كان عليه السلام قد نشأ على الديانة والعفاف والعلم والعمل حتى بلغ أشرف خطة وأسنى درجة.
روينا أن إبراهيم بن أبي يحيى المدني: سُئل فقيل: قد رأيت محمدًا وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام، فأيهما كان أفضل؟ قال: إبراهيم بن أبي يحيى: والله لقد كانا فاضلين، شريفين، كريمين، عابدين، عالمين، زاهدين، وقد كان إبراهيم يقدم أخاه محمدًا لإبراهيم عليه السلام ويفضله، وكان محمد عليه السلام يعرف فضله، وقد مضيا شهيدين صلوات الله عليهما.
وروينا عن عمرو بن النضر قال: لَمَّا قتل إبراهيم بن عبدالله وأنا بالكوفة فأتيت الأعمش بعد قتله فقال: ها هنا أحد تنكرونه؟ قلنا: لا، قال: أما والله لو أصبح أهل الكوفة على مثل رأيي لسرنا حتى ننزل بِعَقْوَتهِ- يعني أبا جعفر- فإذا قال لي: ما جاء بك يا أعمش؟ قلت: جئت لأبيد خضراءك أو تبيد خضرائي بما فعلت بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وروينا أن إبراهيم عليه السلام كان جالسًا مع أصحابه ذات يوم فسأل عن رجل من أصحابه؟ فقال له بعض من حضر: هو عليل، والساعة تركته يريد أن يموت، فضحك القوم منه، فقال إبراهيم بن عبدالله عليهما السلام: لقد ضحكتم منها وهي عربية، قال الله عز وجل: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] بمعنى: يكاد أن ينقض، قال: فوثب أبو عمرو بن العلاء فقبل رأسه، وقال: لا نزال بخير ما كان مثلك فينا.
وروينا عن المفضل الضبي قال: كان إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام متواريا عندي بالبصرة، قال: إنك تخرج وتتركني ويضيق صدري فأخرج إلي شيئا من كتبك، فأخرجت إليه شيئًا من الشعر، فاختار منه سبعين قصيدة، ثم أتبعتها أنا بسائر اختياري، فالسبعون من أول الاختيارات اختياره والباقي اختياري.
وروى الشيخ أبو الفرج في مقاتل الطالبية بإسناده: أن محمدًا وإبراهيم كانا عند أبيهما، فوردت إبل محمد فيها ناقة شرود لا يُرد رأسها، فجعل إبراهيم يحد النظر إليها، فقال له محمد: كأن نفسك تحدثك بأنك رادَّها، قال: فإن فعلت؟ قال: فهي لك، فقال إبراهيم: فجعل ينظر إليها ويستتر بالإبل حتى إذا أمكنته جاءها وأخذ بذنبها فاحتملته وأدبرت تمحص حتى غابت عن عين أبيه، فأقبل على محمد وقال له: عرَّضت أخاك، فمكث هونا ثم أقبل مشتملاً بإزاره حتى وقف عليهما فقال له محمد: كيف رأيت؟ زعمت أنك حابسها؟ قال: فألقى ذنبها وقد انقطع في يده، وقال: ما أعذر من جاء بهذا.
وروى له في مقاتل الطالبية يذكر أباه وأهله وحملهم وحبسهم عليهم السلام من المدينة إلى أبي جعفر الملقب بالمنصور:
ما ذِكْرُكَ الدِّمنةَ القفار وأهـ ... ـــل الدار إمَّا ناؤوك أو قَرُبُوا
إلا سفاها وقد تفرعك الـ ... شيب بلون كأنه العُطُبُ
ومرَّ خمسون من سِنيكَ كما عدْ ... دَ لك الحاسبون إذ حسبوا
فَعَدِّ ذكر الشباب لست له ... ولا إليك الشباب ينقلب
إني عرتني الهموم واحتضر الهـ ... ــم وِسادي فالقلب منشعب
واستمرح الناس للشقاء وخلفـ ... ـتُ لدهر بظهره حدب
أعرج يستعذب اللئام به ... ويحتويه الكرام إن شربوا
نفسي فدت شيبة هناك وظنبو ... بًا به من قيودهم نُدب
والسادة الغر من بنيه فما رو ... قب فيهم إلٌّ ولا نسب
يا حِلَقَ القيد ما تضمنت من ... حلم وبرٍّ يزينه حَسَب
وأمهات من الفواطم أخلصـ ... ـــنك بيض عقائلٌ عُرُبُ
كيف اعتذاري عند الإله ولم ... تُشهَرُ فيك المأثورة القُضبُ
ولم أُقدْ غارة ململمةً ... فيها بنات الصريح تنتجب
والسابقات الجياد والأسل الـ ... ـسمر وفيها أسِنَّةٌ ذُرُبُ
حتى تُوَفِّى بني نتيلة بالقسـ ... ــط بكيل الصاع الذي اجتلبوا
بالقتل قتلاً وبالأسير الذي في الـ ... ــقيد أسرى مصفودة سلب
أصبح آلُ الرسول أحمد في النا ... س كذي عِرَّةٍ به جَرَبُ
بؤسًا لهم ما جَنَتْ أكفهم ... وأي حبل من أمة نصبوا
وأي عهدٍ خانوا المليك به ... شد بميثاق عقده الكرب
وروي له أيضًا في مقاتل الطالبية قوله في زوجته:
ألم تعلمي يا بنت بكر تشوُّقي ... إليك وأنت الشخص ينعم صاحُبه
وعُلِّقتُ ما لو نيط بالصخر من جوىً ... لهدَّ من الصخر المنيف ذوائبُه
رأت رجلاً بين الركاب ضجيعه ... سلاح ويَعْبُوبٌ فباتت تُجَانِبُه
تصدُّ وتستحيي وتعلم أنه ... كريمٌ فتدنو نحوه وتلاعبُه
فسلانا عنها ولم نَقْلِ قُرْبَهَا ... ولم يقلنا خطبٌ شديدٌ تَكَاُلبُه
عجاريف فيها عن هوى النفس زاجرٌ ... إذا اشتبكت أنيابُه ومخالبُه