وإن من أسطع تلك الأنوار التي بهرت التاريخ علما وفضلا، وورعا وزهدا، إمام الأمة، والشهيد الأكرم، زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-؛ ذاك الذي كان صاحب فكر وعقيدة، ورائد البصيرة، ومحرر الأمة من أسر الظلم والجهل ومن قيود التقليد والعصبية الجاهلية.
مدرسة التقوى والنشأة
انطبعت في نفسه سيرة أبيه السجاد زين العابدين، فكان نور التقوى يبدو في وجهه، حتى قال فيه بعض معاصريه: “كنت إذا رأيت زيدا، رأيت أسارير النور في وجهه”. وقد ارتضع الهدى منذ نعومة أظفاره، فأقسم وهو الصديق قائلا:
— “والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرما منذ عرفت أن الله يؤاخذني به، هلموا فسلوني”.
كان ملازما للقرآن حتى لقب بـ “حليف القرآن”، ووصف نفسه لبعض أصحابه فقال: “إن زيد بن علي لم يهتك لله محرما منذ عرف يمينه من شماله”.
رهبنة الليل.. دمع يروي المحاريب
حدث ولده يحيى عن عبادته فقال: “كان يصلي الفريضة، ثم يصلي ما شاء الله، ثم يقوم على قدميه يدعو الله إلى الفجر، يتضرع إليه، ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر قام وصلى الفريضة، ثم جلس للتعقيب إلى أن يتعالى النهار، ثم يقوم في حاجته ساعة، فإذا كان قرب الزوال قعد في مصلاه، وسبح الله ومجده إلى وقت الصلاة، وقام فصلى الأولى، وجلس هنيهة وصلى العصر، وقعد في تعقيبه ساعة ثم سجد سجدة، فإذا غابت الشمس صلى المغرب والعتمة، وكان يصوم في السنة ثلاثة أشهر، وفي الشهر ثلاثة أيام”.
الصرامة في الحق: درس في العدل والقيادة
كان الإمام زيد يتمتع بنفس قيادية سامية، يزن الأمور بميزان الشرع لا بميزان الهوى، فمن عظيم كلامه وتعليماته لأصحابه في أشد الظروف:
— “إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم، فلأن يستجيب لكم رجل واحد خير لكم مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة، وعليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالبصرة والشام، لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تفتحوا بابا مغلقا، والله على ما أقول وكيل”.
وعندما بلغه أن قوما من الغلاة يقولون إن دماء وأموال بني أمية ورعيتهم فيء لهم، صعد المنبر بالكوفة وخطب حازما:
— “بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: أيها الناس إنه لا يزال يبلغني منكم، أن قائلا يقول: إن بني أمية فيء لنا، نخوض في دمائهم، ونرتع في أموالهم.. حكم بلا علم، وعزم بلا روية، جزاء السيئة سيئة مثلها، عجبا لمن نطق بذلك لسانه.. أبكتاب الله تعالى حكم أم بسنة نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم اتبع أم طمع في ميلي معه، وبسطي يدي في الجور له هيهات هيهات، فاز ذو الحق بما يهوى، وأخطئ الظالم بما تمنى.. العدل أولى بالآخرة ولو كره الجاهلون. حق لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ولمن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحق.. إياكم والعصبية، وحمية الجاهلية، فإنهما يمحقان الدين، ويورثان النفاق”.
جوهر التضحية
كان حريصا على إصلاح الأمة مهما كان الثمن، فقد روي أنه خرج مع أصحابه ليلا، فنظر إلى الثريا وقال:
— “يا بابكي أما ترى هذه الثريا أترى أحدا ينالها؟” قلت: لا، قال: “والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع فأتقطع قطعة قطعة وأن الله أصلح بين أمة محمد”.
ومن درر حكمه التي أنشدها:
وإذا أردت تحولا من منزل … فانظر من الجيران حول المنزل
وإذا ظفرت بجار سوء فاتق … وإذا ظفرت بجار صدق فاحلل
ولد هذا الإمام العظيم سنة خمس وسبعين في المدينة المنورة، ونال شرف الشهادة في زمن هشام بن عبد الملك، ليلة الجمعة لخمس بقين من محرم سنة اثنتين وعشرين ومائة، وله من العمر ست وأربعون سنة.
____
#الإمام_زيد_بن_علي
#حليف_القرآن
#آل_البيت
#أئمة_الزيدية
#العدل_والتوحيد
#العروة_الوثقى_الزيدية
📋نور العترة وحجة الأمة.
