Skip to content
الزيدية في : بلاد الحرمين
أئمة أهل البيت (ع) في منطقة : بلاد الحرمين
الإمام الحسين بن علي الفخي عليه السلام

هو: أبو عبدالله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
وأمه: زينب بنت عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب عليهم السلام، وأمها هند بنت أبي عبيدة، وكان يعرف أبوه وأمه: بالزوج الصالح لصلاحهما وفضلهما، وكان أبوه أيضًا يسمى: عليَّ الخير، وعلي الأغرَّ، وهو الذي كان في جملة المحبوسين في حبس أبي الدوانيق لا يعرفون أوقات الصلوات إلا بتلاوته للقرآن، ووظائف عبادته التي كان قد وظَّفها؛ لأن أبا الدوانيق حبسهم في موضع لا يُميِّزون فيه بين ليل ونهار، فكانوا لا يهتدون لأوقات الصلاة إلا بتلاوته لأجزاء القرآن التي كان قد اعتادها قبل الحبس.

وروى بعض من صنَّف أخبارهم: أنه قال له عمه عبدالله بن الحسن عليهما السلام: يا بني قد ترى ما نحن فيه فادع الله تعالى أن يخفِّفَ عنَّا، فقال له: يا عم إن لأبي الدوانيق منزلة في النار لا ينالها إلا بما فعل بنا، وإن لنا منزلة في الجنة لا ننالها إلا بالصبر على ما نحن فيه، فإن شئت أن أدعو الله أن يخفف عن أبي جعفر ويقصِّر بنا عن منزلتنا فعلت؟. فقال له عمه عليه السلام: بل نصبر، وكانت حِلَق أقيادهم قد اتسعت فكانوا يُحلُّونها فإذا أحسوا بالحرس ردُّوها وامتنع هو عن مثل ذلك، فقال له بعضهم في هذا، فقال: لا أحله حتى أحضر أنا وأبو جعفر بين يدي الله تعالى فيسأله فيم قيدني؟ إلى غير ذلك من طرائقه الشريفة. وكل آبأئه عليهم السلام نُجَبَاء بررة أزكياء، فروع شجرة طيبة مباركة.

صفته (ع)

ذكر السيد أبو طالب عليه السلام أنه كان أسود الرأس واللحية لم يخالطه الشيب، وكان بطلا شجاعًا، سخيًّا لا يكترث بالأموال.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام قد نشأ على السداد وطرق الرشاد، جامعًا بين العلم والعمل حتى اعتلى ذروة الشرف، جاريًا على طريقة آبأئه الأخيار السادة الأبرار عليهم السلام.

وقد روى العلماء فيه من الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمما يقضي بفضله، فمن ذلك ما رواه الشيخ أبو الفرج في مقاتل الطالبية [634] بإسناده عن زيد بن علي عليهما السلام قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمإلى موضع فَخّ فصلى بأصحابه صلاة الجنائز، ثم قال: ((يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، يُنزل لهم بأكفان وحنوط من الجنة، تسبق أرواحهم إلى الجنة قبل أجسادهم)).

وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن علي قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلمبفخ فنزل فصلى ركعة فلما صلى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلما رأى الناسُ النبي صلى الله عليه وآله وسلميبكي بكوا، فلما انصرف قال: ما يبكيكم؟ قالوا: رأيناك تبكي فبكينا يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نزل عليَّ جبريل لما صليت الركعة الأولى فقال لي: يا محمد إن رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين)).

وكان قد اشتهر من الكرم والجود بما لم يشتهر به عربي ولا عجمي في عصره، والروايات في هذا المعنى كثيرة إلا أنا نذكر راوية تجمع.

روى الشيخ أبو الفرج رحمه الله بإسناده، قال: ركب الحسين صاحب فخ دينٌ كثير، فقال لغرمائه: الحقوني إلى باب المهدي، وخرج فخرجوا إلى باب المهدي فقال لآذنه: قل له: هذا ابن عمك الينبعي على الباب، قال: وكان على جمل فقال له: ويلك أدخله على جمله فأدخله حتى أناخه في وسط الدار، فوثب المهدي فسلم عليه وعانقه وأجلسه إلى جنبه وجعل يسأله عن أهله، ثم قال له: يا ابن عم ما جاء بك؟، قال: ما جئتك وورائي أحد يعطيني درهمًا، قال: أفلا كتبت إلينا؟ قال أحببت أن أُحْدِثَ بك عهدًا، فدعا المهدي ببدرة من دنانير، وبدرة من دراهم، وتخت من ثياب حتى دعا له بعشر بدر دنانير، وعشر بدر دراهم، وعشرة تخوت فدفعها إليه، وخرج فطرحت في دارٍ ببغداد، وجاءه غرماؤه، فكان يقول للواحد: كم لك علينا؟ فيقول: كذا وكذا، فيزن له، ثم يدخل يده في بيت الدنانير والدراهم فيقول: هذا صلة منا لك فلم يزل حتى لم يبق من ذلك المال إلا شيء يسير، ثم انحدر إلى الكوفة يريد المدينة فنزل قصر ابن هبيرة في خان، فقيل لصاحب الخان: هذا رجل من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ له سمكًا فشوّاه وجاء به ومعه رقاق، وقال له: لم أعرفك يا ابن رسول الله، قال لغلامه: ما بقي معك من ذلك المال؟ قال: شيء يسير، والطريق بعيد، قال: ادفعه إليه.

وروينا عن الإمام القاسم بن إبراهيم عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: عوتب الحسين بن علي عليهما السلام صاحب فَخّ فيما كان يعطي، وكان من أسخى العرب والعجم فقال: والله ما أظن أن لي فيما أُعطي أجرًا، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] والله ما هو عندي وهذه الحصاة إلا بمنزلة؛ يعني المال.

والحكايات في هذا المعنى كثيرة، وما أقمنه بقول القائل:

وما مُزبدٌ من خليج البحو ... ر يعلو الآكام ويعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده ... فيعطي المئين ويعطي البدورا

ذكر بيعته ونبذ من سيرته (ع)

روى الشيخ أبو الفرج أن موسى الملقب بالهادي، ولى على المدينة إسحاق ابن عيسى فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبدالله فحمل على الطالبيين وأساء إليهم وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض في كل يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كل واحد منهم بكفالة قريبه ونسبه، فضمن الحسين بن علي، ويحيى بن عبدالله بن الحسن، والحسن بن محمد بن عبدالله بن الحسن، ووافى أوائل الحاج، وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا في دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، وغلَّظ العُمَري أمر العرض، وولَّى على عرض الطالبيين رجلا يعرف بأبي بكر بن عيسى بن الحائك مولى للأنصار، فعرضهم يوم جمعة فلم يأذن لهم في الانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد، ثم أذن لهم، فكان قصارى أحدهم أن تغدّى وتوضأ للصلاة وراح إلى المسجد فلما صلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر ثم عرضهم فدعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى بن عبدالله، والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما؛ فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، ولقد خرج أو تغَيّب، فرادَّه بعض المرادّة، وشتمه يحيى فخرج، ومضى ابن الحائك هذا ودخل على العمَري فأخبره، فدعا بهما فوبخهما وتهددهما، فتضاحك حسين في وجهه، وقال: أنت مغضب يا أبا حفص، فقال له العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟ فقال له: قد كان أبو بكر وعمر وهما خير منك يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية، فقال له: آخر قولك شر من أوله، فقال معاذ الله: يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه، فقال له: أفإنما أدخلتك لتفاخرني وتؤذيني! فغضب يحيى بن عبدالله وقال له: فما تريد منا؟ فقال: أريد أن تأتيا بحسن بن محمد، فقال: لا نقدر عليه وهو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا، ثم اعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من غاب أكثر من غيبة حسن عنك فقد أنصفتنا، فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيء به في باقي يومه وليلته، وأنه إن لم يجيء به ليركبَنَّ إلى سويقة فيخربها ويحرّقها، وليضربن الحسن ألف سوط، وحلف بهذه اليمين أنّ عينه إن وقعت على حسن بن محمد ليقتلنه من ساعته، فوثب يحيى مغضبًا فقال له: أنا أعطي الله عهدا، وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نومًا حتى آتيك بحسن أو لا أجده، فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك، وخرجا من عنده وهما مُغْضَبان، وهو مُغْضَب، فقال حسين ليحيى: بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسنًا؟ قال: لم أرد أن آتيه بحسن والله وإلاّ فأنا نفيٌ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمومن علي عليه السلام إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف، إن قدرت عليه قتلته، فقال له حسين: بئس ما تصنع، تكسر علينا أمرنا؟ قال له يحيى: وكيف أكسر عليك أمرك، وإنما بينك وبين ذلك عشرة أيام حتى تسير إلى مكة؟ فوجه الحسين إلى حسن بن محمد فقال له: يا ابن عم، قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت، فقال له الحسن: لا والله يا ابن عم، بل أجيئ معك الساعة حتى أضع يدي في يده، فقال الحسين: ما كان الله ليطلع عليَّ وأنا جاءٍ إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلموهو خصيمي وحجيجي في دمك، ولكني أقيك بنفسي لعلّ الله أن يقيَني من النار.
فجاءه يحيى وسليمان وإدريس بنو عبدالله بن الحسن، وعبدالله بن الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن، وعبدالله بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ووجهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا ستة وعشرين رجلا من ولد علي عليه السلام وعشرة من الحاج، ونفر من الموالي، فلما أذن المؤذن الصبح دخلوا المسجد ثم نادوا (أحد ... أحد). وصعد عبدالله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلمعند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذن (حي على خير العمل) فلما نظر السيف في يده أذن بها، وسمعه العُمَري فأحس بالشر ودهش، وصاح: أغلقوا البغلة بالباب، وأطعموني حبتي ماء، قال علي بن إبراهيم في حديثه: فَوَلده إلى الآن يعرفون ببني حبتي ماء.
قالوا: ثم اقتحم إلى دار عمر بن الخطاب، وخرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم بن عمر، ثم مضى هاربًا على وجهه يسعى حتى نجا، وصلى الحسين بالناس الصبح، ودعا بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعا بالحسن وقال للشهود: هذا حسن قد جئت به فهاتوا العمري وإلا قد خرجت من يميني وما عليَّ.
ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن حسن بن حسن فإنه استعفى فلم يكره. وموسى بن جعفر، وكان من حديث موسى أنه قال للحسين: إنك مقتول فأجدَّ الضراب فإن القوم فسَّاق يظهرون إيمانًا ويُضمرون شركًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسبكم من عصبة.
وخطب الحسين بن علي عليهما السلام بعد فراغه من الصلاة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفي حرم رسول الله، أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها الناس: أتطلبون آثار رسول الله في الْحَجَر والعود وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه؟! وأقبل خالد البربري وكان مسلحة للسلطان بالمدينة - في السلاح ومعه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له: باب جبريل، قال الراوي: فنظرت إلى يحيى بن عبدالله قد قصده في يده السيف، فأراد خالد أن ينزل فبدره يحيى فضربه على جبينه، وعليه البيضة والمغْفَر والقلنسوة، فقطع ذلك كله وأطار قحف رأسه وسقط عن دابته، وحمل على أصحابه فتفرقوا وانهزموا.
ثم استخلف الحسين بن علي عليهما السلام درباس الخراعي، وخرج قاصدًا إلى مكة معه من تبعه من أهله ومواليه وهم زهاء ثلاثمائة، فلما قربوا من مكة وصاروا (بفخّ وبَلْدَح) تلقتهم الجيوش، فعرض العباس بن محمد على الحسين الأمان والعفو والصلة فأبى ذلك أشد الإباء.
وَلَمَّا لقي الحسين عليه السلام المسودة أقعد رجلا على جمل معه سيف يلوِّ ح، والحسين يملي عليه حرفًا حرفًا ويقول: ناد، فنادى: يا معشر الناس، يا معشر المسودة، هذا حسين ابن رسول الله وابن عمه يدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وروينا عن أبي العرجاء جمَّال موسى بن عيسى، قال: لما وصلنا بستان بني عامر فنزل فقال: اذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكل ما رأيت، قال: فمضيت فدرت فما رأيت خللاً ولا فللاً، ولا رأيت إلا مصليًا أو مبتهلاً، أو ناظرًا في مصحف، أو معدًّا لسلاح، قال: فجئته فقلت: ما أظن القوم إلا منصورين.
فقال: كيف ذلك يا ابن الفاعلة؟ فأخبرته فضرب يدًا على يد وبكى حتى ظننت أنه سينصرف، ثم قال: هم والله أكرم عند الله، وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم، ولو أن صاحب القبر - يعني: النبي صلى الله عليه وآله وسلمنازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب بطبلك ثم سار إليهم، فوالله ما انثنى عن قتلهم حتى قتلهم.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

لما انتهى عليه السلام إلى فخ وبَلْدَح لقيتهم الجنود الظالمة وكان قوَّادهم العباس بن محمد، وموسى بن عيسى، وجعفر ومحمد ابنا سليمان، ومبارك التركي وغيرهم، فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد في القلب، فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين وجعلت المسودة تصيح بالحسين: يا حسين لك الأمانَ فيقول: الأمان أريد! ويحمل عليهم، فقتل معه سليمان بن عبدالله بن حسن، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن، وأصابت الحسن بن محمد بن عبدالله نشابة في عينه فتركها في عينه وجعل يقاتل أشد القتال، فناداه محمد بن سليمان: يا ابن خال اتق الله في نفسك، لك الأمان، فقال: والله ما لك أمان ولكني أقبل منك، ثم كسر سيفًا هنديًا كان في يده ودخل إليهم، فصاح العباس بن محمد بابنه: قتلك الله إن لم تقتله، أبعد تسع جراحات ينظر هذا! فقال له موسى بن عيسى: إي والله عاجلوه، فحمل عليه عبيدالله فطعنه، وضرب محمد بن العباس عنقه بيده صبرًا، وتنشبت الحرب بين العباس بن محمد ومحمد بن سليمان، وقال: أمّنتُ خالي فقتلتموه! قالوا: نحن نعطيك رجلا من العشيرة فتقتله مكانه.

وروي أن موسى بن عيسى هو الذي ضرب عنق الحسن بن محمد.

وروينا بالإسناد عن الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام قال: حدثني أبي قال: بايعنا الحسين بن علي الفخي عليهما السلام على أنه هو الإمام، قال: وأصابته جراحة والدم لا يرقأ، فقلنا له: أنت في هذه الحال، لو تنحيت. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليبغض العبد يستأسر إلا من جراحة مثخنة)).

وروينا أنه تأخر جماعة ممن بايع الحسين بن علي الفخي عليهما السلام فلما فقدهم عند المعركة أنشأ يقول:

وإني لأنوي الخير سرًا وجهرة ... وأعرف معروفًا وأُنكر منكرًا

ويعجبني المرؤ الكريم نِجَارُه ... ومَنْ حين أدعوه إلى الخير شمّرا

يعين على الأمر الجميل وإن يرى ... فواحش لا يَصْبِرْ عليها وغيّرا

وروى الشيخ أبو الفرج بإسناده عن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عمن ذكره قال: رأيت الحسين صاحب فخ، وقد دفن شيًئا فظننت أنه شيء له مقدار، فلما كان من أمره ما كان نظرنا فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع فدفنه ثم عاد فكر عليهم.

