لما انتهى عليه السلام إلى فخ وبَلْدَح لقيتهم الجنود الظالمة وكان قوَّادهم العباس بن محمد، وموسى بن عيسى، وجعفر ومحمد ابنا سليمان، ومبارك التركي وغيرهم، فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد في القلب، فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين وجعلت المسودة تصيح بالحسين: يا حسين لك الأمانَ فيقول: الأمان أريد! ويحمل عليهم، فقتل معه سليمان بن عبدالله بن حسن، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن، وأصابت الحسن بن محمد بن عبدالله نشابة في عينه فتركها في عينه وجعل يقاتل أشد القتال، فناداه محمد بن سليمان: يا ابن خال اتق الله في نفسك، لك الأمان، فقال: والله ما لك أمان ولكني أقبل منك، ثم كسر سيفًا هنديًا كان في يده ودخل إليهم، فصاح العباس بن محمد بابنه: قتلك الله إن لم تقتله، أبعد تسع جراحات ينظر هذا! فقال له موسى بن عيسى: إي والله عاجلوه، فحمل عليه عبيدالله فطعنه، وضرب محمد بن العباس عنقه بيده صبرًا، وتنشبت الحرب بين العباس بن محمد ومحمد بن سليمان، وقال: أمّنتُ خالي فقتلتموه! قالوا: نحن نعطيك رجلا من العشيرة فتقتله مكانه.
وروي أن موسى بن عيسى هو الذي ضرب عنق الحسن بن محمد.
وروينا بالإسناد عن الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام قال: حدثني أبي قال: بايعنا الحسين بن علي الفخي عليهما السلام على أنه هو الإمام، قال: وأصابته جراحة والدم لا يرقأ، فقلنا له: أنت في هذه الحال، لو تنحيت. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليبغض العبد يستأسر إلا من جراحة مثخنة)).
وروينا أنه تأخر جماعة ممن بايع الحسين بن علي الفخي عليهما السلام فلما فقدهم عند المعركة أنشأ يقول:
وإني لأنوي الخير سرًا وجهرة ... وأعرف معروفًا وأُنكر منكرًا
ويعجبني المرؤ الكريم نِجَارُه ... ومَنْ حين أدعوه إلى الخير شمّرا
يعين على الأمر الجميل وإن يرى ... فواحش لا يَصْبِرْ عليها وغيّرا
وروى الشيخ أبو الفرج بإسناده عن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عمن ذكره قال: رأيت الحسين صاحب فخ، وقد دفن شيًئا فظننت أنه شيء له مقدار، فلما كان من أمره ما كان نظرنا فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع فدفنه ثم عاد فكر عليهم.
وروى أيضا أن حمادًا التركي وكان ممن حضر وقعة فخ، فقال للقوم: أروني حسينًا فأروه إياه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب، وقتل أكثر أصحابه عليه السلام.
وروى الشيخ أبو الفرج بإسناده عن نصر الخفاف قال: أصابتني ضربة وأنا مع الحسين صاحب فخ فَبَرَتِ اللحم والعظم، فبتُّ ليلتي أعوي منها، وأنا أخاف أن يجيئوني فيأخذوني إذا سمعوا الصوت، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلموقد جاء، فأخذ عظما فوضعه على عضدي فأصبحت وما أجد من الوجع قليلاً ولا كثيرًا!.
ولما قتل عليه السلام أخذ رأسه وحمل إلى موسى الملقب بالهادي، ودفن بدنه (بفخ). ومشهده مشهور مزور، ولا عقب له عليه السلام.
قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان له يوم قُتل إحدى وأربعون سنة، ولما قتلوه نفذوا إلى المدينة، فلما دخلوها وجلس موسى بن عيسى وأقبل الناس إليه، وأقبل موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام على أثر ذلك وعليه مدرعة صوف غليظ، وفي رجليه نعلان من جلود الإبل فقعد في طرف، فقال السري بن عبدالله: يا موسى كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تَدَعُونه لبني عمِّنا المنعمين عليكم؟ فقال موسى أقول في ذلك:
بني عمِّنا ردوا فضول دمائنا ... يَنَمْ ليْلُكُمْ أولا يَلُمْنَ اللوائم
فإنا وإياكم وما كان بيننا ... كذي الدّين يقضي دينه وهو راغم
فقال السري: والله ما يزيدكم البغي إلا ذلّة، ولو كنتم مثل بني عمِّكم - يعني موسى بن جعفر - فقد عرف حق بني عمه وفضلهم عليه فهو لا يطلب ما ليس له، فقال موسى بن عبدالله عليه السلام:
فإن الأولى تُثني عليهم بقيتي ... أولاك بنو عمي وعمُّهُم أبي
فإنك إن تمدحهُم بمديحة ... تُصدّق وإن تمدح أباك تُكذّب
وروي أن محمد بن سليمان لما حضرته الوفاة كانوا يلقنونه الشهادة وهو يقول:
ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكنْ ... شهدتُ حسينًا يوم فخٍّ ولا الحسنْ
ولبعضهم يرثي الحسين بن علي عليهما السلام:
يا عين بكِّي بدمع منك منهتن ... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن
صرعى بفخٍّ تجرُّ الريح فوقهم ... أذيالها وغوادي الدلّح المزن
حتى عفت أعظمٌ لو كان شاهدها ... محمد ذبَّ عنها ثم لم يهن
ماذا يقولون إذ قال النبي لهم: ... ماذا فعلتم بنا في سالف الزمن؟
لا الناس من مُضَر حاموا ولا عصموا ... ولا ربيعة والأذواء من يمن
يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حُرمًا ... وقد رأى الفيل حق البيت ذي الركن
ولبعضهم يرثيه أيضا:
فلأبكين على الحسين ... بِعولَة وعلى الحسن
وعلى ابن عاتكة الذي ... أثووه ليس بذي كفن
نزلوا بفخ غدوة ... في غير منزلة الوطن
كانوا كرامًا فانقضوا ... لاطائشين ولا جُبن
غسلوا المذلّة عنهم ... غسل الثياب من الدّرن
هُديَ العباد بجدِّهم ... فلهم على الناس المنَنْ
رواه الشيخ أبو الفرج لعيسى بن عبدالله.
وروى عن بعضهم قال: رأيت في النوم رجلاً يسألني أن أنشده هذه الأبيات، فأنشدته إياه، فقال لي: زد فيها:
قومٌ كرامٌ سادةٌ ... مَنْ هُمْ ومَنْ هُمْ ثم مَنْ
وروى بإسناده قال: سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين صاحب فخ هاتفًا يهتف ويقول:
ألا يا لقوم للسواد المصبّح ... ومقتل أولاد النبي بِبَلْدح
لِبَيْكِ حسينًا كل كهل وأمرد ... من الجن إذ لم يبك للإنس مترح
فإني لجني وإن معرّسي ... لبالبُرْقةِ السوداء من دون رَحْرَح
فسمعها الناس فلا يدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين عليه السلام.
وروي أن عدة الجيش الظالم كانت أربعين ألفًا.
وروى الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام عن عمه سليمان بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم أن الجيش الذين حضروا لقتال الحسين بن علي الفخي عليهما السلام اسودت وجوههم قاطبة فكانوا يعرفون من بين الناس، فيقال: هذا من الجيش الذين قتلوا الفخي.
وقبره بفخ عند بستان الديلمي في الزاهر. أمر الإمام المنصور بالله عبدالله ابن حمزة عليه السلام إلى السيد أبي الحسن قتادة بن إدريس بعمارته فعمر عليه، وعلى الحسن بن محمد قبّة حسنة سنة إحدى وستمائة.