حضارة الكهرباء بين جحود النعمة ونذير الزوال.

الكهرباء هو العمود الفقري للتقدم الحضاري في جميع مجالاته من غير استثناء؛ فالسيارات لا تتحرك إلا بالكهرباء، والطائرة لا تطير إلا بالكهرباء، والمصانع لا تتحرك إلا بالكهرباء، وجميع الآلات المتحركة لا تتحرك إلا بالكهرباء، وأجهزة الاتصالات والكمبيوتر والإعلام والبث والتسجيل والتصوير والطباعة لا تعمل إلا بالكهرباء، وما لا يكاد يحصى من الآلات الكبيرة والصغيرة التي دخلت في ضروريات الإنسان اليوم كلها لا تعمل إلا بالكهرباء، ولولا الكهرباء لما كان للحضارة والتقدم وجود على الأرض. وقد عم الانتفاع بالكهرباء جميع البشر على وجه الأرض، وعظمت به النعمة عليهم وكبر موقعها في حياتهم ومعايشهم، إلا أنها نعمة منسية قل شاكروها.
وقد توسع الانتفاع بهذه النعمة، وعظم استعمالها عند الدول والشعوب المتقدمة والصناعية في أوربا وأمريكا وشرق آسيا وغيرها، وما زالوا منذ أكثر من مائة سنة وهم يتقلبون في هذه النعمة تصب عليهم خيرها وتغشاهم بركتها من فوقهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن تحتهم، وتطير بهم في السماء وتسبح بهم في الفضاء، وتغوص بهم في قيعان البحار والمحيطات، وتأتيهم بأخبار الدنيا وما حولها في لمح البصر، وتصلك بمن تريد مواصلته وجهاً لوجه على الشاشة في أي مكان كان صاحبك، و ... إلخ.
وكما ذكرنا فإن هذه النعمة مكفورة، بل إن الدول الصناعية ترى أنها هي التي أوجدت هذه النعمة بما عندها من العلم، وأن لها المنة بذلك في أعناق الناس، وما زال هذا رأيهم واعتقادهم من أول أيامهم الكهربائية وإلى اليوم.
وبعد أن ألقينا نظرة على هذه النعمة فلنلق نظرة إلى القرآن الكريم حول الموضوع الذي ذكرناه: قال الله عز وجل: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ٧}[إبراهيم]، وقال سبحانه حاكياً عن قارون الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولي القوة: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}[القصص: ٧٨]:
في الآية الأولى أقسم الله تعالى لعباده أنهم إن شكروا نعمته ليزيدنهم نعماً إلى نعمهم، وأقسم أنهم إن كفروا بنعمه ولم يشكروها ليعذبنهم على كفرهم بنعمه عذاباً شديداً.
وفي الآية الثانية حكى تعالى مقولة قارون أنه استفاد الكنوز والأموال العظيمة بعلمه وذكائه وحوله وقوته فكان ما كان مما قصه الله تعالى من خبره في القرآن: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ٨١}[القصص]. وقال سبحانه وتعالى عمن كفر به وبنعمه ولم يشكرها بعد أن بين لهم وذكرهم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٤٥}[الأنعام].
وقال سبحانه في مثل ذلك: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}[يونس: ٢٤].
وإذا نظرنا إلى العالم المتحضر اليوم ونظرنا إلى تأريخه المعاصر رأينا أن الله تعالى قد بلاهم بالسراء والضراء وأراهم من آياته ما فيه لهم عبرة وموعظة.
فقد دارت رحا الحرب العالمية الأولى والثانية على رؤوسهم وذاقوا من الويلات في الحربين ما لا يقدر قدره، وما زالت أشباحها المخيفة مرسومة في نفوسهم إلى اليوم بالرغم من مرور أكثر من سبعة عقود من الزمان عليها.
وأراهم الله من آيات عذابه ووبال نكاله ما فيه لهم عبرة وأي عبرة، فلم يلتفتوا إلى ربهم أية التفاتة، ولم يذكروه بأي ذكر، ولم يكن له عندهم أية مكانة.
قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ٦٢}[الأحزاب]، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ٤٣}[فاطر]، لذلك فإن سنة الله تعالى في عباده الأولين والآخرين مستوية.
فمن هنا فإننا اليوم نرى أن بأس الله وغضبه ونقمته على وشك الحلول بالعالم، ولا سيما المتحضر، وإذا حلت نقمة الله ونكاله بالعالم ولا سيما المتحضر فإنه عذاب الاستئصال كالذي حل بقوم نوح وبعاد وثمود، لا يبقي ولا يذر: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ٨}[الحاقة].
وقد يأخذ الله تعالى بنكاله المترفين والمفسدين وجيوشهم إلا القليل، ويوهن قوتهم، وذلك مثل ما صنع الله تعالى بقريش فإنه أخذ كبراءهم وساداتهم ومترفيهم وأركان قوتهم يوم بدر، وكما فعل ﷻ باليهود فيما حكاه الله تعالى في سورة الإسراء حين أفسدوا أولاً ثم حين أفسدوا ثانياً، وقال سبحانه بعد ذلك: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}[الإسراء: ٨]، وقد عادوا للفساد في الأرض فعذبهم الله تعالى في الحرب العالمية الثانية، ولم يستأصلهم تعالى في كل ذلك بل بقيت منهم بقايا.
وكما صنع تعالى بأكثر الدول الكبرى في الحرب العالمية الثانية، وأمثلة ذلك كثيرة منها ما نشاهده اليوم في العراق وأفغانستان، وحينئذ فالمتوقع حلوله بالعالم واحد من الأمرين اللذين ذكرنا أنها جرت سنة الله به.
أرى أن نكال الله بالعالم قد آن أوانه على حسب ما نرى من توفر الأسباب، أما تحديد وقت حلوله فهو غيب استأثر الله تعالى بعلمه، {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}[الجن].
· كيف يتوقع أن يكون طبيعة دول العالم ووضعها بعد حلول سخط الله ونكاله؟
من المحتمل حصول انفلات وفوضى في الدول العظمى، ثم يعقب ذلك في كل دولة دويلات صغيرة، فأمريكا مثلاً ستصبح دويلات عديدة بعد أن كانت دولة واحدة، تتسم كل دويلة بالضعف، لا يهمها إلا حفظ كيانها.
وعندئذ يكون العالم قد تخلص من هيمنة الدول الكبرى ومن سياساتها وضغوطها، وتحرر من العبودية لها.
➖➖➖➖➖
📚 كتاب (من ثمار العلم والحكمة فتاوى، وفوائد )
للسيد العلامة الحجة/ #محمد_بن_عبدالله_عوض_المؤيدي حفظه الله
ــــــــــــــــــــــــــــ 🔖#فتاوى_وفوائد
#الكهرباء #العذاب
#العروة_الوثقى_الزيدية