سؤال: ذكر الله تعالى أنه يستجيب للمشركين دعوتهم حين يكونون على ظهر الفلك في وسط البحر، حين يهيج بهم البحر؛ فإنهم إذا دعوه في تلك الحال استجاب لهم دعوتهم ونجاهم، فكيف يستجيب لهم دعوتهم وهم مشركون؟
قد يقال في الجواب: إن المشركين في وسط البحر حين تعصف بهم الرياح، ويهيج بهم البحر- يتوجهون بقلوبهم ودعائهم إلى الله وحده؛ لعلمهم أنه لا يقدر على إنقاذهم سواه، وينسون أصنامهم في تلك الحال، لاستيقان أنفسهم في تلك الحال أنها لا تقدر على نفعهم وإنقاذهم.
وحينئذ فدعاؤهم لله وقع في تلك الحال من قلوب مؤمنة بالله وحده، موقنة بأن القدرة والقوة له وحده، ليس للأصنام في قلوبهم مكان.
وهكذا أخبر الله تعالى عنهم أنهم يدعون الله تعالى في تلك الحال مخلصين له الدين، وأنهم في تلك الحال ينسون ما يشركون، وقد دعوا الله تعالى مخلصين، دعاء المضطرين، فأجابهم ونجاهم.
فالدعاء في تلك الحال وقع من أهله، وكانت الإجابة في محلها، وقد دعوا الله تعالى دعاء المضطرين وقد قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: ٦٢].
وبعد، ففي الاستجابة لدعائهم حجة عليهم، وآية بينة لهم تصدهم عن الشرك، وتردهم إلى الله وحده، وزيادة لطف بهم.
ويظهر لي أن إجابة الدعوة بالنسبة إلى الداعين تنقسم إلى قسمين:١ - إجابة دعوة المضطر، وهو الذي أحاطت به أسباب الهلاك، ونظر هنا وهناك لعله يجد ما ينقذه فلم يجد شيئاً، وانقطع رجاؤه من كل شيء على وجه الدنيا وفي نواحي السماء، فتوجه بقلبه إلى الله، ومد رجاءه إليه ودعاه؛ لاستيقانه أنه لا يقدر على إنقاذه سواه، فمثل هذا الداعي يستجيب الله تعالى له، ولا يشترط لقبول الدعوة أن يكون من عباد الله المؤمنين من قبل الدعاء، ولا أن يستقيم على الإيمان والطاعة بعد الخروج من المأزق.
ودليل ذلك: ما سبق من ذكر إجابة الله لدعاء المشركين في البحر الهائج، وقد قال تعالى مخاطباً للمشركين في سورة النمل، على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ٥٩}[النمل]، إلى قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ... } [النمل: ٦٢].
٢ - إجابة دعوة غير المضطر، وهي مشروطة بالإضافة إلى ما ذكر من الإخلاص في الدعاء في دعوة المضطر بأن يكون الداعي مستجيباً لله، وملازماً للتقوى، وتائباً إلى الله، وذلك لقوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ١٨٦}[البقرة]، فجعل سبحانه وتعالى الاستجابة لله بامتثال أوامره وترك مناهيه مع الالتزام بالإيمان- جعل ذلك علة وسبباً لاستجابة دعائهم الذي فيه رشادهم وفلاحهم، وقال سبحانه: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ٢٧}[المائدة].
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله