خروجه بجيلان سنة اثنتين وخمسمائة، ودان له الأكثر من بلاد الجيل، واتصل أمره إلى هوسم، وسرى أمره إلى جبال ديلمان، فعارضه شريف حسني طرده من هوسم إلى لياهجان.
ثم انتهى الحال بعد ذلك إلى أن قويت شوكته، فطرد هذا الشريف من جيلان وديلمان.
وذكر بعض نقلة أخباره: أنها حدثت حمرة عظيمة ملأت الأفق في السماء، فأمر من يسأل العلماء وجمعهم فقيل له: إن هذه الآية من عند إبراهيم عليه السلام في أنه لا يحدث في ولده أمر يرفعهم إلا خرجت هذه الآية.
وأخبرني الفقيه الفاضل الزاهد بهاء الدين علي بن أحمد الأكوع رضي الله عنه أنه حدث مثل ذلك في أوائل أيام الإمام المنصور بالله عليه السلام.
وكانت أكثر حروبه مع الباطنية، قتل في يوم واحد منهم ألفاً وأربعمائة مع الثلج، وأخذ من قلاعهم ثماني وثلاثين قلعة، وافتتح من البلاد مسيرة اثنتي عشرة ليلة من كل جهة، وبنى حول قلعة ابن صباح أربع قرى حاصرهم وغزاهم في البحر إلى قرية لهم فأخذها بالحصار، فصالحه كبارهم وضمن عليهم.
فكان إذا أخطأ منهم مخط لزم الضمين، وكان من لزمه الحد من كبارهم أقامه عليه، ثم يطرحه في البالوعة ويعفر وجهه ورأسه ويضرب به الأرض ويركس بالنعال.
وأقام أربع عشرة سنة ما يخرج من الجوسق وحده إلا للصلاة خوفاً من مكرهم ومكيدتهم؛ لأنهم أهل غيلة متناهية في تلك الناحية، وكان لا يقبل لهم توبة، ويأخذ أموالهم ويسبي ذراريهم، وكان يقتل من خالط الباطنية مختاراً، حتى أمر بقتل سبعة أنفس فيهم رجل رأى ملحداً صلحاً ولم يتميز عن الستة وقال: القاتل والستة في الجنة والواحد في النار.
وصلب ثلاثة أحياء، ومذهبه أن الصلب للحي، وهو مذهب كثير من العلماء.
وكاتبه في وقته صاحب عمان وكان زيديًّا محبًّا مناصراً له، وكانت حاشيته وغلمانه ومن أجابه اثني عشر ألفاً على مذهب الهادي ، وخدامه كانوا كلهم يصلون، ولم يكن يستعين من الفاسقين إلا بمن يصلي، وكان له عليه السلام من الهيبة ما لم تكن لأحد قبله، وكان يضرب الطبول لاجتماع الناس وللبشارة، وكان يجتمع عنده في الوقت خلق كثير إلى ثلاثة آلاف وأكثر عند الحاجة، وكان يركب الفرس من الأرض، وكانت له غاشية على سرجه يركب بها خيفة من سم الباطنية، ويرقى من المنبر درجتين.
وكان وصل إلى صعدة من جهته القاضي أبو طالب نصر بن أبي طالب بن أبي جعفر فقيه الزيدية في عصره وعالمهم، اجتمع في خزائنه من فنون العلم اثنا عشر ألف كتاب. وكانت وصلت دعوته عليه السلام إلى اليمن سنة إحدى عشرة وخمسمائة إلى الأمير المحسن بن الحسن بن الناصر بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن المختار بن الناصر بن الهادي إلى الحق عليه السلام فقام لها أحسن قيام، ونفذت أوامره في صعدة ونجران والجوفين والظاهر ومصانع حمير، ثم قتله أهل صعدة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وولده غدراً، فقام بثأره السيد الشريف الواصل من الديلم من جهة الإمام أبي طالب عليه السلام، هذا وأخرب صعدة، وعاونه على ذلك شيخ الشيعة في وقته محمد بن عليان بن أسعد البحيري، وأمدهم الأمير غانم بن يحيى بن حمزة السليماني بمال كثير، وقال محمد بن عليان شعره الذي أوله:
تألبت الغوغاء من أهل صعدة.... وهي إلى خمسين بيتاً.
ذكر أولاده ووفاته (ع)
وتوفي الإمام أبو طالب عليه السلام في قرية (قيتوك) من قرى تنهجان من أرض الديلم في سنة عشرين وخمسمائة، وأوصى بأن يدفن سرّاً لا يعرف مضجعه مخافة أن لو غلب الملاحدة على تنهجان لنبشوا قبره وأحرقوه، فهو لا يعلم موضع القبر على التعيين وإنما يظن ذلك.
ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام
ومن محاسن كتبه عليه السلام عهد كتبه للشريف السيد شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن الهادي رحمة الله عليهما، لما أمره بالخروج إلى اليمن سنة إحدى عشرة وخمسمائة قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من المؤيد بالله أمير الأمة والمؤمنين، الحمد لله الذي شرف هذه الأمة بعد نبيها بالأئمة، وجعلهم إكمالاً للنعمة، وإتماماً للأمة، وجمل الأئمة بالخلفاء الهداة، والقضاة والكفاة، وسائر من ينوب عنهم من الولاة، وجعل الخلافة والقضاء بالحق من جملة الفرض، وشرع تفويضه إلى من زكا في الدين والعرض، وصيره ذريعة إلى نصرة الحق وشريعة لتعديل الخلق وإظهار الصدق، ووضع الخلفاء والحكام ما بلغ النهاية في الإتقان والإحكام، من القياس القويم، والقسطاس المستقيم، ليزنوا بهما الدعاوي، ويميزوا الراجح والمساوي، وطرق سبيلاً إلى الردع بما هداهم إليه في الشرع من البينات والأيمان، والتنكيلات في الأسجان، ليحترس من القوي والضعيف ويحترس من الغالب اللهيف، كما وعد أن يضع الموازين القسط ليوم القيامة: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71].
هذا ما عهد الإمام الحق أبو طالب يحيى بن أحمد بن الحسين الهاروني عليه السلام إلى السيد الأجل العالم الزاهد تاج السادة شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن الهادي بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعز الله رايته حين سيره وخيره، وشاهد منظره ومخبره، وعرف فيما لم يعاين خبره، ألفاه سهماً في النفاذ والمضاء، شهماً في أبواب الخلافة والقضاء، مستقلاً منه بالأعباء مستقبلاً بين الألباء، خليقاً بأسباب الكفاية، حميداً في الورع والرعاية، مستخلصاً لما يناط برأيه من الولاية، شهيراً بالتوقي والوقاية، حازماً في الأمور، جازماً بين الجمهور، بصيراً بطرائق الشرع، خبيراً بعلائق الأصل والفرع، نقيًّا من الأوهام والريب، زكيًّا في أقسام الرتب، ناشئا على المجد والرشاد، كافيا للاجتهاد والاحتشاد، بريء الساحة من المقابح، نقي الراحة من الفواضح، نزه النفس من الأدناس بعيد الهمة عن هذه الأجناس، وولاه وفوض إليه الخلافة والقضاء ما بين مكة إلى عدن، وسائر نواحي اليمن الأقصى قصبتها ومخاليفها، مدنها وبواديها ومن بلغه الخبر في ناديها ينفذ أمره ما بين أهالي هذه البقاع، ويمضي على من يتحاكم إليه من أهل هذه الأصقاع، وألقى إليه مقاليد الخلافة والأحكام، وقلده أمر النقض والإبرام، ليقضي فيما بينهم بالحق، وينظر في أحوالهم متحرياً للصدق، فإن قبلوا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد.
وآمره أن يستشعر طاعة الله وتقواه، ويؤثر مراده ورضاه، فيما أعلن من أمره وأخفاه، وأن يدرع درع طاعته كنه قدرته واستطاعته، وأن يستخيره فيما يختاره ويمضيه، ويستجيره فيما يجيزه ويقضيه، وأن يعتصم به في إقامة حقه، ويتوكل عليه في جل أمره ودقه وأن يستمد معونته، ويطلب معونته ويفزع إليه فيما ينوبه وينويه، ويعتمد عليه فيما يذره ويأتيه، فالتقوى طريق الإسلام والاستسلام والاعتصام بتخير الأعلام والاستعلام، والاستخارة قوام ما يقترن به الإيثار، وربك يخلق ما يشاء ويختار، والتوكل داعية الاستثبات والانتظام، والاضطلاع بالأمور العظام، فعليه توكلوا إن كنتم مؤمنين.
وآمره أن يسلك طريقة العدل والإنصاف، ويترك سبيل العسف والإجحاف، وأن لا يصل من ولي هداه، وأن يسوي في الحكم بين أوليائه وعداه، وألا يتخطى الحق ولا يتعداه، بل يحكم بالسوية، ويقضي بعدل فيما يبرم ويمضي، كي لا يلحقه استرابة، ولا ينسب إليه معابة، وأن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه، وقوله وفعله، بين القوي والضعيف، بحيث لا يكون عنده أقوى من الضعيف حتى يأخذ الحق له، ولا أضعف من القوي حتى يأخذ الحق منه.
وآمره أن يمنع التهارج والحيف، والتلاحي في لم وكيف، وأن لا يفضل فيه شريفاً على مشروف، ولا ينقص منكوراً عن معروف، ولا يزيد غنيًّا على فقير، ولا قويًّا على كسير؛ ما جمعهما التخاصم وضمهما التحاكم، وأن يميل مع الحق حيث مال، ولا يدع التعديل والاعتدال، بل يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، وأن لا يتعصب في المذهب عند الحكم لمن يؤالف، ولا يتعصب لخلاف من يخالف، وأن لا يغتر بصراخ الضعفاء وبكاهم ولا بصياح الفقراء واشتكائهم، فكم من خونة يشككون ويشكون، كما جاؤوا أباهم عشاء يبكون، يعتدون سراً ويستعدون علانية، ويعتدون بالوهم البعوض سانية، وأن يتبع الرأي الصائب الوثيق، ويحذر الأدعية التي تدعى المنجنيق، فدعوة المظلوم مستجابة وإن تراخت عنه الإجابة، والظلم مطعمه وخيم، ومرتعه ذميم، وأقبح ما يكون من القادر النبيه، والحاكم المتصف بالتنزيه.
وكل كسوف في الدراري شنيعة ولكنه في الشمس والبدر أشنع
والخلفاء والقضاة كغيرهم مسئولون عما خولوا، ومرتهنون بما حملوا ومأخوذون بما حملوا: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] وليعلم أنه علام الغيوب، وبيده أزمة القلوب: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] يبصر ما كدر وصفا، ويعلم السر وأخفى، ولا يضمرن لأحد ضرّاً ولا يضمن عن أحد نصرًا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36] ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 20].
وآمره بتقديم الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، فيما يستنبط منه العلم، ويستخرج منه الحكم، فيبدأ بأعلاها طبقة، وأسناها درجة، وأسبقها حكمة، وهو الحق اليقين، والنور المبين، كتاب الله العزيز، وحرزه الحريز، الهادي إلى الرشد، والمنادي لدى الحشد، والحجة في التعرف والتعريف، والباقي مدى التكليف، المنجي من الردى، والمرجى نحوه الهدى، والمصباح الأزهر، والصباح الأنور، والمهيع الألوح، والمشرع الأروح، والعهد الذي لا يفسخ، والقصد الذي لا ينسخ، والمتين الذي لا يتضعضع، والمكين الذي لا يتزعزع، تجد عنده اليمن والأنس، وعجز عنه الجن والإنس، وانتفى عنه العمى واللبس، وسكن إليه اللب والنفس، شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، فمهما حزنه مشكل، أو دهاه حكم معضل، فزع إلى نصوصه، وفحص معنى عمومه وخصوصه، وائتمر بأوامره، وانزجر عن زواجره، وقام بحدوده، وعمل بعهوده، ولم يعده إلى ما عداه، ما وجد فيه نصاً أو فحواه، فهو الأصل لما سواه، لا تفترق مبانيه، ولا تختلف معانيه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
وآمره إذا أعوزه في هذه المظنة أن يتطلبه فيما يتلوه من السنة فيتخذه للقضاء فصلاً، سواء ثبت قولاً أو فعلاً، فهو الحجة الثانية للقرآن، والمحجة التالية للفرقان، والمضاهي له في الحجة وإن فاضله في البهجة، والمداني في الإيجاز، وإن لم يبلغ حد الإعجاز، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، إذا تواتر أوجب العلم والعمل، وإذا تقاصر فروي بطريق الآحاد لزم العمل. فهما في وجوب العمل سيان، وإن اختير الظن عند الآحاد، وجرى التواتر مجرى العيان في الفؤاد، فإن تعارض الخبران، وتناقض المخبران، فسبيل المجتهد أن يبحث عن التأريخ، فإن وجد وإلا عمل على الترجيح، فيأخذ عند ذلك بالتحقيق، أو سلك طريقة التلفيق، إن رفع فيهما إلى المضيق أو يعدل إلى ما سواه من الدليل إن لم يتمكن من التأويل، ففي السنة الخروج من السنة إذا لم تكن الآية بالممكنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] فسبيل المجتهدين فيه أن يتنبهوا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وآمره إذا أعوزه ما تعلق من هذين بالسماع إلى طلب شاهد الإجماع فالإجماع يجري بعد الكتاب والسنة للمتمسكين مجرى الجنة، والطريقة الهادية إلى الجنة، من حيث دل الأولان عليه، وأشار الأفضلان إليه، واعتمد المسلمون أولاً وآخراً عليه، فمهما وجد في إجماع العترة مندوحة عما عداها، ساق مطية الطلب إليه وحداها، فإن وجدهم موافقين لسائر الأمة كان المدار عليهم لجلاء الغمة، وإن لم يجد لهم إجماعاً ولا للأمة، طلب الحق من أقوال ذي العصمة من الأئمة، فذلك يقوم مقام قول نبي الرحمة، وهم الوصي والسبطان، عليهم صلوات الملك الديان، وإليه أشار الرسول لمن سمعه حيث يقول: ((عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ معه)) وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
وكما قال تعالى لآل إبراهيم: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: 78].
وآمره إذا لم يجد شفاء الصدور في هذه الأساس، أن يفزع إلى الاستنباط والقياس، ويتأنق في رد الفروع إلى الأصول، ليظفر من الغرض بالمحصول، متخذاً فكره مطية الوصول، فما وجد له أصلاً عتيداً وركنا وطيداً وأساساً مهيداً قريباً أم بعيداً أو شبيهاً مديداً ألحق به حكم الفرع، وقضى حق دلالة الشرع، وحقق فيه تعليلاً، وعلى العلة دليلاً ثم عول عليه تعويلاً، فلابد في كل حادثة من حجة، وإن كانت ربما ولجت غموضاً في لجة، فيستدعي مثيراً ذكيًّا، ومستنبطاً زكيًّا يلزم طريق التهذيب والتنقيح، ويشرف على حقائق التشذيب والترجيح، ولا يمهل أقصى المطايا إلى الروايا، فعسى أن يتيح الله للحادثة وجهاً، لا يجد له في الوجوه شبها مقويا للظن المطلوب في الحكم المرغوب، هذا إذا لم يجد للإمام القاسم والإمام الهادي وابنيه عليهم السلام - عليه نصًّا، بعدما فحص عنه فحصاً، فإن وجد له نصاً صار إليه، وقصر حكمه عليه، وإن لم يجد له من النص ما يرجع إليه، والأقرب إليه ما ينزل لديه ومال إلى سائر أقوال الأئمة إذ كان الحق لا يخرج عن هذه الفرقة المهدية، وإنما يعدل إلى الاجتهاد إذا لم يجد شيئا من هذه الأمهات، وهي المتون والعيون: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وآمره أن لا يخل بمحاورات العلماء، ومناظرات الفقهاء، واستشارة البصراء واستثارة آراء النظراء، والتثبت في النظر والارتياء، غير متعسف عند الخفاء، ولا متوقف عند انكشاف الغطاء، وتبين الرشد من الغي، والصواب من الخطأ فالآراء مشتركة، والطرق مشتبكة، والمدار على ما يؤتيه الله من الذكاء، وجودة القريحة والسناء، ودراسة كتب الأجلاء دون الاتكال على تقليد الكبراء والاستنابة إلى أرباب الاسماء، والتوفيق من رب السماء، والتحقيق رائد الذكاء، والتدقيق والنظر سبب النماء، والحق للطالب بالحداء ما فرط الله في بيان الأشياء، ولا فرط فيه خاتم الأنبياء، وإنما يؤتى المخطئ من متابعة الأهواء، والاغترار بمتابعة السفهاء، والإعجاب بدعوى الكبرياء، والتنفق والتشوق بالرياء، واستبدال الظلام من الضياء، والرضى بسوء القضاء: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وآمُرُه برفع الحجاب، وقمع الهوى والإعجاب، والتثبت في الجواب، وترك الإكرام والإعجاب، وفتح الباب للأجانب والأصحاب، وتمييز الخطأ من الصواب، وترك التضجر عند الاكتئاب، والملال من الإكثار والإطناب والإعراض عن تقديم الاغنياء وذوي الأخطار، والاحتساب على الفقراء والضعفاء والأذناب والتسوية بين الأعداء والأحباب: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
وآمُرُه بنصح الخصمين إذا أحس منهما بالمين، وأن يوعد المتداعيين بسوء المغبة عند التزوير، ومحاسبة رب العزة بالنقير والقطمير، وبعذاب الله للظالمين والمنغمسين في الإثم باليمين، ويعظهم بالحطمة عند طلب الحطام، وبالقارعة عند القراع واللطام، وبالساعة عند ابتلاع الوساعة، وبالآزفة عند الأيمان العاسفة، وبالنار عند اختيارهم لها على الشنار، وبالأغلال عند الفرية والاعتلال، وبالموازين القسط لمن قصد وجار عن الاعتدال، وبالأنكال والجحيم لمن نكل عن الصدق القويم، وبالزقوم والحميم لمن مال عن الحق للصديق الحميم، وبإنطاق الجوارح من ذب عن الجانح الجارح: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ24﴾[النور].
وآمره أن لا يلقِّن أحد الخصمين الحجة ولا يمكن الوكلاء من المعاون لجة، أو يسلطوا على أحد منهما سخطة أوضجة، أو يرتشوا فيتركوا لأجل النفع محجة، ويعلوا في سوم الوكالة فيصدوا عن طلب الحق بما يشعرون من الجعالة، وربما أوفي أجر الوكيل على ما يدعي من القليل، فيضطر الناس إلى ترك الحق حذراً مما يشاقه من المحق.
وآمره بأن يمهل عند عرض اليمين عن منكر المال ريث اشتغاله بالبحث عن جور اليمين والسؤال، فربما شك الحالف في كيفية الحال والقبض عن كشف القناع في ذلك المقام فزعاً من تعجل الخصم للانتقام، وربما خاف ذا الجلال والإكرام، فيريد أن يسلك طريقة التحرج عن الإقسام، والتورع عن طلب الحرام، فلا يضيق عليه ليميز جائز الإقدام من محظور الإحجام إلى أنحاء ذلك من أغراض الأنام، وهكذا يتثبت في تعديل الشهود وجرحهم وقبولهم وطرحهم واختيار الصالحين من المزكيين والجارحين، فقد كثر في هذا الباب التدليس، وعظم التجويز والتلبيس، وقل الصدق في الناس والأمانة، وفشا الطمع والكذب والمين والخيانة، وأخلق في أعين الأكثرين التدين والصيانة، وندر التعفف الحقيقي والديانة، وصارت الشهادة صناعة وحرفة، والأمانة والتورع طرفة، يستأكلون بالأكاذيب، ويلبسون مسوك الشياه فوق قلب الذيب، يراءون الناس ولا يخافون البأس، يحتالون طويلاً ولا يذكرون الله إلا قليلاً، فإن لم يجد معدِّلاً ولا معدَّلاً ولا مزكيا معوِّلاً، باشر بنفسه الفحص عن الأحوال ليستبين الصواب من المحال، فما وثق به من أخبار الرجال مجانباً طريقة الاستعجال، وما فلق الظن فيه ترتب وتثبَّت: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ6﴾ [الحجرات]. ويقدم للشهود أيضاً عظات ولا يدع الوكلاء يلقنوهم لفظات، فالعامة عمي عن مراشد الحق، بكم عن مواقف الصريح من الصدق، والوكيل يجعل الكودن جواداً لتجلده، ويصير البليد ذكيا مع تبلُّده: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ15﴾ [النور] فإن عثر على شاهد زور تعمده، بالغ في زجره، وأوعز إلى الناس بهجره، وشهر إلى الناس حال إفكه وهجره، ومتى رجع عن شهادته ضمنه ما يلزمه بحكم الشرع بعد مبالغته في الزجر والردع، وإن عثر من المزكي على مسامحة وتسمح ومساهلة عزله أوحى عزل، وعذله أدهى عذل، وكشف للناس قناع مخازيه، فالله، معاقبه ومجازيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ81﴾ [يونس].
وآمره بمن لم يصل إلى مجلسه ممن نأى من أقطار ولايته أن يستخلف من يثق باستقلاله وكفايته وورعه ورعايته في تنفيذ الأحكام، ويحكم بما يحكم به سائر الحكام، ويعينه على الحكم بين أولئك الإخوان، فإنما الدين بالأعوان، وأن يؤدي إلى المصلحين عند طلبهم الصلح ليكون أدنى إلى الفلاح والنجاح: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 129].
وآمره بحفظ أموال اليتامى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فإن لم تؤنسوا الرشد توقع أن يصلح الله تعالى حالهم، ويتقدم إلى من ينصبه من ثقات الأوصياء، ومن ثبته الله من الأولياء كالأجداد والآباء للمنقصي العقول والقاصرين عن المعقول أن يجروا على حكم الشفقة؛ لئلا يذهب رأس المال بالنفقة، وينصب على من يتهم مشرفاً يراعي دخلهم، ويستدرك إن جادلوا دغلهم. وأن يعرف من جنف والتوى؛ لئلا يلحق بالمال التواء؛ ولئلا يأكله الولي والوصي، كما يأكله القصي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
وآمره بإنكاح الأيامى عند فقد الأولياء أو عضلهم إياهم عن الأكفاء أو غيبتهم عن الأقرباء عند اجتماع الشرائط وانتقال الولاية، وحصول الكفاءة والرغبة في الكفاية، الإمام ولي من لا ولي له؛ فإذا حصلت الشروط ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232] بعد أن تعلموا انتفاء موانع النكاح، فإذا كملت الأسباب وخطبهن الخطاب: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ32﴾ [النور].
وآمره إذا عثر على أموال المصالح والمستهلكات، والمنارات والمستدركات أن يضبطها أحسن ضبط، ويقف منها عند أبين شرط إلى بيت مال المسلمين، فقد كفاه الله القيام بأسبابها وأباح له كف الإمامة في عابها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ33﴾ [آل عمران] ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا54﴾ [النساء].
وآمره أن يرتاد لحفظ الوثائق والسجلات من الحجج والبينات من أحاط علمه باحتياطه، وأمن زلل غلطه واختباطه، ووثق بعفافه عن المطامع الدنية، وكفه عن المطاعم الرديه، وتيقظه عن الغفلة والسهو، وتحرزه من الغلط واللهو، فتلك الحجج هي المفزع للناسين، والمرجع للساهين، فما حُفظ مَرَّ وما كُتب قَرَّ، والقيم بها قائم بين الإثم والعار وبين الجنة والنار، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
وآمره بتأديب من يستحق التأديب والتعزير، وحبس من يستحق الحبس والتسخير، وأن لا يخلي سرية إلا برضى صاحبها دون شفاعة أحد من الخلق، والتوكيل لمن يرى التوكيل والتنكيل لمن يستاهل التنكيل، ويأخذ من يطلب الكفيل، ويضيق على من يلزمه الإرهاق والتضييق، ويخفف من يحق له التخفيف والترقيق، فإن ظهر إعسار المحبوس: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ280﴾ [البقرة].
وآمره أن يتخير الأوقاف عند فقد من ولاه الواقفون أو خيانتهم من يثق بأمانتهم، فيوليهم أمرها، ويتعرف كل حين خبرها؛ فإن وجد على طريق النصفة قررها في يده، وإن مال إلى المعسفة سعى في إصلاح أوده، أو صرفه عن عنده، فالأوقاف صدقات لا يصلح لإمساكها إلا الصادقون، ولا يعزل عنها إلا الفاسقون، فاتقوا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ128﴾ [النحل].
وآمره أن لا يستكتب إلا من كانت معارفه قوية وبصائره سوية وديانته قويمة وإصابته عزيمة ومطامعه كريمة دون من يفتر عن الجشع، أو يغتر عن الطمع.
وآمره بأن يقرر حكومات من كان قبله من قضاة المسلمين، وأن لا يتعرض لشيء منها بالتغيير والفسخ، والتبديل والنسخ، ما لم يخالف نصاً من الكتاب والسنة مقطوعاً أو إجماعاً قد خالفوه مفرقاً أو مجموعاً، حينئذ يدفع عنه ما كان مدفوعاً، ويرفع ما صار مرفوعاً، من تعرض لحكم من قبله بالنقض من غير حجة داعية إلى الدحض، فليوطن نفسه على مثل صنيعه، وليرض بمثل تقطيعه، وكمن يؤذن بالانقضاء إلى يوم فصل القضاء، فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، والظن لا يتعرض على الظن الواقع بالإشهاد: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ 38 إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ39﴾ [المدثر].
هذا ما عهد الإمام الحق أبو طالب يحيى بن أحمد بن الحسين الهاروني الحسني إلى السيد الأجل العالم الزاهد تاج السادة شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن الهادي بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعز الله رايته، ولَّاه اليمن سهولها وجبالها وما تضمنه من أعمالها وما والاها، ولاه أمرها، ونفذ في جميع فعله وقوله وعقده وحله وتولية من شاء من خلفائه فيها وعزله سوى من اخترناه قبل ذلك بالإمارة، وسبقت منا إليه الإشارة، فإنه يجري على طريقته، وينفذ أمره على سننه وسيرته بمشورة السيد الأجل العالم الزاهد تاج السادة شرف الدين أدام الله عزه في قليل أمره وكثيره، ثم فلو تغير عما كان قلبه وتبدل عما كان عليه قوله أو فعله فلينه إلينا خبره، ويبين لنا أمره وعذره لننظر فيه كيف تعملون، فليتقلد ما قلده إياه، وليرع ما استرعاه، وليع من شرائط ما فصله في هذا العقد واستوعاه، وما بصره فيه من سبيل الرشد وهداه، وليحذر مخالفة ما آمره به من أولى هذه العهدة إلى آخرها، فقد فصلها وأجراها، وليخف الله جل ثناؤه في العدول عن العدل والوقوع عن الخذل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ90﴾ [النحل] وليستعن بالله يعنه، وليسترعه يرعه ويؤمنه، وليتوكل عليه يزده، وليسترشده يرشده: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا3﴾ [الطلاق] وسبيل رعايانا أن يجيبوا أمره ولا يعصوه ويعضدوه وينصروه، ويأتمروا بأمره، وينزجروا بزواجره ما أطاع الله ورسوله، فإن خالف الحق فارفضوه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ14﴾ [الصف].
أيها الناس من أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله ورسوله، ومن عصاه فقد عصانا ومن عصانا فقد عصى الله ورسوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].
فليعلم إخواننا حفظهم الله تعالى أن مولدنا في ديلمان، ومنشأنا بين جيلان وطبرستان والعراق وخراسان، وأهل هؤلاء البلدان ليسوا من أهل اللسان والبيان، بل عجم بكم عن العربية، ولسان العجم لا شك عجمية، وأدباء العجم وإن بلغوا في الفصاحة الثريا فلا تلحق فرسهم فرس العرب العرباء، ولاسيما وقعت بين الخطتين وقائع بين الجمرتين سرّاً وجهاراً ليلاً ونهاراً، [حالت دون] التفرغ إلى تهذيب الكتاب وإلى ترتيب الخطاب، فما وقع بالكتاب من الخلل وبالكتابة من الزلل من هاتين الجهتين فأنا معذور، والله غفور شكور.
قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة
هو: أبو طالب يحيى بن أبي الحسين أحمد بن أبي القاسم الحسن المؤيد بالله عليهم السلام بن أحمد بن أبي القاسم الحسين بن المؤيد بالله عليهم السلام، وكان حافظاً لمذاهب أهل البيت عليهم السلام بمتونها وتعاليقها، غزير العلم وافر الفهم جامعاً لخصال الإمامة.
ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)
وكان خروجه بجيلان سنة اثنتين وخمسمائة، ودان له الأكثر من بلاد الجيل، واتصل أمره إلى هوسم، وسرى أمره إلى جبال ديلمان، فعارضه شريف حسني طرده من هوسم إلى لياهجان.
ثم انتهى الحال بعد ذلك إلى أن قويت شوكته، فطرد هذا الشريف من جيلان وديلمان.
وذكر بعض نقلة أخباره: أنها حدثت حمرة عظيمة ملأت الأفق في السماء، فأمر من يسأل العلماء وجمعهم فقيل له: إن هذه الآية من عند إبراهيم عليه السلام في أنه لا يحدث في ولده أمر يرفعهم إلا خرجت هذه الآية.
وأخبرني الفقيه الفاضل الزاهد بهاء الدين علي بن أحمد الأكوع رضي الله عنه أنه حدث مثل ذلك في أوائل أيام الإمام المنصور بالله عليه السلام.
وكانت أكثر حروبه مع الباطنية، قتل في يوم واحد منهم ألفاً وأربعمائة مع الثلج، وأخذ من قلاعهم ثماني وثلاثين قلعة، وافتتح من البلاد مسيرة اثنتي عشرة ليلة من كل جهة، وبنى حول قلعة ابن صباح أربع قرى حاصرهم وغزاهم في البحر إلى قرية لهم فأخذها بالحصار، فصالحه كبارهم وضمن عليهم.
فكان إذا أخطأ منهم مخط لزم الضمين، وكان من لزمه الحد من كبارهم أقامه عليه، ثم يطرحه في البالوعة ويعفر وجهه ورأسه ويضرب به الأرض ويركس بالنعال.
وأقام أربع عشرة سنة ما يخرج من الجوسق وحده إلا للصلاة خوفاً من مكرهم ومكيدتهم؛ لأنهم أهل غيلة متناهية في تلك الناحية، وكان لا يقبل لهم توبة، ويأخذ أموالهم ويسبي ذراريهم، وكان يقتل من خالط الباطنية مختاراً، حتى أمر بقتل سبعة أنفس فيهم رجل رأى ملحداً صلحاً ولم يتميز عن الستة وقال: القاتل والستة في الجنة والواحد في النار.
وصلب ثلاثة أحياء، ومذهبه أن الصلب للحي، وهو مذهب كثير من العلماء.
وكاتبه في وقته صاحب عمان وكان زيديًّا محبًّا مناصراً له، وكانت حاشيته وغلمانه ومن أجابه اثني عشر ألفاً على مذهب الهادي ، وخدامه كانوا كلهم يصلون، ولم يكن يستعين من الفاسقين إلا بمن يصلي، وكان له عليه السلام من الهيبة ما لم تكن لأحد قبله، وكان يضرب الطبول لاجتماع الناس وللبشارة، وكان يجتمع عنده في الوقت خلق كثير إلى ثلاثة آلاف وأكثر عند الحاجة، وكان يركب الفرس من الأرض، وكانت له غاشية على سرجه يركب بها خيفة من سم الباطنية، ويرقى من المنبر درجتين.
وكان وصل إلى صعدة من جهته القاضي أبو طالب نصر بن أبي طالب بن أبي جعفر فقيه الزيدية في عصره وعالمهم، اجتمع في خزائنه من فنون العلم اثنا عشر ألف كتاب. وكانت وصلت دعوته عليه السلام إلى اليمن سنة إحدى عشرة وخمسمائة إلى الأمير المحسن بن الحسن بن الناصر بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن المختار بن الناصر بن الهادي إلى الحق عليه السلام فقام لها أحسن قيام، ونفذت أوامره في صعدة ونجران والجوفين والظاهر ومصانع حمير، ثم قتله أهل صعدة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وولده غدراً، فقام بثأره السيد الشريف الواصل من الديلم من جهة الإمام أبي طالب عليه السلام، هذا وأخرب صعدة، وعاونه على ذلك شيخ الشيعة في وقته محمد بن عليان بن أسعد البحيري، وأمدهم الأمير غانم بن يحيى بن حمزة السليماني بمال كثير، وقال محمد بن عليان شعره الذي أوله:
تألبت الغوغاء من أهل صعدة.... وهي إلى خمسين بيتاً.
ذكر أولاده ووفاته (ع)
وتوفي الإمام أبو طالب عليه السلام في قرية (قيتوك) من قرى تنهجان من أرض الديلم في سنة عشرين وخمسمائة، وأوصى بأن يدفن سرّاً لا يعرف مضجعه مخافة أن لو غلب الملاحدة على تنهجان لنبشوا قبره وأحرقوه، فهو لا يعلم موضع القبر على التعيين وإنما يظن ذلك.
ذِكْرُ نُكَتٍ مِنْ كَلامِهِ وَسِيْرَتِهِ عليه السلام
ومن محاسن كتبه عليه السلام عهد كتبه للشريف السيد شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن الهادي رحمة الله عليهما، لما أمره بالخروج إلى اليمن سنة إحدى عشرة وخمسمائة قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من المؤيد بالله أمير الأمة والمؤمنين، الحمد لله الذي شرف هذه الأمة بعد نبيها بالأئمة، وجعلهم إكمالاً للنعمة، وإتماماً للأمة، وجمل الأئمة بالخلفاء الهداة، والقضاة والكفاة، وسائر من ينوب عنهم من الولاة، وجعل الخلافة والقضاء بالحق من جملة الفرض، وشرع تفويضه إلى من زكا في الدين والعرض، وصيره ذريعة إلى نصرة الحق وشريعة لتعديل الخلق وإظهار الصدق، ووضع الخلفاء والحكام ما بلغ النهاية في الإتقان والإحكام، من القياس القويم، والقسطاس المستقيم، ليزنوا بهما الدعاوي، ويميزوا الراجح والمساوي، وطرق سبيلاً إلى الردع بما هداهم إليه في الشرع من البينات والأيمان، والتنكيلات في الأسجان، ليحترس من القوي والضعيف ويحترس من الغالب اللهيف، كما وعد أن يضع الموازين القسط ليوم القيامة: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71].
هذا ما عهد الإمام الحق أبو طالب يحيى بن أحمد بن الحسين الهاروني عليه السلام إلى السيد الأجل العالم الزاهد تاج السادة شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن الهادي بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعز الله رايته حين سيره وخيره، وشاهد منظره ومخبره، وعرف فيما لم يعاين خبره، ألفاه سهماً في النفاذ والمضاء، شهماً في أبواب الخلافة والقضاء، مستقلاً منه بالأعباء مستقبلاً بين الألباء، خليقاً بأسباب الكفاية، حميداً في الورع والرعاية، مستخلصاً لما يناط برأيه من الولاية، شهيراً بالتوقي والوقاية، حازماً في الأمور، جازماً بين الجمهور، بصيراً بطرائق الشرع، خبيراً بعلائق الأصل والفرع، نقيًّا من الأوهام والريب، زكيًّا في أقسام الرتب، ناشئا على المجد والرشاد، كافيا للاجتهاد والاحتشاد، بريء الساحة من المقابح، نقي الراحة من الفواضح، نزه النفس من الأدناس بعيد الهمة عن هذه الأجناس، وولاه وفوض إليه الخلافة والقضاء ما بين مكة إلى عدن، وسائر نواحي اليمن الأقصى قصبتها ومخاليفها، مدنها وبواديها ومن بلغه الخبر في ناديها ينفذ أمره ما بين أهالي هذه البقاع، ويمضي على من يتحاكم إليه من أهل هذه الأصقاع، وألقى إليه مقاليد الخلافة والأحكام، وقلده أمر النقض والإبرام، ليقضي فيما بينهم بالحق، وينظر في أحوالهم متحرياً للصدق، فإن قبلوا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد.
وآمره أن يستشعر طاعة الله وتقواه، ويؤثر مراده ورضاه، فيما أعلن من أمره وأخفاه، وأن يدرع درع طاعته كنه قدرته واستطاعته، وأن يستخيره فيما يختاره ويمضيه، ويستجيره فيما يجيزه ويقضيه، وأن يعتصم به في إقامة حقه، ويتوكل عليه في جل أمره ودقه وأن يستمد معونته، ويطلب معونته ويفزع إليه فيما ينوبه وينويه، ويعتمد عليه فيما يذره ويأتيه، فالتقوى طريق الإسلام والاستسلام والاعتصام بتخير الأعلام والاستعلام، والاستخارة قوام ما يقترن به الإيثار، وربك يخلق ما يشاء ويختار، والتوكل داعية الاستثبات والانتظام، والاضطلاع بالأمور العظام، فعليه توكلوا إن كنتم مؤمنين.
وآمره أن يسلك طريقة العدل والإنصاف، ويترك سبيل العسف والإجحاف، وأن لا يصل من ولي هداه، وأن يسوي في الحكم بين أوليائه وعداه، وألا يتخطى الحق ولا يتعداه، بل يحكم بالسوية، ويقضي بعدل فيما يبرم ويمضي، كي لا يلحقه استرابة، ولا ينسب إليه معابة، وأن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه، وقوله وفعله، بين القوي والضعيف، بحيث لا يكون عنده أقوى من الضعيف حتى يأخذ الحق له، ولا أضعف من القوي حتى يأخذ الحق منه.
وآمره أن يمنع التهارج والحيف، والتلاحي في لم وكيف، وأن لا يفضل فيه شريفاً على مشروف، ولا ينقص منكوراً عن معروف، ولا يزيد غنيًّا على فقير، ولا قويًّا على كسير؛ ما جمعهما التخاصم وضمهما التحاكم، وأن يميل مع الحق حيث مال، ولا يدع التعديل والاعتدال، بل يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، وأن لا يتعصب في المذهب عند الحكم لمن يؤالف، ولا يتعصب لخلاف من يخالف، وأن لا يغتر بصراخ الضعفاء وبكاهم ولا بصياح الفقراء واشتكائهم، فكم من خونة يشككون ويشكون، كما جاؤوا أباهم عشاء يبكون، يعتدون سراً ويستعدون علانية، ويعتدون بالوهم البعوض سانية، وأن يتبع الرأي الصائب الوثيق، ويحذر الأدعية التي تدعى المنجنيق، فدعوة المظلوم مستجابة وإن تراخت عنه الإجابة، والظلم مطعمه وخيم، ومرتعه ذميم، وأقبح ما يكون من القادر النبيه، والحاكم المتصف بالتنزيه.
وكل كسوف في الدراري شنيعة ولكنه في الشمس والبدر أشنع
والخلفاء والقضاة كغيرهم مسئولون عما خولوا، ومرتهنون بما حملوا ومأخوذون بما حملوا: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] وليعلم أنه علام الغيوب، وبيده أزمة القلوب: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] يبصر ما كدر وصفا، ويعلم السر وأخفى، ولا يضمرن لأحد ضرّاً ولا يضمن عن أحد نصرًا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36] ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 20].
وآمره بتقديم الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، فيما يستنبط منه العلم، ويستخرج منه الحكم، فيبدأ بأعلاها طبقة، وأسناها درجة، وأسبقها حكمة، وهو الحق اليقين، والنور المبين، كتاب الله العزيز، وحرزه الحريز، الهادي إلى الرشد، والمنادي لدى الحشد، والحجة في التعرف والتعريف، والباقي مدى التكليف، المنجي من الردى، والمرجى نحوه الهدى، والمصباح الأزهر، والصباح الأنور، والمهيع الألوح، والمشرع الأروح، والعهد الذي لا يفسخ، والقصد الذي لا ينسخ، والمتين الذي لا يتضعضع، والمكين الذي لا يتزعزع، تجد عنده اليمن والأنس، وعجز عنه الجن والإنس، وانتفى عنه العمى واللبس، وسكن إليه اللب والنفس، شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، فمهما حزنه مشكل، أو دهاه حكم معضل، فزع إلى نصوصه، وفحص معنى عمومه وخصوصه، وائتمر بأوامره، وانزجر عن زواجره، وقام بحدوده، وعمل بعهوده، ولم يعده إلى ما عداه، ما وجد فيه نصاً أو فحواه، فهو الأصل لما سواه، لا تفترق مبانيه، ولا تختلف معانيه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
وآمره إذا أعوزه في هذه المظنة أن يتطلبه فيما يتلوه من السنة فيتخذه للقضاء فصلاً، سواء ثبت قولاً أو فعلاً، فهو الحجة الثانية للقرآن، والمحجة التالية للفرقان، والمضاهي له في الحجة وإن فاضله في البهجة، والمداني في الإيجاز، وإن لم يبلغ حد الإعجاز، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، إذا تواتر أوجب العلم والعمل، وإذا تقاصر فروي بطريق الآحاد لزم العمل. فهما في وجوب العمل سيان، وإن اختير الظن عند الآحاد، وجرى التواتر مجرى العيان في الفؤاد، فإن تعارض الخبران، وتناقض المخبران، فسبيل المجتهد أن يبحث عن التأريخ، فإن وجد وإلا عمل على الترجيح، فيأخذ عند ذلك بالتحقيق، أو سلك طريقة التلفيق، إن رفع فيهما إلى المضيق أو يعدل إلى ما سواه من الدليل إن لم يتمكن من التأويل، ففي السنة الخروج من السنة إذا لم تكن الآية بالممكنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] فسبيل المجتهدين فيه أن يتنبهوا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وآمره إذا أعوزه ما تعلق من هذين بالسماع إلى طلب شاهد الإجماع فالإجماع يجري بعد الكتاب والسنة للمتمسكين مجرى الجنة، والطريقة الهادية إلى الجنة، من حيث دل الأولان عليه، وأشار الأفضلان إليه، واعتمد المسلمون أولاً وآخراً عليه، فمهما وجد في إجماع العترة مندوحة عما عداها، ساق مطية الطلب إليه وحداها، فإن وجدهم موافقين لسائر الأمة كان المدار عليهم لجلاء الغمة، وإن لم يجد لهم إجماعاً ولا للأمة، طلب الحق من أقوال ذي العصمة من الأئمة، فذلك يقوم مقام قول نبي الرحمة، وهم الوصي والسبطان، عليهم صلوات الملك الديان، وإليه أشار الرسول لمن سمعه حيث يقول: ((عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ معه)) وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
وكما قال تعالى لآل إبراهيم: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: 78].
وآمره إذا لم يجد شفاء الصدور في هذه الأساس، أن يفزع إلى الاستنباط والقياس، ويتأنق في رد الفروع إلى الأصول، ليظفر من الغرض بالمحصول، متخذاً فكره مطية الوصول، فما وجد له أصلاً عتيداً وركنا وطيداً وأساساً مهيداً قريباً أم بعيداً أو شبيهاً مديداً ألحق به حكم الفرع، وقضى حق دلالة الشرع، وحقق فيه تعليلاً، وعلى العلة دليلاً ثم عول عليه تعويلاً، فلابد في كل حادثة من حجة، وإن كانت ربما ولجت غموضاً في لجة، فيستدعي مثيراً ذكيًّا، ومستنبطاً زكيًّا يلزم طريق التهذيب والتنقيح، ويشرف على حقائق التشذيب والترجيح، ولا يمهل أقصى المطايا إلى الروايا، فعسى أن يتيح الله للحادثة وجهاً، لا يجد له في الوجوه شبها مقويا للظن المطلوب في الحكم المرغوب، هذا إذا لم يجد للإمام القاسم والإمام الهادي وابنيه عليهم السلام - عليه نصًّا، بعدما فحص عنه فحصاً، فإن وجد له نصاً صار إليه، وقصر حكمه عليه، وإن لم يجد له من النص ما يرجع إليه، والأقرب إليه ما ينزل لديه ومال إلى سائر أقوال الأئمة إذ كان الحق لا يخرج عن هذه الفرقة المهدية، وإنما يعدل إلى الاجتهاد إذا لم يجد شيئا من هذه الأمهات، وهي المتون والعيون: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وآمره أن لا يخل بمحاورات العلماء، ومناظرات الفقهاء، واستشارة البصراء واستثارة آراء النظراء، والتثبت في النظر والارتياء، غير متعسف عند الخفاء، ولا متوقف عند انكشاف الغطاء، وتبين الرشد من الغي، والصواب من الخطأ فالآراء مشتركة، والطرق مشتبكة، والمدار على ما يؤتيه الله من الذكاء، وجودة القريحة والسناء، ودراسة كتب الأجلاء دون الاتكال على تقليد الكبراء والاستنابة إلى أرباب الاسماء، والتوفيق من رب السماء، والتحقيق رائد الذكاء، والتدقيق والنظر سبب النماء، والحق للطالب بالحداء ما فرط الله في بيان الأشياء، ولا فرط فيه خاتم الأنبياء، وإنما يؤتى المخطئ من متابعة الأهواء، والاغترار بمتابعة السفهاء، والإعجاب بدعوى الكبرياء، والتنفق والتشوق بالرياء، واستبدال الظلام من الضياء، والرضى بسوء القضاء: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وآمُرُه برفع الحجاب، وقمع الهوى والإعجاب، والتثبت في الجواب، وترك الإكرام والإعجاب، وفتح الباب للأجانب والأصحاب، وتمييز الخطأ من الصواب، وترك التضجر عند الاكتئاب، والملال من الإكثار والإطناب والإعراض عن تقديم الاغنياء وذوي الأخطار، والاحتساب على الفقراء والضعفاء والأذناب والتسوية بين الأعداء والأحباب: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
وآمُرُه بنصح الخصمين إذا أحس منهما بالمين، وأن يوعد المتداعيين بسوء المغبة عند التزوير، ومحاسبة رب العزة بالنقير والقطمير، وبعذاب الله للظالمين والمنغمسين في الإثم باليمين، ويعظهم بالحطمة عند طلب الحطام، وبالقارعة عند القراع واللطام، وبالساعة عند ابتلاع الوساعة، وبالآزفة عند الأيمان العاسفة، وبالنار عند اختيارهم لها على الشنار، وبالأغلال عند الفرية والاعتلال، وبالموازين القسط لمن قصد وجار عن الاعتدال، وبالأنكال والجحيم لمن نكل عن الصدق القويم، وبالزقوم والحميم لمن مال عن الحق للصديق الحميم، وبإنطاق الجوارح من ذب عن الجانح الجارح: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ24﴾[النور].
وآمره أن لا يلقِّن أحد الخصمين الحجة ولا يمكن الوكلاء من المعاون لجة، أو يسلطوا على أحد منهما سخطة أوضجة، أو يرتشوا فيتركوا لأجل النفع محجة، ويعلوا في سوم الوكالة فيصدوا عن طلب الحق بما يشعرون من الجعالة، وربما أوفي أجر الوكيل على ما يدعي من القليل، فيضطر الناس إلى ترك الحق حذراً مما يشاقه من المحق.
وآمره بأن يمهل عند عرض اليمين عن منكر المال ريث اشتغاله بالبحث عن جور اليمين والسؤال، فربما شك الحالف في كيفية الحال والقبض عن كشف القناع في ذلك المقام فزعاً من تعجل الخصم للانتقام، وربما خاف ذا الجلال والإكرام، فيريد أن يسلك طريقة التحرج عن الإقسام، والتورع عن طلب الحرام، فلا يضيق عليه ليميز جائز الإقدام من محظور الإحجام إلى أنحاء ذلك من أغراض الأنام، وهكذا يتثبت في تعديل الشهود وجرحهم وقبولهم وطرحهم واختيار الصالحين من المزكيين والجارحين، فقد كثر في هذا الباب التدليس، وعظم التجويز والتلبيس، وقل الصدق في الناس والأمانة، وفشا الطمع والكذب والمين والخيانة، وأخلق في أعين الأكثرين التدين والصيانة، وندر التعفف الحقيقي والديانة، وصارت الشهادة صناعة وحرفة، والأمانة والتورع طرفة، يستأكلون بالأكاذيب، ويلبسون مسوك الشياه فوق قلب الذيب، يراءون الناس ولا يخافون البأس، يحتالون طويلاً ولا يذكرون الله إلا قليلاً، فإن لم يجد معدِّلاً ولا معدَّلاً ولا مزكيا معوِّلاً، باشر بنفسه الفحص عن الأحوال ليستبين الصواب من المحال، فما وثق به من أخبار الرجال مجانباً طريقة الاستعجال، وما فلق الظن فيه ترتب وتثبَّت: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ6﴾ [الحجرات]. ويقدم للشهود أيضاً عظات ولا يدع الوكلاء يلقنوهم لفظات، فالعامة عمي عن مراشد الحق، بكم عن مواقف الصريح من الصدق، والوكيل يجعل الكودن جواداً لتجلده، ويصير البليد ذكيا مع تبلُّده: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ15﴾ [النور] فإن عثر على شاهد زور تعمده، بالغ في زجره، وأوعز إلى الناس بهجره، وشهر إلى الناس حال إفكه وهجره، ومتى رجع عن شهادته ضمنه ما يلزمه بحكم الشرع بعد مبالغته في الزجر والردع، وإن عثر من المزكي على مسامحة وتسمح ومساهلة عزله أوحى عزل، وعذله أدهى عذل، وكشف للناس قناع مخازيه، فالله، معاقبه ومجازيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ81﴾ [يونس].
وآمره بمن لم يصل إلى مجلسه ممن نأى من أقطار ولايته أن يستخلف من يثق باستقلاله وكفايته وورعه ورعايته في تنفيذ الأحكام، ويحكم بما يحكم به سائر الحكام، ويعينه على الحكم بين أولئك الإخوان، فإنما الدين بالأعوان، وأن يؤدي إلى المصلحين عند طلبهم الصلح ليكون أدنى إلى الفلاح والنجاح: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 129].
وآمره بحفظ أموال اليتامى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فإن لم تؤنسوا الرشد توقع أن يصلح الله تعالى حالهم، ويتقدم إلى من ينصبه من ثقات الأوصياء، ومن ثبته الله من الأولياء كالأجداد والآباء للمنقصي العقول والقاصرين عن المعقول أن يجروا على حكم الشفقة؛ لئلا يذهب رأس المال بالنفقة، وينصب على من يتهم مشرفاً يراعي دخلهم، ويستدرك إن جادلوا دغلهم. وأن يعرف من جنف والتوى؛ لئلا يلحق بالمال التواء؛ ولئلا يأكله الولي والوصي، كما يأكله القصي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
وآمره بإنكاح الأيامى عند فقد الأولياء أو عضلهم إياهم عن الأكفاء أو غيبتهم عن الأقرباء عند اجتماع الشرائط وانتقال الولاية، وحصول الكفاءة والرغبة في الكفاية، الإمام ولي من لا ولي له؛ فإذا حصلت الشروط ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232] بعد أن تعلموا انتفاء موانع النكاح، فإذا كملت الأسباب وخطبهن الخطاب: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ32﴾ [النور].
وآمره إذا عثر على أموال المصالح والمستهلكات، والمنارات والمستدركات أن يضبطها أحسن ضبط، ويقف منها عند أبين شرط إلى بيت مال المسلمين، فقد كفاه الله القيام بأسبابها وأباح له كف الإمامة في عابها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ33﴾ [آل عمران] ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا54﴾ [النساء].
وآمره أن يرتاد لحفظ الوثائق والسجلات من الحجج والبينات من أحاط علمه باحتياطه، وأمن زلل غلطه واختباطه، ووثق بعفافه عن المطامع الدنية، وكفه عن المطاعم الرديه، وتيقظه عن الغفلة والسهو، وتحرزه من الغلط واللهو، فتلك الحجج هي المفزع للناسين، والمرجع للساهين، فما حُفظ مَرَّ وما كُتب قَرَّ، والقيم بها قائم بين الإثم والعار وبين الجنة والنار، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
وآمره بتأديب من يستحق التأديب والتعزير، وحبس من يستحق الحبس والتسخير، وأن لا يخلي سرية إلا برضى صاحبها دون شفاعة أحد من الخلق، والتوكيل لمن يرى التوكيل والتنكيل لمن يستاهل التنكيل، ويأخذ من يطلب الكفيل، ويضيق على من يلزمه الإرهاق والتضييق، ويخفف من يحق له التخفيف والترقيق، فإن ظهر إعسار المحبوس: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ280﴾ [البقرة].
وآمره أن يتخير الأوقاف عند فقد من ولاه الواقفون أو خيانتهم من يثق بأمانتهم، فيوليهم أمرها، ويتعرف كل حين خبرها؛ فإن وجد على طريق النصفة قررها في يده، وإن مال إلى المعسفة سعى في إصلاح أوده، أو صرفه عن عنده، فالأوقاف صدقات لا يصلح لإمساكها إلا الصادقون، ولا يعزل عنها إلا الفاسقون، فاتقوا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ128﴾ [النحل].
وآمره أن لا يستكتب إلا من كانت معارفه قوية وبصائره سوية وديانته قويمة وإصابته عزيمة ومطامعه كريمة دون من يفتر عن الجشع، أو يغتر عن الطمع.
وآمره بأن يقرر حكومات من كان قبله من قضاة المسلمين، وأن لا يتعرض لشيء منها بالتغيير والفسخ، والتبديل والنسخ، ما لم يخالف نصاً من الكتاب والسنة مقطوعاً أو إجماعاً قد خالفوه مفرقاً أو مجموعاً، حينئذ يدفع عنه ما كان مدفوعاً، ويرفع ما صار مرفوعاً، من تعرض لحكم من قبله بالنقض من غير حجة داعية إلى الدحض، فليوطن نفسه على مثل صنيعه، وليرض بمثل تقطيعه، وكمن يؤذن بالانقضاء إلى يوم فصل القضاء، فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، والظن لا يتعرض على الظن الواقع بالإشهاد: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ 38 إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ39﴾ [المدثر].
هذا ما عهد الإمام الحق أبو طالب يحيى بن أحمد بن الحسين الهاروني الحسني إلى السيد الأجل العالم الزاهد تاج السادة شرف الدين أبي عبد الله الحسين بن الهادي بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعز الله رايته، ولَّاه اليمن سهولها وجبالها وما تضمنه من أعمالها وما والاها، ولاه أمرها، ونفذ في جميع فعله وقوله وعقده وحله وتولية من شاء من خلفائه فيها وعزله سوى من اخترناه قبل ذلك بالإمارة، وسبقت منا إليه الإشارة، فإنه يجري على طريقته، وينفذ أمره على سننه وسيرته بمشورة السيد الأجل العالم الزاهد تاج السادة شرف الدين أدام الله عزه في قليل أمره وكثيره، ثم فلو تغير عما كان قلبه وتبدل عما كان عليه قوله أو فعله فلينه إلينا خبره، ويبين لنا أمره وعذره لننظر فيه كيف تعملون، فليتقلد ما قلده إياه، وليرع ما استرعاه، وليع من شرائط ما فصله في هذا العقد واستوعاه، وما بصره فيه من سبيل الرشد وهداه، وليحذر مخالفة ما آمره به من أولى هذه العهدة إلى آخرها، فقد فصلها وأجراها، وليخف الله جل ثناؤه في العدول عن العدل والوقوع عن الخذل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ90﴾ [النحل] وليستعن بالله يعنه، وليسترعه يرعه ويؤمنه، وليتوكل عليه يزده، وليسترشده يرشده: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا3﴾ [الطلاق] وسبيل رعايانا أن يجيبوا أمره ولا يعصوه ويعضدوه وينصروه، ويأتمروا بأمره، وينزجروا بزواجره ما أطاع الله ورسوله، فإن خالف الحق فارفضوه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ14﴾ [الصف].
أيها الناس من أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله ورسوله، ومن عصاه فقد عصانا ومن عصانا فقد عصى الله ورسوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].
فليعلم إخواننا حفظهم الله تعالى أن مولدنا في ديلمان، ومنشأنا بين جيلان وطبرستان والعراق وخراسان، وأهل هؤلاء البلدان ليسوا من أهل اللسان والبيان، بل عجم بكم عن العربية، ولسان العجم لا شك عجمية، وأدباء العجم وإن بلغوا في الفصاحة الثريا فلا تلحق فرسهم فرس العرب العرباء، ولاسيما وقعت بين الخطتين وقائع بين الجمرتين سرّاً وجهاراً ليلاً ونهاراً، [حالت دون] التفرغ إلى تهذيب الكتاب وإلى ترتيب الخطاب، فما وقع بالكتاب من الخلل وبالكتابة من الزلل من هاتين الجهتين فأنا معذور، والله غفور شكور.