وروى أيضا أن حمادًا التركي وكان ممن حضر وقعة فخ، فقال للقوم: أروني حسينًا فأروه إياه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب، وقتل أكثر أصحابه عليه السلام.

وروى الشيخ أبو الفرج بإسناده عن نصر الخفاف قال: أصابتني ضربة وأنا مع الحسين صاحب فخ فَبَرَتِ اللحم والعظم، فبتُّ ليلتي أعوي منها، وأنا أخاف أن يجيئوني فيأخذوني إذا سمعوا الصوت، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلموقد جاء، فأخذ عظما فوضعه على عضدي فأصبحت وما أجد من الوجع قليلاً ولا كثيرًا!.

ولما قتل عليه السلام أخذ رأسه وحمل إلى موسى الملقب بالهادي، ودفن بدنه (بفخ). ومشهده مشهور مزور، ولا عقب له عليه السلام.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان له يوم قُتل إحدى وأربعون سنة، ولما قتلوه نفذوا إلى المدينة، فلما دخلوها وجلس موسى بن عيسى وأقبل الناس إليه، وأقبل موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام على أثر ذلك وعليه مدرعة صوف غليظ، وفي رجليه نعلان من جلود الإبل فقعد في طرف، فقال السري بن عبدالله: يا موسى كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تَدَعُونه لبني عمِّنا المنعمين عليكم؟ فقال موسى أقول في ذلك:

بني عمِّنا ردوا فضول دمائنا ... يَنَمْ ليْلُكُمْ أولا يَلُمْنَ اللوائم

فإنا وإياكم وما كان بيننا ... كذي الدّين يقضي دينه وهو راغم

فقال السري: والله ما يزيدكم البغي إلا ذلّة، ولو كنتم مثل بني عمِّكم - يعني موسى بن جعفر - فقد عرف حق بني عمه وفضلهم عليه فهو لا يطلب ما ليس له، فقال موسى بن عبدالله عليه السلام:

فإن الأولى تُثني عليهم بقيتي ... أولاك بنو عمي وعمُّهُم أبي

فإنك إن تمدحهُم بمديحة ... تُصدّق وإن تمدح أباك تُكذّب

وروي أن محمد بن سليمان لما حضرته الوفاة كانوا يلقنونه الشهادة وهو يقول:

ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكنْ ... شهدتُ حسينًا يوم فخٍّ ولا الحسنْ

ولبعضهم يرثي الحسين بن علي عليهما السلام:

يا عين بكِّي بدمع منك منهتن ... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن

صرعى بفخٍّ تجرُّ الريح فوقهم ... أذيالها وغوادي الدلّح المزن

حتى عفت أعظمٌ لو كان شاهدها ... محمد ذبَّ عنها ثم لم يهن

ماذا يقولون إذ قال النبي لهم: ... ماذا فعلتم بنا في سالف الزمن؟

لا الناس من مُضَر حاموا ولا عصموا ... ولا ربيعة والأذواء من يمن

يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حُرمًا ... وقد رأى الفيل حق البيت ذي الركن

ولبعضهم يرثيه أيضا:

فلأبكين على الحسين ... بِعولَة وعلى الحسن

وعلى ابن عاتكة الذي ... أثووه ليس بذي كفن

نزلوا بفخ غدوة ... في غير منزلة الوطن

كانوا كرامًا فانقضوا ... لاطائشين ولا جُبن

غسلوا المذلّة عنهم ... غسل الثياب من الدّرن

هُديَ العباد بجدِّهم ... فلهم على الناس المنَنْ

رواه الشيخ أبو الفرج لعيسى بن عبدالله.

وروى عن بعضهم قال: رأيت في النوم رجلاً يسألني أن أنشده هذه الأبيات، فأنشدته إياه، فقال لي: زد فيها:

قومٌ كرامٌ سادةٌ ... مَنْ هُمْ ومَنْ هُمْ ثم مَنْ

وروى بإسناده قال: سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين صاحب فخ هاتفًا يهتف ويقول:

ألا يا لقوم للسواد المصبّح ... ومقتل أولاد النبي بِبَلْدح

لِبَيْكِ حسينًا كل كهل وأمرد ... من الجن إذ لم يبك للإنس مترح

فإني لجني وإن معرّسي ... لبالبُرْقةِ السوداء من دون رَحْرَح

فسمعها الناس فلا يدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين عليه السلام.

وروي أن عدة الجيش الظالم كانت أربعين ألفًا.

وروى الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام عن عمه سليمان بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم أن الجيش الذين حضروا لقتال الحسين بن علي الفخي عليهما السلام اسودت وجوههم قاطبة فكانوا يعرفون من بين الناس، فيقال: هذا من الجيش الذين قتلوا الفخي.

وقبره بفخ عند بستان الديلمي في الزاهر. أمر الإمام المنصور بالله عبدالله ابن حمزة عليه السلام إلى السيد أبي الحسن قتادة بن إدريس بعمارته فعمر عليه، وعلى الحسن بن محمد قبّة حسنة سنة إحدى وستمائة.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة

هو: أبو عبدالله الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
وأمه: زينب بنت عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب عليهم السلام، وأمها هند بنت أبي عبيدة، وكان يعرف أبوه وأمه: بالزوج الصالح لصلاحهما وفضلهما، وكان أبوه أيضًا يسمى: عليَّ الخير، وعلي الأغرَّ، وهو الذي كان في جملة المحبوسين في حبس أبي الدوانيق لا يعرفون أوقات الصلوات إلا بتلاوته للقرآن، ووظائف عبادته التي كان قد وظَّفها؛ لأن أبا الدوانيق حبسهم في موضع لا يُميِّزون فيه بين ليل ونهار، فكانوا لا يهتدون لأوقات الصلاة إلا بتلاوته لأجزاء القرآن التي كان قد اعتادها قبل الحبس.

وروى بعض من صنَّف أخبارهم: أنه قال له عمه عبدالله بن الحسن عليهما السلام: يا بني قد ترى ما نحن فيه فادع الله تعالى أن يخفِّفَ عنَّا، فقال له: يا عم إن لأبي الدوانيق منزلة في النار لا ينالها إلا بما فعل بنا، وإن لنا منزلة في الجنة لا ننالها إلا بالصبر على ما نحن فيه، فإن شئت أن أدعو الله أن يخفف عن أبي جعفر ويقصِّر بنا عن منزلتنا فعلت؟. فقال له عمه عليه السلام: بل نصبر، وكانت حِلَق أقيادهم قد اتسعت فكانوا يُحلُّونها فإذا أحسوا بالحرس ردُّوها وامتنع هو عن مثل ذلك، فقال له بعضهم في هذا، فقال: لا أحله حتى أحضر أنا وأبو جعفر بين يدي الله تعالى فيسأله فيم قيدني؟ إلى غير ذلك من طرائقه الشريفة. وكل آبأئه عليهم السلام نُجَبَاء بررة أزكياء، فروع شجرة طيبة مباركة.

صفته (ع)

ذكر السيد أبو طالب عليه السلام أنه كان أسود الرأس واللحية لم يخالطه الشيب، وكان بطلا شجاعًا، سخيًّا لا يكترث بالأموال.

ذكر طرف من أحواله ومناقبه (ع)

كان عليه السلام قد نشأ على السداد وطرق الرشاد، جامعًا بين العلم والعمل حتى اعتلى ذروة الشرف، جاريًا على طريقة آبأئه الأخيار السادة الأبرار عليهم السلام.

وقد روى العلماء فيه من الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمما يقضي بفضله، فمن ذلك ما رواه الشيخ أبو الفرج في مقاتل الطالبية [634] بإسناده عن زيد بن علي عليهما السلام قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمإلى موضع فَخّ فصلى بأصحابه صلاة الجنائز، ثم قال: ((يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، يُنزل لهم بأكفان وحنوط من الجنة، تسبق أرواحهم إلى الجنة قبل أجسادهم)).

وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن علي قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلمبفخ فنزل فصلى ركعة فلما صلى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلما رأى الناسُ النبي صلى الله عليه وآله وسلميبكي بكوا، فلما انصرف قال: ما يبكيكم؟ قالوا: رأيناك تبكي فبكينا يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نزل عليَّ جبريل لما صليت الركعة الأولى فقال لي: يا محمد إن رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين)).

وكان قد اشتهر من الكرم والجود بما لم يشتهر به عربي ولا عجمي في عصره، والروايات في هذا المعنى كثيرة إلا أنا نذكر راوية تجمع.

روى الشيخ أبو الفرج رحمه الله بإسناده، قال: ركب الحسين صاحب فخ دينٌ كثير، فقال لغرمائه: الحقوني إلى باب المهدي، وخرج فخرجوا إلى باب المهدي فقال لآذنه: قل له: هذا ابن عمك الينبعي على الباب، قال: وكان على جمل فقال له: ويلك أدخله على جمله فأدخله حتى أناخه في وسط الدار، فوثب المهدي فسلم عليه وعانقه وأجلسه إلى جنبه وجعل يسأله عن أهله، ثم قال له: يا ابن عم ما جاء بك؟، قال: ما جئتك وورائي أحد يعطيني درهمًا، قال: أفلا كتبت إلينا؟ قال أحببت أن أُحْدِثَ بك عهدًا، فدعا المهدي ببدرة من دنانير، وبدرة من دراهم، وتخت من ثياب حتى دعا له بعشر بدر دنانير، وعشر بدر دراهم، وعشرة تخوت فدفعها إليه، وخرج فطرحت في دارٍ ببغداد، وجاءه غرماؤه، فكان يقول للواحد: كم لك علينا؟ فيقول: كذا وكذا، فيزن له، ثم يدخل يده في بيت الدنانير والدراهم فيقول: هذا صلة منا لك فلم يزل حتى لم يبق من ذلك المال إلا شيء يسير، ثم انحدر إلى الكوفة يريد المدينة فنزل قصر ابن هبيرة في خان، فقيل لصاحب الخان: هذا رجل من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ له سمكًا فشوّاه وجاء به ومعه رقاق، وقال له: لم أعرفك يا ابن رسول الله، قال لغلامه: ما بقي معك من ذلك المال؟ قال: شيء يسير، والطريق بعيد، قال: ادفعه إليه.

وروينا عن الإمام القاسم بن إبراهيم عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: عوتب الحسين بن علي عليهما السلام صاحب فَخّ فيما كان يعطي، وكان من أسخى العرب والعجم فقال: والله ما أظن أن لي فيما أُعطي أجرًا، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] والله ما هو عندي وهذه الحصاة إلا بمنزلة؛ يعني المال.

والحكايات في هذا المعنى كثيرة، وما أقمنه بقول القائل:

وما مُزبدٌ من خليج البحو ... ر يعلو الآكام ويعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده ... فيعطي المئين ويعطي البدورا

ذكر بيعته ونبذ من سيرته (ع)

روى الشيخ أبو الفرج أن موسى الملقب بالهادي، ولى على المدينة إسحاق ابن عيسى فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبدالله فحمل على الطالبيين وأساء إليهم وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض في كل يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كل واحد منهم بكفالة قريبه ونسبه، فضمن الحسين بن علي، ويحيى بن عبدالله بن الحسن، والحسن بن محمد بن عبدالله بن الحسن، ووافى أوائل الحاج، وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا في دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، وغلَّظ العُمَري أمر العرض، وولَّى على عرض الطالبيين رجلا يعرف بأبي بكر بن عيسى بن الحائك مولى للأنصار، فعرضهم يوم جمعة فلم يأذن لهم في الانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد، ثم أذن لهم، فكان قصارى أحدهم أن تغدّى وتوضأ للصلاة وراح إلى المسجد فلما صلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر ثم عرضهم فدعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى بن عبدالله، والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما؛ فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، ولقد خرج أو تغَيّب، فرادَّه بعض المرادّة، وشتمه يحيى فخرج، ومضى ابن الحائك هذا ودخل على العمَري فأخبره، فدعا بهما فوبخهما وتهددهما، فتضاحك حسين في وجهه، وقال: أنت مغضب يا أبا حفص، فقال له العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟ فقال له: قد كان أبو بكر وعمر وهما خير منك يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية، فقال له: آخر قولك شر من أوله، فقال معاذ الله: يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه، فقال له: أفإنما أدخلتك لتفاخرني وتؤذيني! فغضب يحيى بن عبدالله وقال له: فما تريد منا؟ فقال: أريد أن تأتيا بحسن بن محمد، فقال: لا نقدر عليه وهو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا، ثم اعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من غاب أكثر من غيبة حسن عنك فقد أنصفتنا، فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيء به في باقي يومه وليلته، وأنه إن لم يجيء به ليركبَنَّ إلى سويقة فيخربها ويحرّقها، وليضربن الحسن ألف سوط، وحلف بهذه اليمين أنّ عينه إن وقعت على حسن بن محمد ليقتلنه من ساعته، فوثب يحيى مغضبًا فقال له: أنا أعطي الله عهدا، وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نومًا حتى آتيك بحسن أو لا أجده، فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك، وخرجا من عنده وهما مُغْضَبان، وهو مُغْضَب، فقال حسين ليحيى: بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسنًا؟ قال: لم أرد أن آتيه بحسن والله وإلاّ فأنا نفيٌ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمومن علي عليه السلام إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف، إن قدرت عليه قتلته، فقال له حسين: بئس ما تصنع، تكسر علينا أمرنا؟ قال له يحيى: وكيف أكسر عليك أمرك، وإنما بينك وبين ذلك عشرة أيام حتى تسير إلى مكة؟ فوجه الحسين إلى حسن بن محمد فقال له: يا ابن عم، قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت، فقال له الحسن: لا والله يا ابن عم، بل أجيئ معك الساعة حتى أضع يدي في يده، فقال الحسين: ما كان الله ليطلع عليَّ وأنا جاءٍ إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلموهو خصيمي وحجيجي في دمك، ولكني أقيك بنفسي لعلّ الله أن يقيَني من النار.
فجاءه يحيى وسليمان وإدريس بنو عبدالله بن الحسن، وعبدالله بن الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن، وعبدالله بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ووجهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا ستة وعشرين رجلا من ولد علي عليه السلام وعشرة من الحاج، ونفر من الموالي، فلما أذن المؤذن الصبح دخلوا المسجد ثم نادوا (أحد ... أحد). وصعد عبدالله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلمعند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذن (حي على خير العمل) فلما نظر السيف في يده أذن بها، وسمعه العُمَري فأحس بالشر ودهش، وصاح: أغلقوا البغلة بالباب، وأطعموني حبتي ماء، قال علي بن إبراهيم في حديثه: فَوَلده إلى الآن يعرفون ببني حبتي ماء.
قالوا: ثم اقتحم إلى دار عمر بن الخطاب، وخرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم بن عمر، ثم مضى هاربًا على وجهه يسعى حتى نجا، وصلى الحسين بالناس الصبح، ودعا بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعا بالحسن وقال للشهود: هذا حسن قد جئت به فهاتوا العمري وإلا قد خرجت من يميني وما عليَّ.
ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن حسن بن حسن فإنه استعفى فلم يكره. وموسى بن جعفر، وكان من حديث موسى أنه قال للحسين: إنك مقتول فأجدَّ الضراب فإن القوم فسَّاق يظهرون إيمانًا ويُضمرون شركًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسبكم من عصبة.
وخطب الحسين بن علي عليهما السلام بعد فراغه من الصلاة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفي حرم رسول الله، أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها الناس: أتطلبون آثار رسول الله في الْحَجَر والعود وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه؟! وأقبل خالد البربري وكان مسلحة للسلطان بالمدينة - في السلاح ومعه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له: باب جبريل، قال الراوي: فنظرت إلى يحيى بن عبدالله قد قصده في يده السيف، فأراد خالد أن ينزل فبدره يحيى فضربه على جبينه، وعليه البيضة والمغْفَر والقلنسوة، فقطع ذلك كله وأطار قحف رأسه وسقط عن دابته، وحمل على أصحابه فتفرقوا وانهزموا.
ثم استخلف الحسين بن علي عليهما السلام درباس الخراعي، وخرج قاصدًا إلى مكة معه من تبعه من أهله ومواليه وهم زهاء ثلاثمائة، فلما قربوا من مكة وصاروا (بفخّ وبَلْدَح) تلقتهم الجيوش، فعرض العباس بن محمد على الحسين الأمان والعفو والصلة فأبى ذلك أشد الإباء.
وَلَمَّا لقي الحسين عليه السلام المسودة أقعد رجلا على جمل معه سيف يلوِّ ح، والحسين يملي عليه حرفًا حرفًا ويقول: ناد، فنادى: يا معشر الناس، يا معشر المسودة، هذا حسين ابن رسول الله وابن عمه يدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وروينا عن أبي العرجاء جمَّال موسى بن عيسى، قال: لما وصلنا بستان بني عامر فنزل فقال: اذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكل ما رأيت، قال: فمضيت فدرت فما رأيت خللاً ولا فللاً، ولا رأيت إلا مصليًا أو مبتهلاً، أو ناظرًا في مصحف، أو معدًّا لسلاح، قال: فجئته فقلت: ما أظن القوم إلا منصورين.
فقال: كيف ذلك يا ابن الفاعلة؟ فأخبرته فضرب يدًا على يد وبكى حتى ظننت أنه سينصرف، ثم قال: هم والله أكرم عند الله، وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم، ولو أن صاحب القبر - يعني: النبي صلى الله عليه وآله وسلمنازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب بطبلك ثم سار إليهم، فوالله ما انثنى عن قتلهم حتى قتلهم.

ذكر أولاده ووفاته (ع)

لما انتهى عليه السلام إلى فخ وبَلْدَح لقيتهم الجنود الظالمة وكان قوَّادهم العباس بن محمد، وموسى بن عيسى، وجعفر ومحمد ابنا سليمان، ومبارك التركي وغيرهم، فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد في القلب، فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين وجعلت المسودة تصيح بالحسين: يا حسين لك الأمانَ فيقول: الأمان أريد! ويحمل عليهم، فقتل معه سليمان بن عبدالله بن حسن، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن، وأصابت الحسن بن محمد بن عبدالله نشابة في عينه فتركها في عينه وجعل يقاتل أشد القتال، فناداه محمد بن سليمان: يا ابن خال اتق الله في نفسك، لك الأمان، فقال: والله ما لك أمان ولكني أقبل منك، ثم كسر سيفًا هنديًا كان في يده ودخل إليهم، فصاح العباس بن محمد بابنه: قتلك الله إن لم تقتله، أبعد تسع جراحات ينظر هذا! فقال له موسى بن عيسى: إي والله عاجلوه، فحمل عليه عبيدالله فطعنه، وضرب محمد بن العباس عنقه بيده صبرًا، وتنشبت الحرب بين العباس بن محمد ومحمد بن سليمان، وقال: أمّنتُ خالي فقتلتموه! قالوا: نحن نعطيك رجلا من العشيرة فتقتله مكانه.

وروي أن موسى بن عيسى هو الذي ضرب عنق الحسن بن محمد.

وروينا بالإسناد عن الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام قال: حدثني أبي قال: بايعنا الحسين بن علي الفخي عليهما السلام على أنه هو الإمام، قال: وأصابته جراحة والدم لا يرقأ، فقلنا له: أنت في هذه الحال، لو تنحيت. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليبغض العبد يستأسر إلا من جراحة مثخنة)).

وروينا أنه تأخر جماعة ممن بايع الحسين بن علي الفخي عليهما السلام فلما فقدهم عند المعركة أنشأ يقول:

وإني لأنوي الخير سرًا وجهرة ... وأعرف معروفًا وأُنكر منكرًا

ويعجبني المرؤ الكريم نِجَارُه ... ومَنْ حين أدعوه إلى الخير شمّرا

يعين على الأمر الجميل وإن يرى ... فواحش لا يَصْبِرْ عليها وغيّرا

وروى الشيخ أبو الفرج بإسناده عن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عمن ذكره قال: رأيت الحسين صاحب فخ، وقد دفن شيًئا فظننت أنه شيء له مقدار، فلما كان من أمره ما كان نظرنا فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع فدفنه ثم عاد فكر عليهم.

وروى أيضا أن حمادًا التركي وكان ممن حضر وقعة فخ، فقال للقوم: أروني حسينًا فأروه إياه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب، وقتل أكثر أصحابه عليه السلام.

وروى الشيخ أبو الفرج بإسناده عن نصر الخفاف قال: أصابتني ضربة وأنا مع الحسين صاحب فخ فَبَرَتِ اللحم والعظم، فبتُّ ليلتي أعوي منها، وأنا أخاف أن يجيئوني فيأخذوني إذا سمعوا الصوت، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلموقد جاء، فأخذ عظما فوضعه على عضدي فأصبحت وما أجد من الوجع قليلاً ولا كثيرًا!.

ولما قتل عليه السلام أخذ رأسه وحمل إلى موسى الملقب بالهادي، ودفن بدنه (بفخ). ومشهده مشهور مزور، ولا عقب له عليه السلام.

قال السيد أبو طالب عليه السلام: وكان له يوم قُتل إحدى وأربعون سنة، ولما قتلوه نفذوا إلى المدينة، فلما دخلوها وجلس موسى بن عيسى وأقبل الناس إليه، وأقبل موسى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام على أثر ذلك وعليه مدرعة صوف غليظ، وفي رجليه نعلان من جلود الإبل فقعد في طرف، فقال السري بن عبدالله: يا موسى كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تَدَعُونه لبني عمِّنا المنعمين عليكم؟ فقال موسى أقول في ذلك:

بني عمِّنا ردوا فضول دمائنا ... يَنَمْ ليْلُكُمْ أولا يَلُمْنَ اللوائم

فإنا وإياكم وما كان بيننا ... كذي الدّين يقضي دينه وهو راغم

فقال السري: والله ما يزيدكم البغي إلا ذلّة، ولو كنتم مثل بني عمِّكم - يعني موسى بن جعفر - فقد عرف حق بني عمه وفضلهم عليه فهو لا يطلب ما ليس له، فقال موسى بن عبدالله عليه السلام:

فإن الأولى تُثني عليهم بقيتي ... أولاك بنو عمي وعمُّهُم أبي

فإنك إن تمدحهُم بمديحة ... تُصدّق وإن تمدح أباك تُكذّب

وروي أن محمد بن سليمان لما حضرته الوفاة كانوا يلقنونه الشهادة وهو يقول:

ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكنْ ... شهدتُ حسينًا يوم فخٍّ ولا الحسنْ

ولبعضهم يرثي الحسين بن علي عليهما السلام:

يا عين بكِّي بدمع منك منهتن ... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن

صرعى بفخٍّ تجرُّ الريح فوقهم ... أذيالها وغوادي الدلّح المزن

حتى عفت أعظمٌ لو كان شاهدها ... محمد ذبَّ عنها ثم لم يهن

ماذا يقولون إذ قال النبي لهم: ... ماذا فعلتم بنا في سالف الزمن؟

لا الناس من مُضَر حاموا ولا عصموا ... ولا ربيعة والأذواء من يمن

يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حُرمًا ... وقد رأى الفيل حق البيت ذي الركن

ولبعضهم يرثيه أيضا:

فلأبكين على الحسين ... بِعولَة وعلى الحسن

وعلى ابن عاتكة الذي ... أثووه ليس بذي كفن

نزلوا بفخ غدوة ... في غير منزلة الوطن

كانوا كرامًا فانقضوا ... لاطائشين ولا جُبن

غسلوا المذلّة عنهم ... غسل الثياب من الدّرن

هُديَ العباد بجدِّهم ... فلهم على الناس المنَنْ

رواه الشيخ أبو الفرج لعيسى بن عبدالله.

وروى عن بعضهم قال: رأيت في النوم رجلاً يسألني أن أنشده هذه الأبيات، فأنشدته إياه، فقال لي: زد فيها:

قومٌ كرامٌ سادةٌ ... مَنْ هُمْ ومَنْ هُمْ ثم مَنْ

وروى بإسناده قال: سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين صاحب فخ هاتفًا يهتف ويقول:

ألا يا لقوم للسواد المصبّح ... ومقتل أولاد النبي بِبَلْدح

لِبَيْكِ حسينًا كل كهل وأمرد ... من الجن إذ لم يبك للإنس مترح

فإني لجني وإن معرّسي ... لبالبُرْقةِ السوداء من دون رَحْرَح

فسمعها الناس فلا يدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين عليه السلام.

وروي أن عدة الجيش الظالم كانت أربعين ألفًا.

وروى الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام عن عمه سليمان بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم أن الجيش الذين حضروا لقتال الحسين بن علي الفخي عليهما السلام اسودت وجوههم قاطبة فكانوا يعرفون من بين الناس، فيقال: هذا من الجيش الذين قتلوا الفخي.

وقبره بفخ عند بستان الديلمي في الزاهر. أمر الإمام المنصور بالله عبدالله ابن حمزة عليه السلام إلى السيد أبي الحسن قتادة بن إدريس بعمارته فعمر عليه، وعلى الحسن بن محمد قبّة حسنة سنة إحدى وستمائة.

قائمة بأئمة الزيدية بحسب المنطقة