قال قدس الله روحه في صدر كتابه المعروف بسياسة المريدين: الحمد لله الذي جعل لنا إلى سلوك مناهج الأبرار سبلاً لائحة، ونصب لنا على لزوم مدارج الأخيار أدلة واضحة، وجعل من تبتل إليه ووقف عليه مشاهداً لدواعي الحق التي ذهب عنها أكثر الخلق، واستنقذهم من أسر الحيرة، وعصمهم من بوادر الفتنة، وملكهم أزمة قلوبهم، ووقاهم شح نفوسهم، وآنسهم برياض تنزيله، وفهمهم غوامض تأويله، وجعل لهممهم مطالع في ملكوته، ولضمائرهم مراتع في عظمته وجبروته، حتى عزفت نفوسهم عن أكثر ما لهج الخلق به من الشهوات، وثبتت أقدامهم حيث دحضت أقدام كثير من ذوي الخطيئات ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].
والحمد لله الذي جعل التوبة للمذنبين المسرفين على أنفسهم وسيلة ينالون بها متى أخلصوها كل فضيلة، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ53﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ55﴾ [الزمر].
وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى نبيه داود عليه السلام أن أنذر الصديقين وبشر المذنبين، فقال: يارب، كيف أنذر الصديقين وأبشر المذنبين؟ فقال عز وجل: بشر المذنبين أني أقبل التوبة، وأنذر الصديقين لئلا يغتروا بأعمالهم، أو ما يرجع إلى هذا المعنى من اللفظ أو يقرب منه.
وصلى الله على نبيه المبعوث نبي الرحمة المبعوث إلى كافة الأمة بالرأفة والرحمة محمد وآله.
ثم قال قدس الله روحه في باب ما يستعان به على التوبة:
اعلم علمك الله الخير أن من أراد أن يحصل لنفسه منزلة التائبين، فيجب أن يملأ قلبه خوفاً وخشية؛ لأن التوبة لا تكاد تتم، وإن تمت لم تصف ولم تدم مالم يصحبها الخوف والخشية، ثم قال بعد ذلك: واعلم أن الخوف للتوبة بمنزلة الأساس للأبنية، فكما أن الأبنية إذا لم تكن بنيت على أساس متين لم تستقم ولم يطل لبثها، (كذلك التوبة إذا لم تبن على الخوف والخشية) لم تستقم ولم يطل لبثها؛ ولهذا كثير من المتكلمين بنوا أمر الخواطر التي ترد على المكلف في أول أمره على الخوف.
واعلم أن أكثر الأشياء دواعي وأقربها بواعث على الغرض المقصود في هذا الباب هو الاستكثار في ذكر الموت وإشعار النفس أسباب الفوت والأحوال التي تكون عند الموت وبعد الموت من البلاء في القبر وأحوال النشور والبعث، وأحوال أهل الجنة والنار، والاستدامة لتصورها وتمكين ذكرها من النفس، حتى ينكسر مرحها، ويخف أشرها، وتكثير إيرادها على القلب حتى يغمره وتستولي عليه.
ومن أحس من قلبه بالقساوة وقلة التنبه فليتصور أحواله عند الغرغرة والنزع عند مفارقة الروح للجسد، وكيف يبقى بين أهله طريحاً ذليلاً، وأحوال أهله وأيتامه، وكيف يبكون عليه ويندبونه، وكيف يأخذون عنه ثياب الدنيا، وكيف يطرحونه على المغتسل، وكيف يلقونه في الكفن، ويدلونه في القبر، وكيف يبلى هناك، وكيف تعيث الدواب والحيات في لحمه وجلده، ولينح على نفسه بذلك بصوت شجي في الخلوات وفي ظلام الليل، فإن العلم بهذه الأحوال علم الضرورة، والإنسان قد شاهدها كثيراً، وما يعلم ضرورة ويكون مشاهداً يكون تأثيره في النفس والقلب أقوى، فليهتم بهذا الباب اهتماماً صادقاً.
وبلغني أن نوحاً عليه السلام سمي نوحاً؛ لأنه كان ينوح على نفسه، فإذا ظهر تأثير ما قلنا في القلب والنفس وأجرى دموعه فكر حينئذ في أحوال البعث والنشور، والجنة والنار التي طرق العلم بها اكتساب، فإنه ينتفع بذلك إن شاء الله تعالى نفعًا بيِّنًا.
وقال قدس الله روحه في هذا الكتاب من باب الإرادة: اعلم أن الإرادة هي طلب الانقطاع إلى الله عز وجل من كل ما سواه، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا8﴾ [المزمل]، قيل في التفسير: أخلص له إخلاصاً. وقال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ50﴾ [الذاريات].
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حاكيا عن الله تعالى: ((ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقاً، ابن آدم لا تتباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلا))
ثم قال قدس الله روحه: هذه وصية لجنيد بن محمد أثبتناها على وجهها لتعلقها بغرضنا في هذا الباب ولما فيها من عظيم النفع للمريد.
قال أبو القاسم رحمه الله: اعلم رحمك الله أن الله تعالى ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمها، فانظر أين ينزلك قلبك؟، واعلم أنه يوصل إلى القلوب من خيره ما اتصلت به القلوب من تعظيم أمره، فانظر ماذا يتصل بقلبك، واعلم أنه يقبل على القلوب حسب ما القلوب مقبلة عليه، فانظر ماذا أنت مقبل بقلبك؟،
واعلم أن الله تعالى يخلص إلى القلوب من بِرِّه على ما تخلص القلوب إليه من ذكره، فانظر ماذا خالصه قلبك؟، واعلم أن الله تعالى يعظم القلوب ويرفعها على حسب ما هي معظمة له، فانظر ماذا الذي تعظم في سرك ويعلو إليه مرادك؟، واعلم أن موانع القلوب في الابتداء ما مالت عليه من أسباب الدنيا، فاعمل على قطع الأسباب تنل بغيتك من الطلب.
واعلم أن قليل ما ينفق منها في السرائر يحول بينك وبين نفيس الذخائر، فاعمل في إخراج ما بقي منها تنل بذلك ما تطلب من خالقها.
واعلم أن القلوب إذا تجردت من الأمور الدنيوية صحت وصفت للعلوم الأخروية، فاعمل في ابتداء أمرك على إخراج ذلك من سرك، واحذر أن يبقى عليك منها شيء مستبطن أو دقيق مراد قد كمن، فيقفك ذلك ويعترض بقدره في صحة المراد، فكن على استعصاء منه، وكن فيها على أحوالك كلها زاهداً، فيصحو عند ذلك عقلك ويصفو قلبك.
واعلم أن هذا أول منزلة من منازل المريدين.
واعلم أنك إن صدقت في إرادتك له صدقك في إرادته لك.
وأعلم أن الله تعالى إذا أرادك تولاك وأغناك.
واعلم أنك إن كنت لطاعته مؤثراً كان عليك بمنافعك مقبلاً، وكذلك إذا كنت لعهده راعيا وبأمره عاملاً كان بالتأييد لك حافظاً، فمِنْ شاهِدِ ذلك في نفسك أنك إذا اعترض لك أمران ميزتهما بالعلم، فإذا كشف لك التمييز بالعلم عن أفضلهما ركبت الأفضل وعملت بالأجزل، ولم ترض في نفسك بالمفضول، فإذا كنت كذلك كنت صادقاً، وكان الله تعالى لهمك رافعاً، فإذا ارتفع همك وقوي علمك كان ذكر الله تعالى السابق إليك، والعاطف بقربه عليك، ولم تر شيئا أقرب إليك منه، ولا أقرب منك إليه، فإذا خلص لك ما وصفنا فاعتدل واستوى، لم تكن ظاعنًا إلا إليه، ولا نازلاً إلا عليه، والعلم من وراء ما أوصيتك به، فاعمل بوصيتي تنل بها من العلم من وراء ذلك.
قال قدس الله روحه: وقال بعض الحكماء: علامةُ المريد إذا صدق في عزمه رفض الدنيا إذا كانت شاغلة للقلب ومفتِّرة له عن طاعة الله تعالى، وأحواله في الزيادة على حسب الكد والاجتهاد والانكماش والمبادرة، وحمل النفس على المكاره، ومفارقة الراحة ومجانبة الرفاهية، وليصحب من يريد ما يريد لتزداد قوة إرادته، وليستوحش ممن يريد ما لا يريد، ولِيتقَوَّ على ما يريده.
ثم قال قدس الله روحه فيه: اعلم أن أصل هذا الباب وملاكه وما عليه يدور: هو مجانبة الشبهات، وترك ما أمكن تركه من المباحات، وبحسب ما يتركه العبد من المباح يكون فوزه للنجاح، وظفره بالمطلوب ونيله للمحبوب، وبحسب استيفائه وتمتعه له يفتر سيره، ويضعف عزمه وإرادته، وينشب العدو فيه أظفاره ومخالبه، فمن عزم على طلب الانقطاع إلى الله عز وجل، واستحقاق اسم المريدين، فليوطن نفسه على ترك ما أمكن تركه من المباح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، فكل ما لا يعنيك فهو من اللغو.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وأصل ترك المباح الذي لا بد للمريد منه، ولا يستقيم أمره دونه، ولا يستقيم إلا عليه ولا يملك زمام قلبه إلا به هو ملازمة الصمت ومداومة الجوع والعطش.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من عرف الله تعالى وعظمه منع الله فاه من الكلام وبطنه من الطعام وفرجه من الحرام)).
وقال قدس الله روحه: واعلم رحمك الله أن المريد ربما يعرض له فتور قوي واضطراب شديد حتى ينتشر همه بعد أن كان مجموعاً، ويشرد فكره بعد أن كان مزموماً وحتى يظن أن قلبه [كأن] قد صار أعلاه أسفله، فيضيق صدره ويكاد يفسد عليه أمره: وقد يكون ذلك لسبب ظاهر، وقد يكون من غير سبب، فلا يجب أن يرتاع عند ذلك ارتياعاً يزيد في اضطرابه، ويوهمه مفارقة حاله، بل يجب أن يفر إلى الله تعالى، ويستغيث به، ويستنزل المعونة من عنده، ويدوم على ذلك، وإن لم يجد للاستعانة الحلاوة التي كان يجدها من قبل لم ييأس من عوده إلى حالته، واستمر على البكاء والتضرع إلى الله تعالى، ومسألته كشف ما به، ويفزع إلى تنبيه القلب بقراءة القرآن بصوت شجي واستماعها من غيره.
و[لينظر] في حكايات المتقدمين ومواعظهم، ويستعين على ذلك بمذاكرة من يكون منهم في زمانه ومجالستهم، واستماع كلامهم، وتأمل أحوالهم، فإن كثر ذلك ودام حتى يغلبه الوسواس، استعمل ما ذكرناه في باب ما يستعان به على التوبة، واجتهد في تحصيل الخوف، وذكر نفسه آلاء الله ونعمائه ، فإن ذلك مما يقوي قلبه ويحبس عنه الشيطان.
واعلم أن ما كان من ذلك لغير سبب معلوم كان دفعه أسهل، وانحسامه أيسر، وعودة العبد إلى حالته الأولى أقرب، وما كان من ذلك لسبب ظاهر يعرفه المريد من نفسه، فإنه يحتاج أن يعمل في إزالة ذلك السبب ودفعه، ويستعين بالله على ذلك إنه خير معين.
ويكون بقاء هذا العارض وقوته بحسب قوة السبب الموجب له وبحسب بقائه، ومتى انحسم ذلك وجد المريد له روحاً في الحال، وانشرح صدره انشراحاً عجيباً، وعاد إلى حالته الأولى، وكان سبيل قلبه سبيل المشرفي يخرج من الصقال.
فليكن المريد متنبها عندما وصفناه وليستعمل ما ذكرنا، فإن الله تعالى بلطفه وفضله يغني من اتقاه، ولا يخيب رجاء من ارتجاه، وليكن دأبه ومعظم همه عند اعتراض هذا العارض التمسك بفعل الواجبات، والتنكب من المحظورات، وإن اختلت عليه النوافل والمجاهدة.
واعلم وفقك الله إلى الخير أن للشيطان كيدين يقطع المريد بكل واحد منهما عن سيره وقصده، ويرده عن طريقه ونهجه، ولكل واحد من الكيدين تفاصيل نحن نذكر جملها ليعرفها المريد ويحذر منها كل الحذر. فأحد الكيدين القاطعين له عن غرضه: أن يدعوه إلى القرب التي هي النوافل، وهي له في الحقيقة قواطع وشواغل، وذلك نحو أن يدعوه إلى تحصيل المال، ويوهمه أن يسد به خلة أهل الفقر والمسكنة ويعود به على الأرامل والأيتام، ويصلح الجسور والقناطير، ويبني به المساجد ويستعين به على الحج والغزو، فإذا سول له ذلك زين له الشح، وشغله بالجمع حتى يعود تاجراً إن كان من التجار، أو نائباً إن كان من أهل النيابة، أو عامل السلطان إن كان من العمال.
فإذا شغله بذلك حال بينه وبين همه وصرفه عن طريق المجاهدة، ثم يوشك أن يغلبه الهوى أو يرده على عقبيه وربما دعاه إلى الاشتغال بجمع العلوم، وأوهمه أنه يقمع به الملحدة، ويستنقذ به الضلال من الضلالة، والجهال من الجهالة، فيختلط بالعلماء والمتعلمين، وأكثرهم مائلون إلى الدنيا خاصة في زماننا هذا فيتخلق بأخلاقهم ويتحلى بحليتهم، فيدخل معهم في المنافسة وطلب الرئاسة.
وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى داود صلى الله عليه: يا داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم ان أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم، فيعادي على ذلك ويوالي، ويستعمل بذلك قلبه ويلهج فكره وينسى طريقه ويهجر ما كان آثره، فيتمكن منه الهوى والشيطان، فيدحض قدمه ويزيله عن سواء السبيل.
وربما دعاه إلى السعي في مصالح الناس والتحري لمنافعهم فيدعوه ذلك إلى مخالطة الكبراء وملازمة الرؤساء ومداخلة الملوك وحواشي الملوك حتى يجالسهم ويأنس بهم ويأنسوا به، فيفارق ما كان فيه، ويضيع ما كان يطلبه وينتخبه، ويغلب الهوى عقله، ويجد الشيطان إلى استهوائه جدداً لاحباً وطريقاً لائحاً، وهذه الجمل أكثر ما تعرض للمبتدئين منهم، والذين لم يألفوا حلاوة مقصدهم ولم يأنسوا بمطلبهم وإن كان الجميع منها على خطر.
والقاطع الثاني: هو أن يفتره الشيطان عن اجتهاده، وحمله النفس على المكاره في معاملته، بأن يورد عليه من الآفات ما يتعاطاه وغيره كالعجب والرياء، وما يجري مجراهما، ويوهمه أن اجتهاده ضائع، وربما أوهمه أن الضرر عليه في الاجتهاد أعظم من الضرر في تركه؛ لأنه إذا تركه سلم من الرياء والعجب، وإذا أخذ نفسه به لم يسلم منهما، فيضعف متنه ويوهن عزمه ونيته فيفتر عنه، ومتى فتر غلب هواه عقله، ورده على عقبه خائباً يائساً، ولم يزل به حتى يسلخه من الإرادة ويخرجه من جملة أهلها، وهذا الثاني أكثر ما يعرض لمن يخالط أهل التصوف من الإشارات والعبارات، فليحذر المريد جميع ذلك كل الحذر، وليدفع بجهده ما يجد من ذلك في خاطره وهمه، ويستغيث بالله عز وجل إنه خير مغيث.
وربما أوهمه العدو أن الاجتهاد والطلب لا يظفران بالمطلوب، ولا يوصلان إلى المقصود وأن الوصول عطية يعطيها الله تعالى من يشاء، وأن الطلب ربما كان حجاباً بين الله وبين عبده؛ لأن العبد إذا نظر إلى الطلب وسكن إليه كان ذلك سبباً للقطع فيذهله ذلك (عن المجاهدة، ويورثه فتوراً عظيماً يقطعه لذلك) وهذا إنما يعرض في الأكثر لمن يعاشر أهل التصوف على ما بيناه.
واعلم أن الوصول وإن كان عطيَّة من الله تعالى وتفضلاً فلا بد من الطلب: والاجتهاد وبذل الطاعة في تحصيل الغرض وهكذا وعد الله تعالى فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ69﴾ [العنكبوت] فلا يغتر المريد بهذه المكيدة فإنه لا يأمن أن يصرعه بها العدو صرعة لا نهوض معها عصمنا الله تعالى من ذلك.
وحُكي عن بعض الحكماء - وأظنه عن جنيد - أن في سيرة المريد ألف قاطع يقطعه، كل واحد منها يحول بينه وبين مطلوبه، فليحذر المريد هذه القواطع كل الحذر، وليكن في جميع أحواله مستغيثاً بالله عز وجل، لاجئا إليه خاضعاً بين يديه، متبرئًا من حوله وقوته، مستعصماً بحول الله وقوته عز وجل، وليعلم المريد أن الآفات وإن كانت كثيرة جمة فليس يجوز ترك الاجتهاد ليسلم من الآفات؛ [بل يجب أن يجتهد في دفع الآفات مع المقام على المجاهدة لما يزيد في قوة الآفات] لأن الآفات مصدرها للمريد عن قوة الهوى، وبحسب ازدياد قوتها تزداد الآفات، فليتصور ما بيناه المريد حق التصور، وليتدبر حق التدبر.. إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا القياس فهو كثير، وإنما ذكرنا منه اليسير.
وله دعوة جمع فيها من فوائد العلم الثمينة ويواقيته الشريفة ما يقضي له بالسبق في هذا الباب، وقد رأينا إثباتها في هذا الموضع، قال عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلواته على عباده المصطفين.
هذا كتاب من الإمام المؤيد بالله أبي الحسين أحمد بن الحسين بن هارون الحسني بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى من بلغه من المسلمين في أقاصي الأرض وأدانيها سلام عليكم، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ذو القوة والحول، والإفضال والطول، الذي جعل السماء بناء، والأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وخلقكم أطواراً، وأنشأ لكم أسماعاً وأبصاراً، أحمده رغباً ورهباً على تظاهر نعمه، وتضاعف قسمه، وترادف منحه وتتابع كرمه، وأومن به خاضعاً خاشعاً أنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد، المتعالي عن الأشباه والأنداد، والشركاء والأضداد، وأتوكل عليه موقنا أنه قاهر لا يرام، وقادر لا يضام، وقيوم لا ينام. توحد بالعلاء، وتفرد بالكبرياء، وحمد على النعماء، وعبد في الأرض والسماء، ذلكم الله ربكم له الدين واصباً أفغير الله تتقون ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ53﴾ [النحل] خلق عباده رحمة لهم وإنعاماً عليهم وإحسانا إليهم ثم لم يتكثر بهم عن قلة، ولم يتعزز بهم من ذلة، ولم يستأنس بهم من وحشة، فطر الأرض والسماوات، وجعل النور والظلمات، وأجرى الأفلاك الدائرات، والنجوم المسخرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قولاً صدقاً، أقولها تعبداً ورقاً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلواته عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيّاً، وعلى آله الطيبين الأخيار المنتجبين الأبرار، ابتعثه على حين شمخ الكفر بأنفه، ونأى بجانبه، وامتد على الخلق رواقه، وأحاط بهم نطاقه، وملأ البسيطة ظلامه، وظهر فيهم عتوه وغرامه، والخلق حيارى لا يبصرون، وضلال لا يهتدون، قد ملكتهم الجاهلية الجهلاء، وعمتهم الفتنة الصماء، ونور الحق قد آذن بالطموس، ومال بوجهه إلى العبوس، فأدى الرسالة، وأظهر الدعوة، ومحض النصيحة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، ونهض بأمر الله صادعاً، ولشتات الدين جامعاً، ولسلطان الكفر قامعاً، وللأصنام والأوثان خالعاً، وجاهد في الله حق جهاده، وهدى ضلال عباده إلى صراط الله المستقيم، ولدين الله القويم بأنور منار وأبهر سلطان، وأوضح سبيل، وأبين دليل، قد شد عضده من المعجزات بأعظمها قدراً، وأفخمها أمراً، وأبقاها أثراً، وأعلاها خيراً، ذلك كتاب الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ .... الآية ﴾ [الزمر: 23]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 193 عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 194 بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ195﴾ [الشعراء] قد جعله مأدبة للخلق، ووصلة إلى الحق، وطريقاً إلى النجاة واضحاً، وسبيلاً إلى الجنة لائحاً، من اعتصم به اهتدى، ومن أعرض عنه ضل وغوى، فيه بيان لكل شيء وهدى وبشرى للمحسنين؛ فلم يزل صلى الله عليه وآله وسلم يعلمكم تنزيله، ويفهمكم تأويله، ويشرح حلاله وحرامه، ويشرح قصصه وأمثاله، حتى اهتديتم به من حيرة العمى، واستوضحتم منهاج الهدى ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ103﴾ [آل عمران] حتى أدى حق الرسالة، وقام بشرط الأمانة، ووعظ ونصح وبلغ وأسمع.
ثم نقله الله إلى ما أعدّ له من كرامته، وأنزله منازل رحمته، واستأثر له ما لديه، وقبضه الله إليه راضيا عمله، قابلاً سعيه، فابتدأ كثير من الأمة في تبديل سنته، والالتواء على عترته، كأن لم يسمعوا قول الله حيث يقول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا33﴾ [الأحزاب]، وحيث يقول: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ61﴾ [آل عمران] فجعل الأبناء الحسن والحسين، والنساء فاطمة، والأنفس نفسه ونفس علي صلوات الله عليهم.
فانظروا كيف نزههم الله محققاً أنهم أولوا الصدق، ثم ألزم المؤمنين متابعتهم والكون معهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ119﴾ [التوبة] ولم يسمعوا ما أنزل الله في أمير المؤمنين عليه السلام حين تصدق بخاتمه راكعاً، إذ يقول عز وجل قائلا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ55﴾ [المائدة] وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخاطباً كافة أمته: ((من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله أولى، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقوله: ((إني تارك فيكم الثقلين)) وقوله: ((مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))، فتأملوا رحمكم الله كيف أوضح الحق وكيف قطع المعاذير، وانظروا إلى كثير من الأمة كيف غيروا وبدلوا حتى زاغوا وضلوا.
فأما أمير المؤمنين فنُكِثتْ بيعتُه جهراً وحُمِلَ على كثير مما كره قهرا: فمِنْ غادر به قد خذله وقاعد قعد عن نصرته، وناكث نكث على نفسه عقد بيعته، ومارق مرق عن طاعته، وقاسط قسط في إهمال ما أوجب الله تعالى من ولايته، وما ثبت معه على أمره إلا فريق من المهاجرين والأنصار الذين محضوا الإيمان محضاً، ورأوا طاعة الله فرضاً.
وقديماً عهد إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: ((يا علي إنك ستقاتل بعدي الناكثين والمارقين والقاسطين))، فلم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى قتله الأشقى، ومضى عليه الصلاة والسلام شهيداً، ولاقى ربه حميداً.
فانتصب للأمر بعده الإمام الوافر والقمر الزاهر، سبط النبي وسلالة الوصي الحسن بن علي صلوات الله على روحه في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، فرأب صدع الدين، ودعا إلى الحق المبين، ولم يأخذه في الله لومة لائم، إلى أن خذله أجناده، وقعد عنه أعضاده، وبسطت إليه الأيدي بالسوء، فجرح ودفع عما انتصب له، ودعي إلى سلم من كان له حرباً، وغصب على الأمر غصباً، ثم لم يرض بذلك حتى قتل مسموماً، ودفن مظلوماً.
فقام بالأمر بعده من ترك الدنيا وزينتها، وأراد الآخرة وسعى لها سعيها الحسين بن علي عليه السلام، فشهر سيفه وبذل نفسه، ونهض إلى العراق لمنابذة الفساق بعد ما دعي إليها ووعد النصرة بها، فتعاوره من حزب الشيطان من لم يزل مبطنا للنفاق، ومصراً على الشقاق، فقتلوه أقبح قتلة، ومثلوا به أشنع مثلة، وغودر صريعاً، ونبذ بالعراء طريحاً، وحُزَّ رأسه وحمل إلى من بان كفره، وظهر ولاح عناده وانتشر، وسبيت بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأطفاله كما سبيت ذراري المشركين، فلم يكن من المسلمين من يغضب لله ويذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان الجميع بين راض شامت، ومنكر ساكت، فعند ذلك شربوا الخمور وأعلنوا الفجور، ورفعوا حشمة الإسلام ولعبوا بالأحكام، واتسعت المظالم وظهرت المآثم، حتى لم يبق من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه.
ثم قام بعده الإمام الزكي والحبر الرضي زيد بن علي صلى الله عليه في عصبة قليلة شروا أنفسهم في سبيل الله، وسارعوا إلى الغفران، وتبادروا إلى الجنان، فعطفت عليهم الأشقياء من بني أمية سالكين بهم سبيلهم في جده فقتلوه وصلبوه وأحرقوه، ثم ألحقوا به الطاهر المطهر ابنه يحيى، فيا لبني أمية الويل والثبور، ويالهم السعير المسجور، غرتهم زهرة الدنيا فمالوا إليها، ورغبوا عن الآخرة فأعرضوا عنها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:16] ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ 44 فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ45﴾[الأنعام].
ثم جاء بنو العباس معلنين شعارنا، طالبين بزعمهم ثأرنا بادعائهم جدهم العباس وابنه عبد الله في متابعة أمير المؤمنين، وإظهار طاعته وإيثار ولايته، إذ لم يزل العباس يخطب بمتابعته السعادة، وعبد الله يطلب في الجهاد بين يديه الشهادة، فلما اتسعت أحوالهم بنا، واستوسقت أسبابهم باسمنا بغوا وطغوا، (وآثروا الحياة الدنيا، واقتفوا آثار الأكاسرة، وسلكوا منهاج الفراعنة الجبابرة، وجاهروا الله تعالى بكبائر الفسوق) ورفلوا في أثواب المروق، وجردوا علينا أسياف العقوق، وَسَنَّ مخذولهم الملقب بالمنصور في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتل الذريع، والحبس الفظيع، والأمر الشنيع، وأراق يوم الثنية دم محمد بن عبد الله النفس الزكية.
ثم قَتَل أخاه إبراهيم بن عبدالله، وحمل أباهما وعمومتهما وبني عمومتهما البررة الأتقياء السادة النجباء على الأقتاب؛ فعل أشباهه من بني أمية، ثم اقتدى به بنوه، وسلكوا سبيله واتبعوه، وأظهروا المناكير فالمناكير، وأضلوا الجماهير فالجماهير، فيا عجباً لمن ينتصب على الأعواد في الجمعات والأعياد، يشهد لهم على الله بالزور وهم منهمكون في الفجور أما يتقي الله الجبار؟ أما يتقي الله القهار؟ أما يخاف يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟
عباد الله: إني قد رأيت أسباب الحق قد مرجت، وقلوب الأولياء به قد حرجت، وأهل الدين مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، ورأيت الأموال تؤخذ من غير حلها وتوضع في غير أهلها، ووجدت الحدود قد عطلت، والحقوق قد أبطلت، وسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بدلت وغيرت، ورسوم الفراعنة قد جددت واستعملت، والآمرين بالمعروف قد قلوا، والناهين عن المنكر قد وهنوا فذلوا، ووجدت أهل بيت النبي عليهم السلام مقموعين مقهورين مظلومين، لا يؤهلون لولاية ولا شورى، ولا يتركون ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم فيئهم، فهم يحسبون الكف عن دمائهم إحسانا إليهم، والانقباض عن حبسهم وأسرهم إنعاماً عليهم، يطلبون عليهم العثرات ويرقبون فيهم الزلات، ووجدتهم في كل واد من الظلم يهيمون وفي كل مرعى من الضلال يسيمون، (ووجدت أملاك المسلمين) تغصب غصباً، وأموالهم تنهب نهباً، ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ10﴾ [التوبة] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا10﴾ [النساء] ووجدت الفواحش قد أقيمت أسواقها وأديم نفاقها، لا خوف الله يَزَع، ولا حياء الناس يمنع، بل يتفاخرون بالمعاصي، ويتنابزون ويتباهون بالإثم، قد نسوا الحساب، وأعرضوا عن ذكر المآب والعقاب، فلم أجد لنفسي عذراً إن قعدت ملتزماً أحكامهم، متوسطاً أيامهم، أؤنسهم ويؤنسونني، وأسالمهم ويسالمونني، فخرجت أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين.
أيها الناس أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيئه والرضا من آل محمد ومجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين، وإني كأحدكم لي ما لكم وعلي ما عليكم إلا ما خصني الله به من ولاية الأمر ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 31] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
أيها الناس؛ سارعوا إلى بيعتي، وبادروا إلى نصرتي، وازحفوا زحفاً إلى دار هجرتي، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وبهجتها، فإنها ظل زائل وسحاب حائل، ينقضي نعيمها ويظعن مقيمها، والآخرة خير وأبقى أفلا تعقلون: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
أيها الناس؛ مهما اشتبه عليكم فلا يشتبه عليكم أمري، أنا الذي عرفتموني صغيراً وكبيراً، ورحمتموني طفلاً وناشئا وكهلاً. قد صحبت النساك حتى نسبت إليهم، وخالطت العباد حتى عرفت فيهم، وكاثرت العلماء وحاضرت الفقهاء، فلم أخل عن مورد ورده عالم بارع، ومشرع شرع فيه متقن فارع، وجادلت الخصوم نضحاً عن الدين، ونضالاً عن الحق المبين، حتى عرفت مواقعي، وكتبت وحفظت طرائقي وأثبتت، هذا وما أبرئ نفسي في أثناء هذه الأحوال ومجامع هذه الخصال من تقصير وتعذير، ولا أزكيها بل أتبرأ إلى الله من حولها وقوتها، وإن جميع ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم.
وأما نسبتي إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدونه فلق الصباح، ولا عذر لكم أيها الناس في التأخر عني والاستبداد دوني، وقد ناديت فأسمعت؛ لتجيبوا دعوتي، وتتحروا لنصرتي، وتعينوني على ما نهضت له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].
ألا فأعينوني على أمري، وتحروا بجهدكم نصرتي، أوردكم خير الموارد، وأبلغكم أفضل المحامد. عباد الله، أعينوني على إصلاح البلاد، وإرشاد العباد، وحسم دواعي الفساد، وعمارة مناهل السداد.
ألا ومن تخلف عَنِّي وأهمل بيعتي - إلا لسبب قاطع أو لعذر مانع بَيِّنِ الحجة - فإني أجاثيه للخصام يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم الآزفة، فأقول: ألم تسمع قول جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يُجبها كبّه الله على منخريه في النار)) ألا فاسمعوا وأطيعوا ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ....الآية﴾ [التوبة: 24] فلتتفق كلمتكم وليجتمع شملكم ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
ألا وقد سلكتُ سبيل من مضى من آبائي الأخيار، وسلفي النجباء الأبرار في منابذة الظالمين، ومجاهدة الفاسقين مبتغيا به مرضات رب العالمين، فاسلكوا أيها الإخوان سبيل أتباعهم الصالحين، وأشياعهم البررة الخاشعين في المعاونة والمظاهرة والمكاثفة والمؤازرة، وتبادروا رجالاً وسارعوا إليَّ أرسالاً، وإياكم والجنوح إلى الراحة طالبين لها وجوه العلل، مغترين بما فسح الله لكم من المهل، وعن قليل يُحِقُّ الحق ويبطل الباطل، ويعاين كل امرئ ما اكتسب، ويُجازَى كل بما اجترم ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: 25] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44].
تمت الدعوة بحمد الله تعالى وحده وصلواته على محمد وعلى آل محمد.