وكان عليه السلام قد أوصى بوصية هذه نسختها:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه وصية العبد المتلهف المتأسف على ما فرط وضيع، وقصر وغدر، المستعبر على نفسه طويلاً، الباكي صياحاً وعويلاً. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له متعالي عن الأضداد والأنداد، منزه عما نسب إليه الظالمون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اختاره للرسالة ودل على صدقه بالدلالة، بعثه إلى كافة الخلق بالأمر الحق بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً خاتم الأنبياء وخير الأصفياء صلى الله عليه وآله وسلم.
وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، والبعث حق والنشور حق، وأن الخلائق يحشرون ويجمعون إلى أرض صردح ويسألون ويحاسبون، ويثابون ويعاقبون، فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأشهد أن أمير المؤمنين إمام المسلمين بعد رسول رب العالمين؛ لما خصه الله تعالى بمجموع الفضائل والمناقب، ووضعه في أشرف المناسب، بمنصوص التنزيل المعرض للتأويل، لتقابل الأشباه والأمثال، وتعارض المعاني والأشكال، سميناه نصاً خفيّاً، وإن كان معناه عند الرساخ واضحاً جليًّا. وأما كبار الصحابة الذين تصدروا للإمامة ونهضوا بالخلافة فلا أغض نفوسهم وأغراضهم، ولا أقابل بالشتم أعراضهم، بل أجد موجدة الزاري عليهم، والمستريد منهم لتمسكهم بالمحتملات، وتعلقهم بالمتأولات وأكل أمرهم إلى الله تعالى.
كما قال القاسم عليه السلام: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134] وأما الرتبة التي ادعيتها، والمنزلة التي اعتليتها، والذروة التي امتطيتها فإنما كان عن اعتقاد وقع مني أني أكمل العترة خصالاً وأتمهم خلالاً، وأجمعهم لشرائطها وأعلمهم بطرائقها، ولقد خضت غمرتها ومارست شدتها، ما أعلمتني مواضعها مواقعها.
وأما الأموال التي تسكعت فيها واقتحمت عليها مترخصاً برخص الشرع لرزوح الحال، وقلة المال، وظهور الاختلال.
وذكر أبو حنيفة في الجامع الصغير: أنه يجو ز للسلطان العادل أن يستقرض لبيت المال إذا كان في بيت المال قلة وبالمسلمين حاجة، ثم لم آل جهداً في الاستحلال من المالك حين وجدت، ووصيت إلى جميع المسلمين آحادهم وأفرادهم أن يستحلوا كل من وجد في حال حياتي وبعد مماتي، وإن عشت أقوم بإصلاح ما أخذته من المال بطريق الجبر والقهر، وما مددت يدي إليه لقضاء الوطر وابتغاء الأرب كما يفعل المسرفون والمترفون والمترغدون، وإنما الغرض الأعظم حفظ قناة الدين أن يعوج ودعائم الإسلام أن ترتج، وعزمت في القابل أن لا أعود إليه، ولا أرجع فيه؛ فإن المحارم أحمية الشرع، فمن حام حولها يوشك أن يقع فيها ويتورط عليها، فدونها القتاد مخرط، والجواد محبط، والعاقل مورط، فليحذر كل الحذر، فإن السفر فيه الخطر، والحساب شديد والرجوع بعيد، والحاكم عدل لا يخفى عليه شيء: لا خافية الأعين، ولا همس الألسن، ولا هوادة عبودية في الجزاء والاقتصاص، هيهات لات حين مناص، إله غفار وملك جبار، غضب عظيم وجنة نعيم، وعقاب وجحيم، وزبانية شداد حداد، فأما أسقاط الدفاتر كلها تصرف إلى ابن أخي (الرضى) أنبته الله نباتاً حسناً إن اشتغل بالعلم فيه، ونشأ عليه وشدا منه شدوًا حسناً، فإن أضربَ عنه صفحاً، وطوى عنه كشحاً، فهي مقسطة على الأكابر والأفاضل من أهل العلم، تفرق عليهم بكمالها.
وأما الأثاث والأمتعة لو بقيت في يدي ابنتي الكبرى فهي لها، لا حق لأحد فيها، والأفراس والبغال ونوع من الأسلحة وإن قلت هي مصروفة إلى عمارة مشهد والدي على ما استصوبه المسلمون، ينفق عليها ويصرف إليها، فالناس اتهموني باختزال نفائس الأملاك وعقائل الأموال واختزانها والبخل بها والشح فيها، فوالذي خلقني وخلق الخلائق أني ما ادخرت من الذهب قط ثلاثة آلاف دينار، وإنما كانت ألفين ونيفاً، إلى أن أغار علي الترك ودخلت في ضمان الديلم، فلم يجتمع عندي ألف قط..
والله تعالى مطلع على سرائري وضمائري، فالمال مكذوب عليه، والكبير يوجد ثم يرزح، والقوي يعدو ثم يطلح.
وأمرت المسلمين كافتهم وعامتهم، وآحادهم وأفرادهم، فأذنت لهم أن يختاروا لي خيراً، (ويكسبوا لي ذخراً، بصدقة ودعاء لي خيرا) وطاعة كانت وإن قل ثوابها لي، وأنا استغفر الله العظيم من كل كبيرة وصغيرة، وهفوة وسقطة وعثرة، ومن مسعاة قدمي، ومكسب يدي الذي يسخط الرب ويغضب الإله، وأجأر بالدعاء إلى الله ضارعاً، وأخبت له خاضعاً، وقال:
فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي ... وعمري فان والردى لي قاهر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت ... يجازي عليه اعدل الحكم قادر
ارحم اللهم شيبتي وذلتي، وقلتي ووحدتي وغربتي، فمن يرحمنا إذا لم ترحم؟، ومن يكرمنا إذا لم تكرم؟! فأنت آخذ بنواصي العباد، والحاكم يوم المعاد وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.