الأربعاء ٢٥ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ الموافق 4 نوفمبر 2026 م
العودة للأرشيف

وصية أمير المؤمنين عليه السلام في قتال الخوارج

رقم الفتوى: 25621
تاريخ النشر: 2026/10/30
المشاهدات: 7

: ما هو المراد بقول أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهم السلام : (لا تقاتل بعدي الخوارج، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه)؟

: يريد أمير المؤمنين عليه السلام بوصيته هذه لابنه الحسن عليه السلام النهي لابنه عن أن يقاتل الخوارج تحت راية معاوية وفي إمارته، فإن معاوية وأصحابه وإن قاتلوا كلاب أهل النار فهم أضل وأشد ظلماً من الخوارج؛ لأن الخوارج لميدخلوا في الضلال تعمداً، وإنما دخلوا فيه عن طريق الخطأ في النظر فكان قصدهم الحق فأخطأوه، أما معاوية وأصحابه فقد دخلوا في الضلال عن عمد ومحبة للضلال.
وليس مراد أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا يجوز قتال الخوارج على الإطلاق، وإنما مراده ما ذكرنا من نصرة معاوية ضد الخوارج.
وقد بين أمير المؤمنين عليه السلام العلة في نهيه لابنه الحسن حين قال: (فليس من طلب الحق ... إلخ) ومعنى ذلك: لأن معاوية أشد ضلالاً من الخوارج وأكثر توغلاً في الباطل منهم.
ثم بين أمير المؤمنين ذلك بأن معاوية ضل من جهتين: اختيار الباطل عن عمد وطلب وتصميم هذه جهة، والجهة الثانية: إدراكه الباطل والدخول فيه والعمل به.
أما الخوارج فإنهم إنما ضلوا من جهة واحدة حيث أنه لم يكن لهم نية في الباطل ولا طلب ولا عزم ولا تصميم، ونيتهم إنما كانت في طلب الحق غير أنهم أخطأوه ودخلوا في الباطل وعملوا به؛ فضلالهم إنما كان من هذه الجهة.
فإن قلت: فهل كانت تجوز مقاتلة معاوية مع الخوارج؟
قلت: هناك نصوص تدل على أنه لا يجوز معاونة أهل الباطل على باطلهم كقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢]، والخوارج أهل ضلالة، وهم شر الخلق والخليقة، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ومن هنا فلا تجوز معاونتهم.
فإن قيل: إذا كان معاوية قد ظلمهم بالعدوان عليهم والبغي، وكان موقفهم إنما هو موقف دفاع؛ فهلا تجوز معاونتهم لدفع الظلم عنهم، كما يجوز ويجب دفع الظلم عن أهل الذمة؟: الخوارج –وإن كانوا كذلك- فلا تجوز معاونتهم؛ لأنهم قد خرجوا في ضلالهم من ولاية الله إلى عداوته، وقد خرجوا من حزب الله إلى حزب الشيطان، وقد وصف الله المؤمنين في سورة التوبة بأن بعضهم أولياء بعض، وأن المنافقين بعضهم من بعض.
وقال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ١٢٩}[الأنعام]، في هذه الآية دليل على أن ما نزل من بعض الظالمين على بعض نوع من العذاب العاجل استحقوه بما كانوا يكسبون، فلا ينبغي ولا يجوز أن يتصدى المؤمن لسخط الله وعذابه النازل على الظالمين.
والحقيق بالمؤمن والأولى به الابتعاد عن ذلك ويقول: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٨٥}[يونس]، و {لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٧}[الأعراف]، {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ٢٥}[المائدة].
فإن قيل: قد قال أهل المذهب بجواز إعانة الأقل ظلماً على الأكثر ظلماً.
قلنا: قد قالوا ذلك بشروط:
١ - ألا تكون معاونتهم فيما يختص بالأئمة.
٢ - أن يقف الظالم على الرأي، أي على مقتضى الشريعة.
٣ - ألا تؤدي إعانته إلى قوة ظلمه.
أما أهل الذمة فإنما وجب الدفع عنهم لأجل ما يقتضيه عهد الذمة من حفظ دمائهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم على أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
أما الخوارج ونحوهم فبخروجهم عن الولاية انقطعت دونهم الروابط، فليس لهم من ولاية المؤمنين حظ ولا نصيب، ولم يكن لهم كأهل الذمة عهد وذمة.
فإن قيل: إذا كان العدو الباغي على الخوارج من الكافرين فهل يختلف الحكم؟
قلنا: الحكم هنا مختلف عما سبق فتجوز المعاونة للخوارج ونحوهم في دفع بغي الكافرين، وذلك أن زحف الكفار على الخوارج أو نحوهم يعتبر زحفاً علىالإسلام، ومن هنا قال تعالى فيما يشبه هذا: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ... } الآية [الأنفال: ٧٢]، فإذا اندحر الكافرون عن بلاد المسلمين كف المسلمون أيديهم عن معاونة الخوارج.
فإن قيل: فما هو المراد بقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... } الآية [الحجرات: ٩].
قلنا: المراد بهذه الآية أنه إذا اقتتلت فئتان من المسلمين أو قبيلتان فالواجب على المؤمنين أن يصلحوا بينهما فإذا بغت إحداهما بعد الصلح على الأخرى وجب قتال الباغية حتى تكف عن بغيها وترجع عن عداوتها.
أما الخوارج ومعاوية فهم خارجون قطعاً عن أمر الله، وهم عند الله بغاة ظالمون، فليس أمرهم بملتبس، وكان الواجب على المؤمنين لو تهيأت لهم الأسباب أن يقاتلوا كلا الفريقين، لا أن يصلحوا بينهما، وهكذا يكون الواجب في من كان بصفتهما.
نعم، إذا تاب الخارجي وكان قد قتل جنوداً من جنود معاوية ونحوه فالذي يظهر أنه لا شيء عليه سوى إخلاص التوبة:
١ - لأن الخوارج من جملة الكافرين وإن كان كفرهم كفر تأويل، والمعلوم أن الإسلام يجب ما قبله والتوبة من الكفر تجب ما قبلها.
٢ - لم يتعرض أمير المؤمنين عليه السلام لأهل البصرة بعد وقعة الجمل، والمعلوم أنهم كانوا قد قتلوا جملة من أصحابه بالغدر قبل الوقعة، وقتلوا طائفة آخرين في الوقعة فلم يسأل أمير المؤمنين عن القتلة.

📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله