الأحد ٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ الموافق 20 سبتمبر 2026 م
العودة للأرشيف

حكم الحلف بحرام وطلاق

رقم الفتوى: 25419
تاريخ النشر: 2026/09/17
التصنيف: الطلاق
المشاهدات: 4

سؤال: ما قولكم فيما اشتهر عند العامة من حلفهم بحرام وطلاق أني ما أفعل أو لأفعلن كذا، هل هو يمين فقط؟ أم أنه طلاق إذا حنث مع إرادة الحالف تعليق ما حلف عليه بطلاق زوجته؟ أوضحوا لنا الكلام على المسألة، ومن ذكرها من أصحابنا بهذه الصورة أعني جمع الحرام والطلاق، كان الله في عونكم؟

الجواب ومن الله التوفيق: أن قول الحالف: حرام وطلاق ما فعلت أو لأفعلن من شأنها توثيق الخبر المحلوف عليه، وإقناع المخاطب أو حتى النفس أو منعها أو نحو ذلك. هذا هو المقصود من الحلف بهذه اليمين.
والظاهر أنه ليس للحالف قصد إلى طلاق زوجته ومفارقتها بهذه اليمين، ولا يكون له التفات غالباً عند الحلف إلى زوجته، وإنما يتوجه قصده إلى التوثيق والتأكيد والأعمال بالنيات.
وبعد، فلفظ: «حرام وطلاق» ألفاظ مفردة غير مسندة إلى زوجة لا لفظاً ولا تقديراً عند النحاة، فلو قال القائل في غير يمين: طلاق طلاق، أو حرام وطلاق، لم يقع به شيء.
ولا بد في تحقق الطلاق من إيقاع لفظ الطلاق على اسم الزوجة أو ضميرها الظاهر أو المقدر تقديراً صحيحاً مجارياً للقوانين النحوية والأوضاع اللغوية؛ فإذا لم يكن الطلاق كذلك لم يصح ولم يقع به طلاق.
وذلك لأن الطلاق مترتب على أسباب لفظية، وهكذا النكاح والبيوع والهبة والوقف والنذر، و .. إلخ، والأصل عدم الطلاق حتى يتحقق سببه.
نعم، الحلف بذلك (حرام وطلاق) يكثر في بعض المناطق، والذي يظهر لي أنه دخل في كلام أهل تلك المناطق وجرى على ألسنتهم ضمن اللهجة التي يتلقفونها منذ الحداثة.
ونظير ذلك لفظة (والله) التي تجري على الألسنة من غير قصد إلى الحلف في لهجاتنا.
فلكل ما ذكرنا قلنا: إنه لا يقع بتلك اليمين طلاق، وهكذا نقول في: (علي الطلاق).
ونزيد في التوضيح: (حرام وطلاق) و (علي الطلاق) بمنزلة: والله، أوأقسم بالله، ويأتي في الجواب: لأفعلنّ أو ما فعلت، أو نحو ذلك مما يدل على أن ذلك مقسم به، فكأن الحالف قال: أقسم بـ (حرام وطلاق) أو بـ (علي الطلاق).
والواقع أن ليس فيما ذكر تعليق طلاق الزوجة بأمر؛ إذ ليس هناك حرف تعليق لا ظاهر ولا مقدر.
وهناك نوع من الحلف بالطلاق وهو تعليق طلاق الزوجة على شرط إذا خرج مخرج اليمين، نحو: زوجتي طالق إذا فعلت كذا وكذا، أو إذا فعلت كذا وكذا فزوجتي طالق.
وهذا النوع من الحلف هو الذي ينبغي الوقوف عنده، لا ما تقدم فليس فيه ذكر للزوجة لا صريح ولا كناية، وليس فيه تعليق البتة.
أما هذا النوع ففيه الأمران، وهما: التعليق، وذكر الزوجة، والذي يظهر لي في هذه اليمين: أن غرض الحالف بهذه اليمين وقصده بها في الظاهر هو توثيق وتوكيد ما حلف عليه، هذا هو الغرض الأصلي الذي بعث على الحلف ودعا إليه.
وكثيراً ما يحلف الحالف بهذه اليمين وهو كاره للحلف بها، وإنما تلجئه الضرورة للحلف بها، وفي الظاهر أن الحالف بها لا يقصد إلى طلاق زوجته ولا يريد فراقها عند الحلف بهذه اليمين، وإنما يريد توثيق الخبر، ولا بد في صحة الطلاق من النية والقصد، وقد ذكر ذلك في أصول الأحكام، أي: الأدلة على اشتراط النية في الطلاق.
إلا أن الظاهر فيمن أوقع الطلاق المطلق على زوجته أنه يريد طلاقها؛ لأن العاقل لا يوقع الطلاق من غير نية وقصد، هذا هو شأن طلاق العقلاء.
ومن ادعى أنه طلق زوجته بغير نية وقصد إلى الطلاق فلا يقبل قوله؛ لمخالفته للظاهر.
أما الحالف بتلك اليمين فلا يريد الطلاق في الظاهر، وإنما يريد توثيق خبره وتأكيده.
وفي المقاصد الصالحة لسيدي العلامة علي بن محمد العجري رَحِمَهُ اللهُ ما يدل على أنه يميل إلى أن الحلف بغير الله لا يترتب عليه شيء.
والحاصل أن الحالف بالطلاق لا نية له في طلاق زوجته، وإنما القصد والنية هي توثيق ما حلف عليه. هذا ما يظهر عند الحلف بالطلاق.
فإن قيل: قد علق الحالف طلاق زوجته على شرط فيقع الطلاق عند وقوع الشرط، وظاهر ذلك وقوع الطلاق عند وقوع الشرط؛ لأن العاقل المختار لا يقول مثل ذلك إلا وهو يريده ويتعمده.
قلنا: ذلك في الطلاق المعلق على شرط في غير اليمين، وهناك فرق بين المسألتين، واختلافهما هو باختلاف الغرض.
فالحلف بالطلاق يصدر من أجل غرض هو توثيق الحكم والخبر وتأكيده وإقناع المخاطب، والغرض في تعليق الطلاق على شرط في غير يمين هو إيقاع الطلاق عند حصول شرطه، هذا هو الظاهر.
والطلاق لا يقع إلا مع النية؛ للأدلة الدالة على أنه لا عمل إلا بنية، فلو نطق الزوج بطلاق زوجته وهو لا ينوي طلاقها فإنها لا تطلق، هذا فيما بينه وبين الله.
أما إذا نازعته الزوجة ورافعته، وشهد الشهود على قوله بكلمة الطلاق فإن الحاكم سيحكم بالطلاق بناءً على الظاهر.
والحالف بالطلاق قد قامت القرينة على أنه لا ينوي بيمينه الطلاق، والقرينة هي:
١ - أن المقام الذي تقال فيه اليمين مقام تأكيد الخبر للسامع وتقريره في ذهنه.
٢ - أن الطلاق المعلق في يمين الحالف لم يذكر إلا لغرض هو إقناع المخاطب، ولم يذكر لغرض الطلاق ونية الفراق.
فالمسألة شبيهة بالكناية التي يراد بها اللازم، نحو: فلان كثير الرماد، ونحو قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: ٢٩]، فلم يرد كثرة الرماد ولا غل اليد ولا بسطها، وإنما المراد الكرم الذي هو لازم كثرة الرماد، والبخل الذي هو لازم لقبض اليد، والإسراف الذي هو لازم لبسط اليد.
فالطلاق في اليمين شبيه بما ذكرنا، من حيث إنه ذكر من غير قصد إلى معناه، وإنما ذكر لأجل توكيد الخبر الذي هو لازم الحلف بالطلاق.
📘 من ثمار (العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله